المحلّل السياسي الدكتور محمد خالد
الأزعر:
- فتح بعد عرفات لا تملك من القيادات من بوسعه فرض رؤاه السياسية بشكل يصون
الحركة من مغبّة التمردات
- القضيّة الفلسطينية هي قضيّة الاستقلال الوطني والقومي للأمّة العربية
القاهرة/ مركز الإعلام العربي
في حواره مع ((فلسطين المسلمة)) أكد الخبير الفلسطيني الدكتور محمد خالد الأزعر
أن حركة فتح ((بعد عرفات)) لا تملك من القيادات من بوسعه فرض رؤاه السياسية
وغير السياسية على نحو يحفظ للحركة قوامها، ويصونها من مغبة التمردات الداخلية
أو حتى التمزق، مشيراً إلى أن عرفات وإن كان قد مضى إلى أبعد مما هو متصور في
مضمار التسوية وعلى حساب الإجماع الفلسطيني، فإنه بالمقابل هو ذاته الذي دشّن
التراجع الفلسطيني عن تلك العملية بعدما أدرك وطأتها على الحقوق الفلسطينية،
وشدّد الأزعر على أهمية التقارب السوري الفلسطيني في هذه المرحلة التي تشهد
ضغوطاً دولية على كلا الطرفين، مشيراً إلى أن القضية الفلسطينية هي في التحليل
الأخير قضية الاستقلال الوطني والقومي للأمة العربية بأسرها.
- هل ثمة جديد تتوقعونه على صعيد العلاقات العربية -
الفلسطينية بعد رحيل عرفات؟
• دعني أوضح في البداية نقطة على قدر كبير من الأهمية، باعتقادي أن العلاقة بين
النظام العربي والقضية الفلسطينية قوية ومتبادلة للدرجة التي يصعب فيها معرفة
أيهما المتغير الأصيل وأيهما المتغير التابع، فتاريخ وتطور النظام العربي في
مختلف مراحله لا يمكن فهمه بمعزل عن القضية الفلسطينية، كما أن تاريخ وتطور
القضية الفلسطينية يصعب معرفته بمعزل عن فهم تاريخ وتطور النظام العربي، وإذا
كان النظام العربي قد سبق في نشأته تفجّر القضية الفلسطينية بحدوث النكبة،
وقيام الكيان الصهيوني بسنوات قلائل، فإن خصوصية هذه النشأة من حيث الدور
البريطاني، وطبيعة النظم العربية الحاكمة، وتفشي الحالة الاستعمارية، كانت من
أهم أسباب النكبة.
وبحدوث النكبة وهزيمة النظام العربي الوليد كانت المراجعة حتمية للأداء وللدور
ولبنية وهيكلية النظام العربي في أهم حلقاته، أي وحداته من الدول الأعضاء التي
كان لا بد أن تتعرض لهزة قوية تسقط النظم الحاكمة التي اتهمت بالمسؤولية عن
النكبة.
وعطفاً على ما ذكرت أوضح أيضاً أنه في كل مرة استطاع القرار العربي أن يتحرر من
القيود، وأن يكون قراراً حراً طليقاً كما هي الإرادة الشعبية كان أداء النظام
العربي في الاتجاه الصحيح، وبالذات فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وبقدر ما
كان القرار العربي مقيداً، بقدر ما كان الأداء العربي منحرفاً عن الصواب في
تعامله مع القضية الفلسطينية، وعليه فإن القضية الفلسطينية هي في التحليل
الأخير قضية الاستقلال الوطني والقومي للأمة العربية.
أما بخصوص سؤالك؛ فأنا أعتقد أن المرحلة القادمة (على المدى المنظور على الأقل)
على صعيد العلاقات العربية - الفلسطينية لن تختلف كثيراً عن مرحلة ما قبل رحيل
عرفات، لاسيما وأن هذه العلاقات ترتهن لمحددات صارمة لا نعتقد بأن ثمة تغييراً
طرأ عليها برحيل الرئيس عرفات.
وبالعموم فالنظام العربي الرسمي تخلّى عن خيار المقاومة منذ ((مؤتمر فاس)) عام
1982، وتخلّى عن مسؤوليته إزاء الشعب الفلسطيني منذ مؤتمر الرباط 1974، مثلما
أن تخليه عن اتفاقية الدفاع العربي المشترك تأكدت في السنوات الأخيرة.
وطوال العقد الأخير تقريباً لم يستطع النظام الرسمي العربي أن يتجاوز مواقف
الشجب والإدانة، وتجلى عجزه أكثر خلال انتفاضة الأقصى، وبلغ هذا العجز ذروته
أثناء ((قمة بيروت)) آذار/مارس 2002، حيث عجز العرب الرسميون عن توفير الحماية
للرئيس الفلسطيني كي يفك حصاره في مقره في بيت لحم.
