كيف يدعم الكيان الصهيوني انتخاب أبو مازن ولماذا؟!
الحكومة الإسرائيلية الحالية معنية بالتأثير على الانتخابات
الرئاسية للسلطة الفلسطينية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. وإن كانت حكومة
أرييل شارون قد تظاهرت في البداية أنها غير معنية بالتدخل في هذه الانتخابات،
إلا أنها بدأت تتدخل بشكل مباشر من أجل دفع الانتخابات إلى نتيجة محددة. نقطة
الانطلاق التي يستند إليها أرييل شارون في تعاطيه مع انتخابات الرئاسة في
السلطة تكمن في اعتقاده أنه يتوجب استغلال الفرصة الحالية من أجل التأثير على
الوضع الفلسطيني، وبالذات الدفع بقيادة فلسطينية تكون مستعدة للتعاطي مع ما
يعتبره شارون ((خطوطاً حمراء)) بالنسبة لـ(إسرائيل) في أي تسوية دائمة، فضلاً
عن أنه يراهن على أن تتولى القيادة الفلسطينية ما فشلت فيه (إسرائيل)، فيما
يتعلق بالقضاء على حركات المقاومة، سيما بعدما قرر شارون تنفيذ خطة فك
الارتباط. طبيعة القيادة الفلسطينية التي سيتم إفرازها بعد الانتخابات تكتسب
أهمية فائقة بالنسبة لشارون، لأنه ستقع على كاهل هذه القيادة مسؤولية التنسيق
مع (إسرائيل)، في تطبيق ((فك الارتباط))، بعدما تحرر شارون من الوهم القائل أن
الدولة العبرية وأجهزتها الأمنية بإمكانها تنفيذ خطة فك الارتباط بدون التنسيق
مع أي طرف فلسطيني.
مستشارو شارون حذروه من مغبة تنفيذ الخطة بدون أن يكون هناك تنسيق مع قيادة
السلطة، إذ إن هذا سيفتح الباب واسعاً أمام مرحلة قد تكون غير مسبوقة في تعاظم
عمليات المقاومة في قطاع غزة، بالذات بعدما باتت الدولة العبرية غير قادرة على
منع عمليات المقاومة حتى بوجود مكثف لقواتها داخل القطاع. شارون يرى أنه يتوجب
على القيادة الفلسطينية الجديدة تنفيذ التغييرات البنيوية في هياكل السلطة، ليس
من أجل استنفاد طاقتها القصوى، بل ليكون من الممكن ضبطها وتوجيهها من أجل تحقيق
أهداف سياسية وأمنية تتلاقى مع (إسرائيل) ومصالحها.
الرهان على أبو مازن
بداية يجب الإشارة إلى أن (إسرائيل) تتحفظ على بعض السمات الشخصية لمحمود عباس
(أبو مازن)، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ومرشح حركة ((فتح)) في
انتخابات الرئاسة. فشارون لم يبخل في خلع الصفات الذميمة على أبو مازن، وبالذات
في كل ما يتعلق بضعف شخصيته. في حين تشير مراكز الأبحاث التابعة للمؤسسات
الاستخبارية إلى أن أبو مازن يفتقد الكثير من الصفات القيادية الضرورية لنجاحه
في أداء المهام التي يراهنون على نجاحه في القيام بها، فضلاً عن ميله للانطواء،
إلى غير ذلك. لكن أبو مازن يعتبر أفضل الموجود بالنسبة لـ(إسرائيل). فلأبو مازن
بخلاف كل المرشحين موقف واضح من المقاومة والعمل المسلح، وهو يرى أن العمل
الفلسطيني المسلح كان خطأ استراتيجياً يتوجب التخلص منه. دوائر صنع القرار في
الدولة العبرية ترى أنه على الرغم من كل المآخذ على أبو مازن فإن تبنّي القيادة
الفلسطينية لمثل هذا الموقف، يعني استعداد هذه القيادة للتخلص مما تعتبره ((خطأ
استراتيجياً))، أي أن الإسرائيليين يأخذون بعين الاعتبار إمكانية أن يقوم أبو
مازن كرئيس للسلطة الفلسطينية باتخاذ خطوات لضرب المقاومة، مع العلم أنه وكما
قال أكثر من مسؤول إسرائيلي كي يؤثر سلباً على موقع المقاومة في الجدل داخل
الساحة الفلسطينية. وهناك اعتبار له تأثيره، كون أبو مازن أبرز مهندسي اتفاق
أوسلو، الذي لا خلاف على انخفاض سقفه بالنسبة للشعب الفلسطيني، أي أنه سيكون
مريحاً جداً للإسرائيليين أن يكون أبو مازن على رأس السلطة الفلسطينية في أي
مفاوضات من أجل التوصل لتسوية سياسية مرحلية أو دائمة.
