الشاعر الدكتور جابر قميحة
• الفلسطينيون يملكون عامل النصر في صراعهم مع الصهاينة
• للكلمة القوية أثر كبير في دفع الإنسان للعطاء والتضحية
القاهرة/ مسعد خيري
لقد كان للأدب والأدباء دور بارز في خدمة قضايا الأمة وبالأخص قضية فلسطين،
فكان الأدباء على مر التاريخ هم الذين يوقدون مشعل الحماسة والفداء في القلوب،
والشاعر جابر قميحة شاعر كبير عرف بإسلاميته، وكان لفلسطين وللفلسطينيين نصيب
وافر في شعره.
- كيف كانت حياتك ونشأتك؟
• اسمي جابر المتولي قميحة، من مواليد مدينة المنزلة بأقصى شمال الدلتا عام
1934. دخلت الكُتّاب ثم المدرسة الإلزامية، ثم المدرسة الابتدائية (ومدتها أربع
سنوات)، ثم التحقت بالثانوية (وكانت خمس سنوات)، وكان التخصص يتم من الصف
الخامس، وكان تخصصي هو الشعبة الأدبية، وكنت الأول على المدرسة، وقد نما حبّي
للأدب واللغة العربية منذ سن مبكرة. ثم التحقت في عام 1953 بكلية دار العلوم
بدافع حبّ اللغة والارتباط بشخصية الإمام الشهيد حسن البنا.
وكنت منذ الصغر محباً للقراءة حفاظة للشعر والنثر، حتى قال عني الأستاذ الدكتور
عمر الدسوقي: التحق بدار العلوم طالب اسمه جابر قميحة يحفظ حمل بعير من الشعر
ومثله من النثر.
وكنت كلما صعب عليَّ كتاب تصديت له من منطلق التحدي حتى أستوعب ما فيه، وكنت
أحكم على نفسي من خلال ما أقرأ وما أستوعب.
وبعد الجامعة عينت مدرساً بالتربية والتعليم، والتحقت بكلية الحقوق وحصلت على
ليسانس الحقوق، ثم على الدراسات العليا بكلية حقوق القاهرة، وهممت أن أقوم بعمل
دكتوراه بعنوان (نظرية التعسف في استعمال الحق بين الشريعة والقانون)، لكن
استهواني الأدب، وخاصة الشعر.
بعد ذلك أعرت إلى الكويت وحصلت من جامعة الكويت على ماجستير في الأدب بعنوان
(الفن القصصي في شعر خليل مطران)، ثم حصلت من كلية دار العلوم على الدكتوراه،
والتي كانت بعنوان (منهج العقاد في التراجم الإسلامية).
وقد درّست في كلية الألسن، ثم أرسلتني الحكومة المصرية للتدريس في جامعة (يل)
بالولايات المتحدة الأمريكية وبالجامعة الإسلامية بباكستان، وجامعة الملك فهد
بالمملكة العربية السعودية.
والآن أنا متفرغ للقراءة والكتابة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لما غيرت
مسيرة حياتي.
- للأدب دور رائد في خدمة قضايا الأمة، ومنها قضية
فلسطين، ما هي أهم ملامح هذا الدور؟
• نعم، كان للأدب، وخاصة الشعر دور كبير في تغيير تاريخ البشرية، ويذكر التاريخ
أن نقفور -ملك الروم- لما نقض عهده مع هارون الرشيد احتال الناس إلى أحد
الشعراء ليبلغه بما حدث، فقال الشاعر:
نقض الذي أعطيته نقفور
وعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه
فتح أتاك به الإله كبير
فقال هارون الرشيد: أوَقد فعلها؟ وأمر جيشه أن يعود إلى الروم وانتصر عليهم
انتصاراً مدوياً.
والواقع أننا نجد في تاريخ القضية الفلسطينية شعراء مثل عبد الرحيم محمود الذي
يحكى التاريخ عنه أنه في عام 1935 زار الأمير سعود بن عبد العزيز القدس، فقال
له عبد الرحيم محمود:
يا ذا الأمير أمام عينك شاعر
ضُمت على سود الملاحم أضلعه
المسجد الأقصى أجئت تزوره؟
أم جئت من قبل الوداع تودعه؟
وكأن عنده شفافية أنبأته بأن التفريط سيضيع المسجد الأقصى.
كذلك كان لقصائد إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) أثر كبير في
تمجيد دفاع الشعب الفلسطيني، ولقد تبنّى الشعراء الأحرار، وخاصة الإسلاميين
القضية الفلسطينية حتى أصبح في شعرهم ما يمكن أن نطلق عليه (الفلسطينيات).
وأنا لي ديوان كامل بعنوان (لله والحق وفلسطين)، وأغلب شعري عن الفلسطينيين
وتمجيد بطولاتهم.
وقيمة الشعر هنا أنه يشعر المجاهد أنه في أذهان وفي قلوب الآخرين، ومن ناحية
أخرى أن للكلمة القوية دوراً عظيماً في دفع الإنسان للعطاء والتضحية.
-كيف يمكن للأديب أن يسخّر قلمه لخدمة قضايا أمّته؟
• هذه المسألة تقتضى أن نتحدث عما يسمونه (الالتزام)، والأدباء الإسلاميون
يعتبرون التزامهم بقضايا أمّتهم شيئاً طبعياً لا تكلف فيه. والأصل أن الأديب لا
يعزل نفسه عن مجتمعه ولا عن إسلامه الذي يتغلغل بداخله، والأدب هو نبض الشعب
ونبض الأمّة، وهو المرآة التي تعكس شخصية الأمّة وشخصية الأديب.
