يخوض الانتخابات دون حماية من
إرهاب الاحتلال:
الشارع الفلسطيني لا يعوّل على انتخابات رئاسة السلطة
فلسطين المحتلة/نزار الفالوجي
رغم الاستعدادات الجارية لخوض الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية، إلا أن
الشارع الفلسطيني لا يبدو متفائلاً إزاء نتائجها سيما الانتخابات الرئاسية،
لارتباطها باعتبارات وعوامل كثيرة.
وساهم تعدد المرشحين لانتخابات الرئاسة، والخلافات الداخلية خاصة في حركة فتح
وترشيحها لمحمود عباس ذي الشعبية المتواضعة وتجاهل النائب المعتقل مروان
البرغوثي في استياء واسع في الشارع الفلسطيني الذي بات في حيرة من أمره.
كما أن تردد مروان البرغوثي ذاته ساهم في اتساع صدع الخلافات بين مؤيديه ومؤيدي
محمود عباس، وبالنسبة للحركات المقاومة خاصة حماس والجهاد فإن أنصارها حسموا
أمرهم بعدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية، والمشاركة في انتخابات المجالس
البلدية وربما التشريعية.
استطلاعات الرأي
خلال الفترة القريبة الماضية ومع إعلان أسماء المرشحين أجريت كثير من استطلاعات
الرأي، والملفت للنظر في هذه الاستطلاعات هو الفرق الكبير بين نتائجها، وهو ما
يدل على عدم دقتها وعلميتها أو تردد الشارع الفلسطيني.
فقد حصل محمود عباس (أبو مازن) في استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني
لاستطلاع الرأي (PCPO) في بيت ساحور على أعلى نسبه تأييد كمرشح لرئاسة السلطة
الفلسطينية وهي 39.8% تلاه مروان الرغوثي 21.9%.
فيما أظهرت نتائج استطلاع آخر لبرنامج دراسات التنمية في جامعة بيرزيت حول
انتخابات الرئاسة تقارب النتيجة بين المرشّحين للرئاسة محمود عبّاس (أبو مازن)
44% ومروان البرغوثي 46%.
مطالب الشارع
ومع كثرة المرشحين فإن الأمر الأهم بالنسبة للشارع الفلسطيني هو من سيوفر له
الأمن، ويوقف اعتداءات قوات الاحتلال ويحافظ على الثوابت الوطنية دون تنازل.
ويأخذ الشارع على كثير من المرشحين غياب برامجهم الانتخابية الواقعية، وغياب
التأييد الصريح للمقاومة التي يجمع عليها الشارع الفلسطيني، خاصة وأن كثيراً من
المرشحين الذين أعلنوا خوض الانتخابات الرئاسية هم مستقلون وكل منهم يدعي عدم
انتمائه لحزب سياسي مع أن غالبية الشارع الفلسطيني هم مسيسون، كما أنه يعتقد أن
برامج المرشحين لا تمس مصالح الفلسطينيين لعدم قدرتهم على فعل شيء في ظل
الاحتلال، لذا لا يثقون بكثير منهم.
المرشحون المستقلون من جهتهم يأملون بدعم فصائل المعارضة التي لن تدخل
الانتخابات، بل إن عددا منهم بدأوا اتصالات مكثفة مع الأحزاب والقوى السياسية
للحصول على دعمها ومباركتها في الانتخابات.
حديث الشارع
ورغم تباين المواقف تظل قضية الانتخابات تتصدر حديث الفلسطينيين الذي يشعرون
بكثير من القلق من المستقبل، في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال عملياتها العسكرية
الواسعة النطاق في الضفة الغربية وقطاع غزة دون بوادر على إنهاء لهذا الاحتلال
وعودة الأمور لطبيعتها.
ويقول المواطن محمد أبو موسى من كوادر حركة فتح إنه لن يشارك في الانتخابات إذا
انسحب مروان البرغوثي، ويضيف: مروان ضحى من أجل الشعب الفلسطيني أكثر من غيره
من قيادات فتح، وهو رجل مخلص لقضيته ووطنه ولن يأتي أحد مثله، وإذا استمر
سأنتخبه لكن إذا انسحب فلن أنتخب محمود عباس.
ولا يعلّق الستّيني الحاج أبو أحمد أية آمال على أي من المرشحين ويقول: حتى لو
كان عندنا مائة مرشح فلن يستطيع أحد أن يحرر لنا القدس أو يعيد أحداً من
اللاجئين، لأن الاحتلال هو الذي يخطط ويرسم الدور للرئيس المقبل.
وأشار إلى أن عرفات اغتيل بالسمّ وكل من سيحاول التمسك بالقضايا الأساسية للشعب
الفلسطيني سيتعرض أيضاً للسمّ، والمرشحون يخافون على حياتهم، ولا أستبعد أن
يحاولوا التنازل عن حقوقنا لكن شعبنا لن يسمح لهم بذلك.