مظاهر الدعم الإسرائيلي
لا يمكن أن تغفل العين والأذن الكثير من الدلائل العملية على أن (إسرائيل) تقدم
الكثير من التسهيلات من أجل ضمان فرص فوز أبو مازن. وبعد رصد مظاهر هذا الدعم
يمكن الإشارة إلى ما يلي:
أولاً: تسهيل الحملة الانتخابية لأبو مازن وجعل تحرك منافسيه مستحيلاً. فهناك
الكثير من المبررات لإعلان المرشحين للانتخابات الرئاسية انسحابهم من التنافس
بسبب وقوف (إسرائيل) العملي إلى جانب أبو مازن، كما جاء على لسان الدكتور مصطفى
البرغوثي سكرتير المبادرة الوطنية، وأحد المرشحين في الانتخابات. الطيب عبد
الرحيم الذي عيّن ليكون مديراً لحملة أبو مازن الانتخابية تسمح له (إسرائيل)
بالانتقال من مكان إلى آخر في الضفة الغربية المحاصرة، وقطاع غزة لعقد
المؤتمرات والندوات والترويج لأبو مازن، في حين لم تسمح هذه السلطات للدكتور
حسن خريشة القائم بأعمال رئيس المجلس التشريعي بالتحرك من مكان إلى آخر، مع
العلم أنه حتى حسب اتفاقيات أوسلو فإنه يتوجب على سلطات الاحتلال أن تتعامل مع
رئيس المجلس التشريعي بحساسية خاصة. أما بالنسبة للدكتور مصطفى البرغوثي فقد تم
الاعتداء عليه بالضرب المبرح الأمر الذي أدى إلى نقله للمستشفى وخمسة من
مرافقيه، وقامت سلطات الاحتلال باعتقال المرشح عن حزب الشعب بسام الصالحي. من
ناحية ثانية قامت (إسرائيل) بمساعدة أبو مازن على التخلص من ترشيح المناضل
مروان البرغوثي رئيس اللجنة الحركية العليا لحركة ((فتح))، والذي يقضي حكماً
بالسجن المؤبد خمس مرات وأربعين عاماً. فـ(إسرائيل) سمحت لكل الذين يستطيعون
التأثير على البرغوثي، بزيارته في زنزانته من أجل ثنيه عن مواصلة ترشيحه، مع
العلم أن البرغوثي كان قبل ذلك في ظروف سجن انفرادي.
عامل التسهيلات الحياتية
المتحدثون الإسرائيليون الرسميون كانوا واضحين طوال الوقت ومنذ تحديد موعد
الانتخابات الرئاسية في السلطة، إذ أكدوا أن الدولة العبرية بصدد تقديم تسهيلات
على ظروف الفلسطينيين الحياتية في حال نتج عن هذه الانتخابات قيادة فلسطينية
يمكن لـ(إسرائيل) أن تتحدث معها. كان واضحاً بالنسبة للجميع أن المقصود بذلك
أبو مازن. دوائر صنع القرار السياسي في الدولة العبرية جعلت الصحف الإسرائيلية
تزخر بالتسريبات الانتقائية حول حجم التسهيلات التي سيتم تقديمها في حال تم
انتخاب أبو مازن. فـ(إسرائيل) تلمح بأنها ستزيل الحواجز وستسمح بعودة العمال
وستسهل مهمة المستثمرين الأجانب، فضلاً عن تلويحها بتقليص وتيرة القمع. هذه
الحملة الإعلامية -كما يقر العديد من المراقبين في الدولة العبرية- تهدف إلى
التأثير على الناخب الفلسطيني بحيث تجعله يعتقد أن تخفيف الظروف الحياتية مرهون
بفوز أبو مازن. وهنا يتوجب الإشارة إلى أنه ليس (إسرائيل) فقط تساهم في هذه
الحملة، بل العديد من الأنظمة العربية والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.
فمثلاً رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عندما سئل عن مستقبل فكرة عقد مؤتمر
دولي لحل القضية الفلسطينية التي روج لها في حال تم انتخاب مروان البرغوثي
كرئيس للسلطة، قال إن هذا المؤتمر لن يعقد عندها.