كما عجز عن تأمين مشاركته في ((قمة بيروت))، ثم عجز عن حماية الشعب الفلسطيني
من الاجتياح الذي جاء رداً على تبني ((قمة بيروت)) لـ((مبادرة الأمير عبد
الله)) للسلام، والداعية إلى الاعتراف الكامل مقابل الانسحاب الشامل.
لقد رفض شارون مشروع السلام العربي، ولم تستطع الحكومات العربية أن توفر رداً
يحمي كبرياءها، بل تم ترويعها من جانب العدو الإسرائيلي، حيث استطاع شارون إبان
عملية الجدار الواقي في نيسان/أبريل 2002 أن يقيس حدود ردود الفعل العربية،
وتوصل إلى نتيجة مؤداها أن الأنظمة العربية غير مستعدة لخوض حرب ضد (إسرائيل)
دفاعاً عن أي دولة عربية أخرى، الأمر الذي شجع شارون على طرح فكرة عقد مؤتمر
إقليمي للسلام يضع الفلسطينيين أمام أحد خيارين: إما القبول بالمعازل أو
الترانسفير، وتأكد هذا المنحى بعد تبني اللجنة المركزية لحزب الليكود قراراً
يقضي برفض إقامة دولة فلسطينية على أراض في الضفة وغزة.
- لكن ألا تعتقدون بأن جديداً يمكن أن يطرأ على صعيد
العلاقات السورية - الفلسطينية، خاصة وأن التحديات الراهنة تتطلب قدراً أكبر من
التنسيق، وربما التحالف أيضاً؟
• العلاقات الفلسطينية - السورية عبرت العديد من المنعطفات والنقاط الحرجة،
خصوصاً في ظل الاقتتال الداخلي الذي وقع داخل وعلى تخوم المخيمات الفلسطينية في
لبنان على امتداد عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وفي ظل التباين الفلسطيني
(الرسمي) - السوري سياسياً مع توقيع اتفاق أوسلو في أيلول/سبتمبر 1993، في ظل
هذه المحطات وغيرها لعبت الضرورة والمصلحة المشتركة والواقع الجيو استراتيجي
دوراً أساسياً في تقريب وتوليد عوامل التجاذب بين الطرفين مهما كانت درجة
الخلافات. وأتصور أن ذات العوامل السابقة، بالإضافة إلى التحديات الراهنة كما
أشرت تقتضي درجة متقدمة من العلاقات الصحية والسليمة بين الطرفين، لاسيما في ظل
انحدار المسارات التفاوضية والنفق المسدود الذي آلت إليه، وإذا كانت السلطة
الفلسطينية مطالبة باشتقاق موقف جديد في علاقاتها مع سوريا يقوم على نقض ترسبات
الماضي السلبية، وتكريس علاقات تحالفية بعيدة عن المنطق الاستخدامي التكتيكي
المؤقت الذي طالما اشتكت منه سوريا، فإن الطرف الفلسطيني أيضاً يتطلع بالمقابل
لجهد سوري مع العرب وإلى جهد مماثل لدى لبنان لتحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين
هناك، وثالث يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية.
- ألا تعتقدون بأنه قد آن الأوان لكي تقوم النخب
السياسية الفلسطينية بتقييم مرحلة أوسلو، وإعادة النظر في نهج التسوية بعدما
آلت إليه الأوضاع على الصعيد الفلسطيني، لاسيما وأن من دشّن هذا النهج رحل عن
الحياة السياسية الفلسطينية؟
• عرفات انتهج طريق التسوية غداة الانهيار العربي الكبير بعد حرب الخليج
الثانية، وكانت وجهة نظره أن النظام العربي ومن حوله الشرق الأوسط برمته دخل في
طور آخر غير مؤات للاستمرار على السياسة الفلسطينية السابقة، وبالطبع نستطيع
الآن أن نحكم على هذا التحول ببعض السلبية، باعتبار أن عرفات (رحمه الله) مضى
إلى أبعد مما هو متصور في مضمار التسوية على حساب الإجماع الفلسطيني، وكان حصاد
عملية أوسلو نتاجاً لذلك التوجه أو الانحراف بنظر البعض، لكن المؤكد أن عرفات
هو ذاته الذي دشن التراجع الفلسطيني عن تلك العملية حين أدرك وطأتها على الحقوق
الفلسطينية، وقد برز ذلك في صلابته ضد الضغوط الأمريكية - الإسرائيلية المزدوجة
عليه في قمّة ((كامب ديفيد)) الثانية (تموز/يوليو 2000)، ثم في موقفه الأقرب
إلى تبنّي انتفاضة الأقصى بعد ذلك، ولعلّ وقفة المراجعة والاستدراك هذه هي
المسؤول الأول عن القضية الإسرائيلية - الأمريكية ضد عرفات، بحيث تحوّل الرجل
بين عشية وضحاها من الشريك الفلسطيني الأساس في عملية التسوية إلى مجرد زعيم
مشاكس يتعين التخلص منه كشرط لاستئناف هذه العملية.
