انتخابات الرئاسة الفلسطينية
فصائل فلسطينية تقاطع الترشيح والانتخاب.. توقعات بعملية انتخابية ضعيفة
غزة/ياسر أبو هين
مع تواصل الاستعدادات لانتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية والتي حُدد موعدها في
التاسع من كانون الثاني/يناير بدأت الملامح العامة لهذه الانتخابات تتضح أكثر
فأكثر بعد أن أعلنت بعض الفصائل الفلسطينية عن مشاركتها في الانتخابات الرئاسية
بل وسمّت مرشيحها لهذه الانتخابات، بينما أعلنت بعض الفصائل الأخرى مقاطعتها
لهذه الانتخابات لأسباب حددها كل فصيل.
على رأس هذه الفصائل المقاطعة لانتخابات الرئاسة وقفت ثلاثة من فصائل المعارضة
الفلسطينية وهي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين حيث أعلنت هذه الفصائل مقاطعتها لانتخابات الرئاسة
الفلسطينية لأسباب كثيرة منها ما طرحته حركة حماس بأن هذه الانتخابات المطروحة
بسياقها الراهن هي مجتزأة وهي تلبية لحاجة محصورة ومحددة للسلطة الفلسطينية،
وليست تلبية للمطلب الشعبي الفلسطيني.
حماس.. مقاطعة الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً
أعلنت حركة المقاومة الإسلامية مقاطعتها للانتخابات الرئاسية الفلسطينية
انتخابا وترشيحاً، مشددة في الوقت نفسه على ضرورة اجراء الانتخابات البرلمانية
والبلدية.
إعلان حماس هذا والذي توقعه الكثيرون فاجأ بعض المراقبين بسبب مقاطعة
((التصويت)) أيضاً، حيث أعلن الشيخ إسماعيل هنية أحد قادة حماس ((إنه انطلاقاً
من تأكيد حماس على أهمية الانتخابات الحرة والنزيهة في الحياة السياسية
الفلسطينية، وضرورتها كخيار ديمقراطي حقيقي في عملية ترتيب البيت الفلسطيني
وتنظيم شؤونه الداخلية، وتحقيق الشراكة الحقيقية بين أبناء الشعب الفلسطيني
الواحد وقواه وفصائله الوطنية والإسلامية، ولأن انتخابات رئاسة السلطة
الفلسطينية جرى طرحها بخطوة انفرادية من قبل الإخوة في حركة فتح، بعيداً عن
الجو السائد والغالب في الساحة الفلسطينية، والذي كان ولا يزال يطالب بترتيب
البيت الفلسطيني، وإجراء انتخابات عامة وشاملة، وتحقيق شراكة حقيقية في القرار،
والاتفاق على رؤية سياسية جديدة للمرحلة، وتكوين نظام سياسي يرتكز على احترام
التعددية السياسية وحقوق الإنسان، ويعكس في الوقت ذاته تضحيات شعبنا وتطلعاته
وآماله، فإننا في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) نعلن مقاطعتنا وعدم مشاركتنا
في انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية)).
وحول الأسباب التي دفعت حماس لمقاطعة الانتخابات الرئاسية أكد هنية أن هذه
الانتخابات المطروحة بسياقها الراهن هي تلبية لحاجة محصورة ومحددة للسلطة
الفلسطينية، وليست تلبية للمطلب الشعبي الفلسطيني الذي تكرّس خلال سنوات
الانتفاضة الأربعة الماضية، كما تكرّس خلال جولات الحوار الفلسطيني المتعددة في
الداخل والخارج طوال الفترة الماضية، وشكّل توجهاً فلسطينياً عاماً التقت عليه
غالبية القوى والفصائل الفلسطينية وغالبية الرأي العام الفلسطيني.
وشدد هنية على أن مطلب حماس يستند إلى المطلب الشعبي الفلسطيني العام الداعي
إلى إجراءات شاملة لترتيب البيت الفلسطيني، وإجراء تغييرات ديمقراطية حقيقية،
وتحقيق الشراكة الحقيقية في القرار الفلسطيني، وإعطاء الاعتبار للمؤسسية في
الساحة الفلسطينية، وإنهاء حالة ونهج التفرد والاستفراد في الساحة الفلسطينية،
وتشكيل اتفاق عام على رؤية سياسية جديدة تناسب المرحلة الراهنة ومقتضياتها.