مقدّمة لفرض تسوية
يبدو أن الحرص الإسرائيلي على إجراء الانتخابات الرئاسية الفلسطينية، والتجند
الواضح من أجل محمود عباس، لا يدخل فقط في إطار ضمان انتخاب قيادة يمكن
لـ(إسرائيل) أن تتعاطى معها، بل للدخول في مفاوضات من أجل التوصل لتسوية دائمة
للقضية الفلسطينية، وعدم الاكتفاء بتنفيذ خطة فك الارتباط. هذه الحقيقة تستند
إلى معلومات وتسريبات صحافية إسرائيلية دقيقة. فقد كشفت القناة الثانية في
التلفزيون الإسرائيلي الجمعة (10-12-2004) النقاب عن أن رئيس الوزراء
الإسرائيلي أرييل شارون اتفق بالفعل مع رئيس حزب العمل الإسرائيلي شمعون بيريس
على أن يكون الهدف الأهم لحكومة ((الائتلاف الوطني)) التي سيتم تشكيلها قريباً
بمشاركة حزبي الليكود والعمل هو التوصل إلى تسوية دائمة مع السلطة الفلسطينية،
بعد انتخاب رئيسها الجديد. ونقل أهم معلقي القناة أمنون إبراموفيتش، والمعروف
بعلاقاته الوثيقة بدوائر صنع القرار عن مصادر في مكتب شارون قولها أن حديث
شارون المتواصل في الفترة الأخيرة عن أهمية استغلال اللحظة التاريخية السانحة
حالياً يأتي في إطار إدراك شارون المتزايد بأن الوقت الحالي هو الأنسب بالنسبة
لـ(إسرائيل) لفرض التسوية التي تضمن المصالح الاستراتيجية العليا للدولة
العبرية، وأنه يجب عدم الاكتفاء بتطبيق خطة فك الارتباط. وأشارت القناة إلى أن
حرص كل من شارون وبيريس على تشكيل حكومة ((الائتلاف الوطني)) يأتي من أجل
محاولة إبرام هذه التسوية.
اختبار مسبق لأبو مازن
على الرغم من كل ما تقدم فإن شارون لا ينوي التراخي مع أبو مازن في كل ما يتعلق
بالأمن والالتزامات الأمنية. وهو في ذلك يتجند بكل أساليب الدهاء. وهو يريد أن
يختبر نوايا وقدرته. ولكنه يريد أن يقدم هذا الاختبار في ثوب ((نوايا حسنة))
تجاه أبو مازن. شارون ينوي اختبار قدرة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية على
ضبط الأوضاع الأمنية قبيل تطبيق خطة فك الارتباط، وفحص المدى الذي تذهب إليه من
أجل منع عمليات المقاومة ضدها. وفي هذا السياق ينوي شارون نقل مناطق في شمال
قطاع غزة إلى مسؤولية أمنية كاملة للسلطة الفلسطينية حتى موعد تطبيق خطة
الارتباط كما هو مقرر في تموز/يوليو من العام القادم. وأشارت مصادر إسرائيلية
إلى أن شارون يخطط لعرض الاقتراح على القيادة الفلسطينية على اعتبار أنه ((لفتة
للنوايا الحسنة)) تجاهها. وستشترط (إسرائيل) على السلطة مقابل تسليمها المناطق
أن تتعهد بوقف أي أعمال ((عدائية)) ضد (إسرائيل) انطلاقاً منها. وستسمح
(إسرائيل) لعناصر أمن السلطة بحمل السلاح في هذه المناطق من أجل الوفاء بهذا
الشرط. ولا تتضمن المناطق التي ستعيدها (إسرائيل) للسلطة وفق الاقتراح
الإسرائيلي أياً من المستوطنات اليهودية الثلاثة المتواجدة في شمال القطاع،
وبدلاً من ذلك سيتم إعادة مناطق هي أصلاً تحت الولاية القانونية الفلسطينية،
مثل بلدتي بيت لاهيا وبيت حانون. وأشارت المصادر إلى أن (إسرائيل) ترى أن ذلك
سيجبر بشكل غير مباشر قيادة السلطة الفلسطينية الجديدة التي ستفرز في أعقاب
الانتخابات الرئاسية الفلسطينية المقرر تنظيمها في التاسع من كانون ثاني/يناير
الحالي على التجاوب مع مطالبة (إسرائيل) لها بالتنسيق معها في تطبيق خطة فك
الارتباط. ويمثل الاقتراح الإسرائيلي فخاً للقيادة الفلسطينية الجديدة، حيث إن
(إسرائيل) تعتبر أن المنطقة التي تقترح تسليمها للسلطة تتضمن المناطق التي تقوم
حركة حماس انطلاقاً منها بإطلاق صواريخ ((القسام))، وقذائف صاروخية أخرى على
العمق الإسرائيلي، وخاصة منطقة النقب الغربي، وتحديداً مدينة ((سديروت)). وقد
يفتح أي تحرك لأجهزة السلطة الأمنية لمنع إطلاق الصواريخ الباب لتدهور العلاقات
بين الحركات الفلسطينية والسلطة الفلسطينية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف لا تستبعد
المصادر الإسرائيلية قيام شارون بتسليم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة السيطرة
الأمنية على مدن في شمال الضفة الغربية، سيما مدن جنين وطولكرم وقلقيلية.