((كتائب القسام)) تبدع هندسة
الأنفاق المفخخة
بعد سلسلة من العمليات النوعية لـ((كتائب الشهيد عز الدين
القسام)) استهدفت موقع (ترميد) العسكري قرب بوابة صلاح الدين على الحدود
المصرية – الفلسطينية، وموقع (حردون) العسكري في حي يبنا برفح، ثم موقع
(محفوظة) العسكري في (غوش قطيف) وسط قطاع غزة حيث تم نسف تلك المواقع بالكامل
من خلال أنفاق حفرها المجاهدون للوصول إلى الهدف المطلوب، جاءت عمليات ((كتائب
القسام)) التي استهدفت موقع (ملكة) العسكري على طريق (نتساريم) وموقع معبر
المنطار شرقي حي الشجاعية وما تلا ذلك عملية موقع (جي. في. تي) العسكري قرب
معبر رفح لتشكل تطوراً كبيراً في أساليب المقاومة، وتكتيكاً وتكيفاً نوعياً من
قبل حركة حماس مع صعوبة الظروف.
وهذا النوع من العمليات –رغم صعوبتها وتكلفتها– يشير إلى أن الوسائل القتالية
للمقاومة الفلسطينية تستخدم حسب الظروف والإمكانيات، فالثابت أن حركة حماس لا
تغير من سياستها العامة تجاه المقاومة والجهاد، واختيار الأسلوب ومكان تنفيذ
العمليات يرجع لأسباب ميدانية فقط، فـ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) تمتلك
كل الخيارات والوسائل في مواجهة الاحتلال ويرجع لقادتها اختيار أو تقديم هذا
النوع أو ذاك حسب الظرف الميداني.
تكيف سياسي ورسائل عسكرية
يرى خبراء في شؤون المقاومة الفلسطينية أن رسالة عمليات الأنفاق المفخخة لحكومة
شارون هي أن الأنفاق التي تحفر تحت المواقع والأبراج العسكرية للجيش الإسرائيلي
تستطيع أن تصل لكل مكان، وفي أي وقت حتى بعد بناء الجدار الفاصل بين الضفة
الغربية وفلسطين المحتلة عام 48، إلى جانب قدرة متجددة لـ((كتائب الشهيد عز
الدين القسام)) للدخول إلى مناطق أخرى حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي أحادي
الجانب من قطاع غزة.
حكاية الأنفاق القسامية
بدأ المجاهدون في استخدام الأنفاق في بداية الأمر لتهريب الأسلحة والبضائع
والأشخاص عبر الشريط الحدودي بين قطاع غزة ومصر، إلا أن الإغلاق المفروض على
القطاع والصعوبات التي تواجه تنفيذ عمليات داخل فلسطين المحتلة عام 1948 جعل
المقاومة الفلسطينية تستخدم هذه الأنفاق في استهداف المواقع العسكرية
الإسرائيلية.
ولضمان عدم حدوث انهيارات داخل النفق خلال وبعد حفره غالباً ما يتم استخدام شكل
مستطيل من الخشب المقوى يمنع حدوث أية انزلاقات رملية متوقعة.
ستّ عمليات نوعية باستخدام الأنفاق المفخخة، وقفت ((كتائب الشهيد عز الدين
القسام)) وراءها أو شاركت بها، شكلت دلالة أخرى على إبداع المقاومة الفلسطينية
في مطاردة جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه. ولا خلاف أن كل واحدة منها تستحق
الدراسة والمتابعة لاستخلاص العبر.