ودعا هنية إلى إجراء انتخابات شاملة رئاسية وبرلمانية وبلدية (محلية) في آن
واحد، على أساس هذه الرؤية وعلى أساس التوافق الفلسطيني العام.
الجهاد.. الانتخابات محكومة بسقف أوسلو
حركة الجهاد الإسلامي هي الأخرى أعلنت مقاطعتها للانتخابات الرئاسية المزمع
عقدها وقالت انها لن تسمي مرشحاً لها ولن تدعم مرشحاً معيناً، وقال الدكتور
محمد الهندي أحد قادة الحركة في غزة أن الحركة لن تشارك في انتخابات رئاسة
السلطة الفلسطينية لأن هذه الانتخابات سيحرم من المشاركة فيها أكثر من ستة
ملايين فلسطيني، ومحكومة بسقف اتفاق أوسلو، ومصممة لتطبيقه والمحافظة عليه، فهي
إذاً لا تعتمد إرادة الشعب كمرجعية.
وقال الهندي إن الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال الصهيوني، ويكافح من
أجل الحرية والاستقلال، يتطلع إلى إجراء انتخابات حقيقية، تجري في ظل سيادة
وطنية، على أرض محررة، ويشارك فيها كل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتكون
مرجعيتها إرادة الشعب وليس الاتفاقات الموقعة مع العدو الصهيوني.
وأكد الهندي: أن هذا للأسف لا ينطبق على انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية التي
تجري تحت حراب الاحتلال، وفي ظل غياب السيادة الوطنية.
وأوضح الهندي أنه لهذه الأسباب قررت حركة الجهاد الإسلامي، وانطلاقاً من التمسك
بالثوابت الوطنية الفلسطينية، والمحافظة على مصلحة الشعب الفلسطيني، عدم
المشاركة في انتخابات رئاسة السلطة لا بإنزال مرشح من صفوفها، ولا بدعم مرشح
مستقل.
وأشار الدكتور الهندي إلى أن هذه الموقف لا يعني الانعزال عن الواقع، بل هو
الاستجابة الواقعية والمسؤولة، والرد الطبيعي على واقع الاحتلال الجاثم فوق
أرضنا وصدورنا، والذي يتطلب منا جميعاً التمسك بمشروعية واستمرار الانتفاضة
والمقاومة، والتمسك بالوحدة الوطنية، وتعزيزها من خلال استمرار الحوار من أجل
إصلاح وترتيب البيت الفلسطيني.
الجبهة الشعبية.. لا لتجزئة العملية الانتخابية
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي شاركت في حوار مع الفصائل الفلسطينية
اليسارية الخمسة في محاولة للاتفاق علي تسمية مرشح للرئاسة الفلسطينية أعلنت هي
الأخرى مقاطعتها لانتخابات الرئاسة الفلسطينية، حيث أعلن جميل المجدلاوي عضو
المكتب السياسي للجبهة الشعبية أن الجبهة قررت عدم ترشيح أحد من أعضائها
لانتخابات الرئاسة، كموقف نعبّر فيه عن رفضنا لتجزئة العملية الانتخابية
لمؤسسات السلطة واستمرار التسويف والمماطلة في تعديل القانون الانتخابي، وفي
تحديد موعد لإجراء الانتخابات التشريعية)). وقال ((إن الباب يبقى مفتوحاً لدعم
أي مرشح بمدى الاتفاق معه على برنامج وطني ديمقراطي يرتكز على ثلاثة محاورهي
التمسك بثوابت القضية الوطنية في العودة وتقرير المصير وصيانة وترسيخ الوحدة
الوطنية على أسس ديمقراطية تحترم التعددية وصيانة تضحيات شعبنا التاريخية)).
وأرجع المجدلاوي أسباب مقاطعة الجبهة لهذه الانتخابات ((بقيام الفريق المهيمن
على القرار في السلطة ومنظمة التحرير بإعلان موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية
دون الربط بينها وبين الانتخابات الأخرى بكل ما ينطوي عليه ذلك من تجزئة
للانتخابات الديمقراطية الضرورية للخروج من الأزمة، والتي تأتي في مقدمتها
الانتخابات للمجلس التشريعي التي يجب أن تمهد لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير
الفلسطينية على أسس ديمقراطية تتسع للجميع وبما يحقق شمولية تمثيلها لكل قوى
شعبنا السياسية والاجتماعية في داخل الوطن وخارجه)).