أما السيدة روان وهي معلمة في المرحلة الابتدائية فتقول إنها لم تسجل اسمها في
سجل الناخبين لاعتقادها بأن النتيجة محسومة لصالح محمود عباس مسبقاً، مؤكدة أن
الرقابة مهما كانت لن تستطيع منع التزوير من أنصار عباس الذين يهمهم الرواتب
قبل القضية.
وأضافت: جرّبنا الانتخابات التشريعية السابقة ولاحظنا كيف تم التزوير وإنجاح
مرشحين غير ناجحين، ومضاعفة أصوات عدد من المرشحين على حساب الآخرين، لذلك أنا
غير واثقة من الانتخابات.
الشاب أحمد جعفر، طالب جامعي، قال: بالنسبة للانتخابات البلدية فإني سأشارك
فيها لصالح الجهات الإسلامية لأنها الأصدق والأكثر أمانة، وسأعمل جهدي لإنجاح
الحركات الإسلامية كونها حريصة على مصلحة المواطنين وتقوم بمشاريع خيرية لصالح
الناس، ولم يسبق أن اتهم أحد منهم بالفساد وسرقة الأموال كما هو الحال في
الفصائل الأخرى.
وأضاف: أما الانتخابات التشريعية فسأشارك فيها إذا شاركت حركات المقاومة
الإسلامية، وبالنسبة للانتخابات الرئاسية فلن أشارك فيها لأن جميع المرشحين
ليسوا بمستوى الثقة وغير قادرين على التمسك بالثوابت فضلاً عن عدم قدرتهم على
إزاحة الاحتلال وتحقيق الحرية والدولة المستقلة.
موقف الأحزاب
وفي عدد من المدن والقرى الفلسطينية عقدت ندوات ولقاءات وحلقات نقاش بين ممثلي
الفصائل والمثقفين لمناقشة قضية الانتخابات وإمكانيتها وأهميتها وفائدتها،
وكانت الخلافات في مختلف القضايا هي الأبرز في كثير من القضايا.
وتختلف الأحزاب في تقييمها للانتخابات والمواقف المطلوبة تجاهها، ففي حين أعلنت
حماس مقاطعتها للانتخابات الرئاسية، ومشاركتها في البلدية، يؤكد جميل مجدلاوي
عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية أن الانتخابات ضرورة وطنية وديمقراطية، فيما
يؤكد نافذ عزام أن موقف حركة الجهاد الإسلامي هو عدم المشاركة في الانتخابات
الرئاسية والتمسك ببرنامج المقاومة والتحرير.
ويشدد صالح زيدان عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية على أهمية إجراء
الانتخابات الرئاسية في موعدها، وأن نجاح العملية الانتخابية يتطلب الترابط بين
الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية، حيث لا معنى لانتخابات تشريعية دون
تعديل القانون، إذ أن حالة المماطلة والتأجيل الحالية تمثل إساءة لحالة الإجماع
الوطني كما أنها تلحق الضرر بالمصداقية الفلسطينية أمام العالم.
ويعتقد المحلل السياسي الدكتور غازي حمد أن الانتخابات ليست بمثابة العصا
السحرية لمحاربة الفوضى والفلتان الأمني لأن مراكز القوى والقوى المنتفعة
كثيرة. وقال: ((نحن لا نريد إصلاح فتح على حساب السلطة)) مشيراً إلى أن
((التفكير في الانتخابات يجب أن تتبعه القدرة على الإصلاح، ما يتطلب إيجاد قوى
قوية في إطار اللعبة السياسية والتوافق العام والحفاظ على حالة الانسجام حتى ما
قبل الانتخابات)).
وأشار إلى أن موقف حركتي حماس والجهاد الإسلامي هو موقف جيد تجاه مقاطعة
الانتخابات الرئاسية، لأن برنامج حماس لا يتقبل برنامج السلطة إلا أن قرارها
المشاركة في التشريعي هو موقف جيد لأنها تمنع حالة الاحتكار السياسي.
الانتخابات البلدية
ومع البدء في الدعايات لانتخابات المجالس البلدية في 36 بلدية في المرحلة
الأولى، بدأ الفلسطينيون يواجهون تحديات كبيرة في ظل وجود الاحتلال الذي بدأ
حملات الاعتقال، مستفتحاً بأربعة من مرشحي المجلس عن الكتلة الإسلامية للتغيير
في بلدة الظاهرية جنوب الخليل.
وأعرب الفلسطينيون عن اعتقادهم بأن هذه الحملة تعتبر مقدمة لحملة أوسع ضد
المرشحين في الانتخابات البلدية والتشريعية، إذا لم يكن بالاعتقال فبالملاحقة
والإهانة والإعاقة عن الحركة.
وتؤكد مصادر الكتلة الإسلامية للتغيير أن الاعتقالات هدفها ثني الحركات
الإسلامية عن المشاركة في الانتخابات، لكن الكتلة ستواصل مسيرتها وستشارك في
الانتخابات بقوة وبنفس المرشحين المعتقلين.