وبحسب الإحصاءات، فإن أول استخدام للأنفاق في عمليات فدائية خلال انتفاضة
الأقصى كان في 26 أيلول/سبتمبر 2001 حينما فجرت ((كتائب القسام)) عبوة كبيرة
أسفل برج (ترميد) العسكري فانهار بشكل كامل. تلاها عملية في 13 كانون
الأول/ديسمبر 2003 أسفل موقع (حردون) العسكري. وفي 28 يونيو/حزيران 2004، تمكن
مجاهدو ((كتائب القسام)) من حفر نفق طويل أسفل موقع (محفوظة) العسكري في (غوش
قطيف) وسط قطاع غزة حيث تم نسف الموقع بالكامل مما أوقع سبعة جنود قتلى. وهذه
العملية، أولى عمليات الأنفاق المفخخة يتم تصوير مراحل التخطيط والإعداد لها،
وصولاً إلى لحظة التفجير.
وتلا تلك العملية، حفر نفق آخر شرق مدينة غزة للوصول إلى موقع (ملكة) العسكري
على طريق نتساريم – المنطار. وكانت تلك العملية مشتركة بين ((كتائب الشهيد عز
الدين القسام)) و((ألوية الناصر صلاح الدين)) الذراع العسكرية للجان المقاومة
الشعبية.
عملية ((السهم الثاقب)) الأمنية
أما العملية الخامسة، فقد حققت ((كتائب القسام)) من خلالها إنجازات عسكرية
واختراقات أمنية كبيرة في جهاز المخابرات الصهيونية حيث تم توجيه أحد أبناء
القسام لاختراق صفوف جهاز ((الشاباك)) تحت مسمّى التعاون معها. وعلى مدار شهور
أربعة في التجهيز لعملية نوعية حفر المجاهدون نفقاً أرضياً من خلال مزرعة تبعد
قليلاً عن السلك الفاصل بين مدينة غزة والأراضي المحتلة عام 1948 حيث اعتادت
القوات الإسرائيلية الخاصة ارتيادها. وتم تجهيز النفق بنحو طن ونصف من
المتفجرات، في حين تم نصب كمين متقدم في المكان المحدد بزراعة عدد من العبوات
الناسفة شديدة الانفجار. واستطاع المجاهد تضليل المخابرات الصهيونية من خلال
إرسال رسالة بأن أحد قادة ((كتائب القسام)) يتواجد في المكان. وفور تقدم القوات
الإسرائيلية الخاصة إلى المكان المحدد يوم 7 كانون الأول/ديسمبر 2004 قام
الاستشهاديان مؤمن رجب محمد رجب وأدهم أحمد عايش حجيلة بتفجير العبوات الناسفة
داخل النفق مما أدى إلى مقتل جندي وإصابة أربعة بجروح وفق اعتراف العدو. وتقدم
الاستشهاديان بعد ذلك ليجهزا على من بقي من الجنود الأحياء، فاشتبكا مع قوات
الإسناد والإنقاذ واستخدما ما يحملانه من أسلحة رشاشة وقنابل يدوية وعبوات
ناسفة حتى ارتقيا شهيدين.
نائب وزير الدفاع الإسرائيلي روى تفاصيل العملية النوعية معترفاً في ذات الوقت
بقوة القساميين على اختراق صفوفه أمنياً وعسكرياً. فقال زئيف بويم: بعد أن
وصلتنا معلومات استخبارية عن وجود نفق، يصل من شرق الشجاعية إلى معبر كارني،
قامت قوة من الجيش الإسرائيلي لفحص المكان، وعندما اقتربت من بوابة النفق، تم
تفجيره بعبوة ناسفة كانت مزروعة بداخله.
براكين الغضب: براعة التخطيط وجرأة التنفيذ
في شرحه لتفاصيل عملية رفح ((براكين الغضب)) قال متحدث باسم كتائب القسام وصقور
فتح في مؤتمر صحفي: تم حفر نفق طويل، وصل إلى أسفل الموقع العسكري الكائن
بمحاذاة الحدود المصرية وزرع ما لا يقل عن طن ونصف الطن من المتفجرات تم
تفجيرها على مرحلتين.