والمدهش أن الرفض الإسرائيلي - الأمريكي لعرفات أدى إلى تعويمه وإعادة تركيبته
فلسطينياً، وليس بلا دلالة على ذلك أن فصائل المعارضة الفلسطينية انحازت إلى
عرفات ضد إجراءات استبعاده، وكان شعارها ((إننا قد نختلف معه.. لكننا لا نختلف
عليه))، وأتصور أن عرفات بتحوله هذا عن الغلو في نهج التسوية وفقاً للأجندة
الإسرائيلية - الأمريكية يكون قد خطّ خطوطاً حمراء لا يستطيع أي قائد فلسطيني
من بعده أن يتجاوزها.
-بعد رحيل الرئيس عرفات تعالت الأصوات بضرورة الحفاظ على
الوحدة الوطنية الفلسطينية، والشاهد أن الفصائل الفلسطينية أثبتت أنها على
مستوى المسؤولية بعدما أبدت قدراً كبيراً من الانضباط، لكن وعلى العكس من ذلك
تبدو المشكلة كلها داخل صفوف حركة فتح ذاتها، حيث نشهد اضطراباً واختلافاً
بادياً للعيان... بماذا تفسرون ذلك؟
• مشكلة فتح أنها ومنذ نشأتها رفضت أن يكون لها أيديولوجية أو عقيدة سياسية
محددة، واعتمدت البراغماتية في أدائها السياسي، ففتحت المجال أمام مختلف
الأفراد ومن كافة الأطياف الفكرية والسياسية للانضمام إليها مع حقهم في
الاحتفاظ بفكرهم الأساس شريطة ترك انتماءاتهم التنظيمية والحزبية السابقة،
ويرجع السبب في ذلك إلى رغبة فتح في أن تكون إطاراً جبهوياً يستوعب تناقضات
المجتمع الفلسطيني، ويوجهه نحو الحرب مع العدو الإسرائيلي.
لكن هذه الفضفاضية الفكرية، والتعامل بنظرية الحد الأدنى أيديولوجياً، والقبول
بتعدد الاجتهادات والمدارس ليس صحيحاً أنها من عوامل القوة والإشعال دوماً،
وإنما على العكس من ذلك، هذه المواصفات تجعل التنظيم، أي تنظيم، قابلاً
للاختراق بمعنى أو آخر.
وفي قضية شديدة التعقيد، متعددة الأطراف، خلافية من حيث المسار والمصير،
كالقضية الفلسطينية يصبح من السهل أن تتحول الاجتهادات إلى مناهج وطرائق شتى،
يأتلف حولها الأعضاء في دوائر منفصلة، وإن كانت بينها نقاط تقاطع والتقاء،
وظاهرة كهذه تصيب الإطار العام للتنظيم بشيء من الهشاشة ولين العظام، وقد تؤدي
في لحظة ما إلى ضعف القدرة على معالجة الاختلافات الداخلية بحيث تتغلب عوامل
الافتراق على نقاط التلاقي، ما يفسح المجال إلى الشقاق والانشقاق من جانب بعض
الدوائر.
نقطة أخرى -بالإضافة إلى ما سبق- تتعلق بالبعد الديمقراطي داخل الحركة، تتمثل
في الشكوى القديمة المتجددة من سيطرة رئيس الحركة على صناعة القرار وخروجه على
مقرراتها العامة، الأمر الذي طالما وجد صداه في مستوى صناعة القرار بمنظمة
التحرير، والمثير أن فتح لم تتمكن من معالجة هذا البعد رغم وقوعه في صلب ما
يشوّه صورتها الجماهيرية، ويعطل قضية الإصلاحات الديموقراطية في مجمل عمليات
النظام السياسي الفلسطيني قبل نشوء السلطة عام 1994 وبعده.
والحق أن الإشعاع التاريخي لياسر عرفات وحيازة الرجل على ما يشبه التفويض
الشعبي الثوري تمكن من التغطية على خطيئة التفرد القيادي على صعيدي المنظمة
وفتح، لكن هذا لا ينفي مساوئ هذا التفرد ولا يجيب عن السؤال المتعلق بماذا بعد
عرفات؟! إذ لا نعلم حتى اللحظة أن فتح تملك من القيادات -حتى التاريخي منها- من
بوسعه فرض رؤاه السياسية وغير السياسية بشكل يحفظ للحركة قوامها، ويصونها من
مغبة التمردات الداخلية أو حتى التمزق، وإذا كانت كتائب شهداء الأقصى قد أبدت
قدراً كبيراً من التمنع في وجه بعض خيارات قادة فتح حتى في حياة عرفات، وإن
كانت قد عبرت عن تقديرها المستمر والعالي له، ربما لمكانة وشخص الرجل، فمن يضمن
ما يحدث مع من يليه في القيادة وما تليه من مراحل وظروف ومعطيات.