وقال ناطق إعلامي باسم الكتلة إن المطلوب هو ضغط دولي ومحلي على الجانب
الإسرائيلي للإفراج عن المعتقلين، وتوفير أجواء آمنة للناخبين والمرشحين
الفلسطينيين لخوض الانتخابات القادمة.
برامج مرشحي الرئاسة
برامج مرشحي الرئاسة لا ترقى لمستوى رغبات وطموح الشارع الفلسطيني مع أنها
تتباين إلى حد ما.
فالدكتور عبد الستار قاسم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية
بنابلس يصرح أنه وضع برنامجاً مكتوباً يناقض اتفاقات أوسلو ويركز على حق
اللاجئين في العودة، وإصلاح المؤسسات الفلسطينية وتحقيق الوحدة الفلسطينية
الأردنية.
ويشدد في برنامجه على محاربة الفساد في المؤسسات وبين الأشخاص ويَعد بإعادة
الاعتبار إلى مبدأ سيادة القانون وتفعيل القضاء، واعتماد مبدأ الكفاءة في
التعيينات وليست الواسطة والمحسوبيات. ويقول إنه سيضع خريطة جديدة لتوزيع
الأموال والثروة بين الفلسطينيين بمختلف فئاتهم وأطيافهم وانتماءاتهم.
ويقول إن الأمن المدني الفلسطيني لا بد أن يكون بيد جهاز شرطة قوي وغير فاسد،
أما الأمن الوطني فيرى أنه ينبغي أن يكون بيد الفصائل المختلفة، شريطة العمل
على تشكيل غرفة عمليات مشتركة. لكن الدكتور عبد الستار قاسم أعلن بعد ذلك
انسحابه من الانتخابات بتاريخ 13/12/2004.
أما برنامج محمود عباس مرشح حركة فتح المعروف بمناهضته للكفاح المسلح فإنه يؤكد
على الثوابت الوطنية وفي مقدمتها الدولة المستقلة والقدس وحقوق اللاجئين
والأسرى والإصلاح، وإنهاء الاحتلال عن جميع الأراضي التي احتلتها (إسرائيل) عام
1967 وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، والتوصل إلى حل عادل لقضية
اللاجئين الفلسطينيين على أساس قرارات الأمم المتحدة وفي مقدمتها القرار 194
وعلى أساس مبادرة السلام العربية.
كما يؤكد برنامجه على أن المواثيق الدولية تكفل حق أي شعب محتل في الدفاع عن
نفسه، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن هدف هذه المقاومة يجب أن يكون خدمة مصالح
الشعب الفلسطيني العليا، وهو ما يعني مناهضة العمليات الاستشهادية.
كما يتضمن برنامج أبو مازن بنداً خاصاً بالدفاع عن القدس عاصمة الدولة
الفلسطينية المستقلة، والتأكيد على حرية الأسرى كأولوية وطنية، واستمرار مسيرة
الإصلاح، وإنهاء العدوان، والوقف الفوري للاستيطان، والوحدة الوطنية والدعوة
إلى خيار عقد مفاوضات الوضع الدائم لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بدلاً من
العودة إلى الاتفاقات المرحلية والانتقالية.
لكن الشارع الفلسطيني على قناعة بأن هذه الوعود تظل حبراً على ورق في ظل احتلال
لا يعرف غير القتل والتدمير والحصار وملاحقة المقاومة الفلسطينية. ويعتقد أن
رجلا يناهض العنف ويدين المقاومة لن يتغير في يوم أو ليلة، وأن برنامجه لا يعدو
أن يكون دعاية انتخابية لا تتجاوز يوم الاقتراع.
المخيمات
من جهة أخرى يطالب الفلسطينيون بأن يتم إيجاد صيغة لإجراء انتخابات في
المخيمات، مشددين على ضرورة إجراء انتخابات لمجالس محلية شعبية على أساس مرجعية
دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير، وبالتنسيق مع وكالة الغوث ووزارة الحكم
المحلي لتحسين أوضاع المخيمات.
ويشدد عادل الغول مدير عام الهيئة الفلسطينية لحقوق الإنسان على أن قضية مشاركة
اللاجئين في الانتخابات من أهم القضايا المتعلقة بالانتخابات الفلسطينية، خاصة
وأن هناك عدداً من المخيمات تقع خارج إطار الهيئات المحلية ومخيمات أخرى تقع
داخل حدود بعض الهيئات.
وأضاف أن مشاركة اللاجئين المقيمين في المخيمات في الانتخابات المحلية يجب أن
تحسم عبر رؤيا توفيقية وواقعية وحلول عملية، إذ يجب عدم حرمان اللاجئين من
الخدمات التي تقدمها البلديات أو الوزارات وفي الوقت نفسه ضمان حقوق اللاجئين
في ممارسة العملية الانتخابية ضمن صيغة خاصة، للحفاظ على حق العودة ورفض مشاريع
التوطين، شرط أن تتم وفق مرجعية سياسية قبل إجراء الانتخابات المحلية في
المخيمات.