والأدب لم ينقطع أبداً عن إسلاميته وعن دوره الرائد منذ عهد رسول الله (صلى
الله عليه وسلم) وحتى يومنا هذا.
-كانت لكم سلسلة من الكتابات النقدية لشعر الشباب بعنوان
(فلسطين مأساة ونضالاً في شعر الشباب) ما هي الدواعي التي دعتكم إليها، وما
الثمرة التي حققتها؟
• هؤلاء الشباب هم شعراء مجهولون وشعرهم على مستوى فنّي كبير، ولكنهم لا يجدون
إلا الصد؛ لأن دور النشر لا تحتفي إلا بالشعراء الكبار المشاهير، فنظرت في
شعرهم فوجدته على درجة فنية عالية، فكتبت عنهم في حلقات شهرية في مجلة (القدس)
الصادرة عن مركز الإعلام العربي بالقاهرة.
وبعد التعريف بهؤلاء الشعراء عرفهم الناس والكثير منهم نال جوائز عالية، كما
أنهم اكتسبوا الثقة في أنفسهم؛ وبذلك اكتسبت الكلمة الطيبة أنصاراً جدداً.
-الانتفاضة الفلسطينية المباركة وقد دخلت عامها الخامس،
ما تقييمكم لها؟
• أنا دائماً أقول: إن الفلسطينيين لا يحاربون الصهاينة، وإنما يحاربون عالماً
كاملاً من الفساد والفجور والكفر في الداخل والخارج، فلو كانت المسألة تقف عند
اليهود لاستطاع الفلسطينيون أن يتصدوا لهم؛ لأن الشباب الفلسطيني، وقد سيطرت
عليه العاطفة الإسلامية والوطنية لن يموت، ولكن المشكلة فيمن يطعن هذا الشباب
من الخلف، ولكن أنا أقول: إن دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة،
والحق لا بد أن ينتصر، وهذه المحن هي التي تربي وتنمي الإرادة وتكسب الثواب عند
الله تعالى.
ولكن بالرغم من الإمكانات القليلة للمجاهدين من حزب الله وحماس والجهاد، إلا
أنهم سينتصرون إن شاء الله نظراً لعامل الإيمان الذي يملأ قلوبهم، وليس أدل على
ذلك من الابتكارية في وسائل المقاومة، ومن ذلك حرب الأنفاق التي انتشرت في
الآونة الأخيرة.
-ماذا ينقص النخبة العربية المثقفة لكي تكون فاعلة
ومؤثرة في مجتمعاتها؟
• أنا لا أعترف بالنخبة المثقفة ما لم تكن تسيّرها عقيدة إسلامية قوية،
فالإنسان عندما يقول: يا ربّ يصبح قيوماً صغيراً يأوي إلى قيوم كبير، وتكون
لديه القوة التي تمكّنه من فعل المستحيلات، والإنسان عندما يركن إلى ربّه فإن
الله تعالى يفتح عليه من حيث لا يدري ولا يعلم.
فليس أمامنا إلا أن نسير على الإسلام ليكون لدينا الفرد المسلم، ثم الأسرة
المسلمة والمجتمع المسلم حتى تتكون الدولة الإسلامية بإذن الله تعالى.
الإسراء.. والأطفال والحجارة
شعر: د. جابر قميحة
وها قدْ هلّتِ الذكرى
عبيراً فاحَ ريّاهُ
فأصبح جدبُها روْضاً
وشادِي النورِ ضوّاهُ
محمدُ يا رُبى يَسْرِي
تملّى من مُحيّاهُ
فسبحانَ الذي أسْرى
به في ظلّ نُعماهُ
فما زاغتْ له رُؤيا
وما كَذَبتهُ عيناهُ
بمعراج حداه النور
فيّاضاً.. ومَسْراهُ
فيغشى السّدرةَ الشمّاءَ
ما يغشى لمرآهُ
وآياتٍ له كُبْرى
تحققُ ما.. تمنّاهُ
فكانتْ شِرْعةُ المحرابِ
خَمساً من عَطاياهُ
لتنهَى العبدَ عن خطلٍ
فيبعدَ عن خطاياهُ
***
لقد هلّتْ رُؤى الذكرى
وِملءُ قلوبنا الآهُ
وقد نزّت جراحُ القلب
مما قد لقيناهُ
فطِرْتُ على جناحِ الشوقِ
للأقصى لأحياهُ
وها قد جئتُ يا محراب
اسْتَدفِي بذكراهُ
ودمعُ الحُزنِ في الصلوات
روّاني وروّاه
أنا لن أبرَحَ المحرابَ
حتى يأذنَ اللهُ
هنا قد خرّ للأذقانِ
رُسْلُ الله: ربّاهُ!!
وأَمّهُمُ رسولُ اللهِ
يا أعظِمْ بتقواهُ!!
ففاض الأفْقُ بالأنوارِ
من نورٍ تجلاّهُ
وسبّحَ في جبين القدسِ
من أطيابِ لُقياهُ:
جبالٌ هشّ شامِخُها
وزيتونٌ وأمْواهُ
أنا في المسجدِ الأقصى
وقلبي الحبُّ أضناهُ
ذروني أرتوي منهُ
وأشبعُ من نجاواهُ