وقال المجدلاوي ((إن الجبهة كانت قد أبقت الباب مفتوحاً لمشاركتها في هذه
الانتخابات ووسعت وكثفت دائرة حواراتها مع قيادات السلطة والمنظمة وقيادات حركة
فتح لتحقيق الترابط بين مكونات هذه العملية الديمقراطية في الانتخابات الرئاسية
والتشريعية والمجالس المحلية والمجلس الوطني الفلسطيني، وقد أعطى المعنيون من
الإخوة في حركة فتح التزامات صريحة بكل ذلك)).
ويرى بعض المراقبين أن لحماس تحديداً حسابات أخرى من وراء مقاطعة انتخابات
الرئاسة وهو ما دفعها إلى المقاطعة، حيث يرى الكاتب والمحلل السياسي هاني
المصري أن حماس تخشي من المنافسة الرئاسية لأنها تخشى من احتمالات الفوز كما
تخشى من احتمالات الخسارة.
ويشير المصري إلى أن حماس إذا فازت تعرف أن برنامجها غير مقبول إسرائيلياً ولا
إقليمياً ولا دولياً، ما يجعلها مطالبة بتغييره والتعاطي مع المفاوضات
والإسرائيليين والهموم الاقتصادية والاجتماعية، ومواجهة المصداقية أمام شعبها
وأنصارها والتمسك ببرنامجها ومواجهة عدوان إسرائيلي اشرس وأخطر مما حدث حتى
الآن وبضوء أخضر دولي وعربي.
واعتبر المصري أن حماس تستطيع من خلال إحراز مكاسب سياسية وبرلمانية تحققها من
خلال المشاركة في الانتخابات على كافة المستويات أن تكون قادرة على الحكم إذا
فازت بالأغلبية وعلى الالتزام بقرارات الأغلبية إذا كانت أقلية، أما بقاء حماس
وغيرها خارج النظام السياسي فهذا وصفة للموت والخراب للجميع، لفتح وحماس ولكافة
قوى الشعب ومنجزاته.
توقعات بضعف المشاركة
ويرى الدكتور حسن أبو حشيش الكاتب الصحفي والمحاضر في الجامعة الإسلامية أن
الإقبال على عملية التصويت في انتخابات الرئاسة في الشارع الفلسطيني سيشهد حالة
من الإقبال المتوسط بمعنى لن تكون كبيرة جداً ولن تكون ضعيفة جداً مرجعاً هذا
الأمر إلى ثلاثة أسباب رئيسية أولها أن بعض الفصائل التي قاطعت انتخابات
الرئاسة وزنها ضعيف في الشارع الفلسطيني، وبالتالي تأثير مقاطعتها سيكون قليل،
والسبب الثاني أن الدعوة إلى المقاطعة من الفصائل الكبرى كحركة حماس لم تكن
بشكل دعوة علنية جماهيرية للمقاطعة وأعتقد أن هذا يعود إلى أن حماس لا تريد حرق
كل السفن في التعامل مع القيادة الجديدة لأنها ترغب في ضمان إجراء انتخابات
تشريعية وبلدية وبالتالي هي لن تدعو الي المقاطعة الجماهيرية لعدم توتير
الموقف، والسبب الثالث أن ثقة الناس ما زالت ضعيفة في كل العملية الانتخابية
وفي رموز السلطة وبالتالي التوجه على الانتخابات الرئاسية لن يكون عارماً إلا
أن أبو حشيش يعتقد أن وقوف حركة فتح بثقلها في الشارع وراء الانتخابات سيحقق
شيئاً من التوازن في هذه العملية.
غير أن العديد من المراقبين يرون أن الشارع الفلسطيني لديه خيبة أمل كبيرة إزاء
عملية الانتخابات وأن تجربة انتخابات عام 1996 ما زالت حاضرة في الأذهان، حيث
وعد الجمهور الفلسطيني بالكثير من التحسن المعيشي وغيره من الأمور، إلا أن
شيئاً من ذلك لم يتحقق وهو ما سيدفع الناس إلى عدم تكرار هذه التجربة الفاشلة
والعزوف عن التصويت في انتخابات الرئاسة.