المرحلة الأولى للانفجار حين تم التفجير الأول بـ 1300 كيلوغرام من المتفجرات،
وقد شوهد الانفجار الضخم يهز الموقع ومن ثم أعطي الأمر لاستشهاديي ((كتائب
القسام)) و((صقور فتح)) باقتحام الموقع ومفاجأة الجنود الصهاينة، حيث اشتبك
المقاومان مع من بقي من جنود العدو وقد تمكنا من قتل ما لا يقل عن سبعة منهم،
حيث كانوا يصرخون من الهلع، وذلك وفق ما أكده القسامي الذي عاد سالماً مع
غنيمته.
بعد أن أجهز المجاهدان على من بقي منهم (جنود الاحتلال) استوليا على رشاش ثقيل
من نوع (إم إيه حي)، وحاول المجاهد القسامي سحب جندي صهيوني مصاب إلا أنه حاول
الهرب فأجهز عليه المجاهد، وانسحب المجاهد القسامي من المكان بعد أن تأكد له أن
جميع من في الموقع تم قتلهم، وقد استشهد نتيجة هذا الاشتباك مؤيد بحكم الله
الآغا، وهو من ((صقور فتح)).
بعد ذلك تم تنفيذ المرحلة الثانية بتفجير 200 كيلوجرام من المتفجرات، وكان
الانفجار عن طريق ساعة توقيت قد أُعدّ لضرب قوات الإسناد الصهيونية حال وصولها
إلى المكان لإنقاذ جنودها.
ضباط صهاينة، أكدوا بعد قيامهم بجولة تفقدية أن الموقع العسكري تدمر بالكامل من
شدة الانفجار، وأن موقعاً عسكرياً آخر يبعد عنه أكثر من 300 متر قد تضرر.
ونقلت وسائل الإعلام الصهيونية عن الضباط قولهم إنه بموجب التقديرات، فإنه كان
في النفق الذي انفجر مواد متفجرات تزن أكثر من طن واحد (1000 كيلوغرام).
مصادر رسمية في الجيش الصهيوني اعترفت بمقتل خمسة جنود صهاينة، بينهم ضباط،
وإصابة ستة آخرين على الأقل بجروح، إصابة أربعة منهم بالغة الخطورة؛ ويشار بهذا
الصدد إلى أن الحكومة الصهيونية اتخذت قراراً في بداية انتفاضة الأقصى بمنع نشر
أي جهة عن عدد القتلى والجرحى (الإسرائيليين) الذين يسقطون في عمليات تنفذها
فصائل المقاومة الفلسطينية، في مسعى للمحافظة على معنويات جنودها.
صواريخ القسام تحقق أهدافها
رغم محاولات الإعلام الإسرائيلي تصوير الهدوء الذي شهدته جبهة (مستوطنة سديروت)
التي استهدفتها ((صواريخ القسام)) بكثافة خلال الأشهر الستة الأخيرة بأنه
انتصار لسياسة الاجتياجات والعدوان الذي تعرضت له بيت حانون وبيت لاهيا
وجباليا، إلا أن ((كتائب القسام)) فاجأت العدو الصهيوني بتطوير جيل جديد من
صواريخها المضادة للدبابات لتصبح ذات مدى بعيد يتم فيها قصف المستوطنات في شمال
قطاع غزة كما حدث يوم 8 كانون الأول/ديسمبر 2004 بقصف مستوطنتي (نيسانيت)
و(نفيه ديكاليم). كما استهدف القساميون وبشكل ملفت تجمع مستوطنات ((غوش قطيف))
بوجبات مختلفة من قذائف الهاون وصواريخ القسام أدت إلى مقتل عاملة تايلندية
وأصابت عدة مستوطنين صهاينة وفق اعتراف العدو.
هذا التحول في طبيعة ومكان الأهداف، أدى إلى دعوة الحكومة التايلندية رعاياها
إلى مغادرة مستوطنات قطاع غزة حفاظاً على حياتهم. كما برهنت ((كتائب الشهيد عز
الدين القسام)) من جديد أنها صاحبة القرار في اختيار الوقت والمكان حين قصفت
يوم 19 كانون الأول/ديسمبر 2004 مستوطنة (سديروت) وأوقعت سبعة جرحى صهاينة.