فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Feb2004
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
تحقيق
الغلاف1
الغلاف2
شؤون العدو
قضايا
الملف1
الملف2
الملف3
رأي - منير شفيق
شؤون عربية
شؤون دولية1
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مع الغروب
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
قلّ ودلّ
لوحات فنية
لحظة

 

شؤون دولية1

حظر فضائية المنار.. بداية حرب إعلامية؟

بون/نبيل شبيب
بغض النظر عن التفاصيل والحيثيات من وراء حظر محطة المنار في فرنسا، والمضيّ إلى درجة تصنيفها كمنظمة إرهابيّة في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يمكن الفصل بين خطوة التصعيد هذه في التعامل مع إحدى وسائل الإعلام الإخباري العربي، وبين أجواء التصعيد الأوسع نطاقاً، التي انتقلت على مستوى الهيمنة العسكرية إلى درجة حرب احتلال، وعلى مستوى ما سمّي الحرب ضدّ الإرهاب إلى خنق مختلف أشكال المقاومة للاحتلال، وعلى مستوى مكافحة العداء للساميّة إلى درجة التدخّل المباشر في السياسات الإعلامية والثقافية وغيرها داخل البلدان العربية والإسلامية.

إرهاب الكلمة
الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية معروف ومكشوف لا يحتاج إلى بحث وتحليل، فالحملة على فضائية المنار الآن، ليست قائمة بذاتها، فتأتي دون أن تنقطع الحملات ضدّ فضائية الجزيرة وسواها، والحملات على بعض مسلسلات التلفزة العربية، والاحتجاجات على كلمة هنا وأخرى هناك في الصحف والمجلات العربية، وجميع ذلك يمثّل تصعيداً مدروساً تتكامل جوانبه مع بعضها بعضاً، وتحرّكاً شمولياً له أهدافه المباشرة في ميدان العمل على فرض قيود إضافية على الإعلام العربي، علاوة على القيود المعروفة فيه من الأصل في التعامل مع السلطات الحاكمة. ومحور القيود الإضافية هذه، هو جعل المعارضة الفعّالة التي تمسّ جذور الممارسات العدوانية الإسرائيلية بالذات من ((المحرّمات)) على الصعيد الفكري والثقافي والإعلامي. ويصل التحرّك لهذا الغرض في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى مستوى ما تعطيه صبغة ((قوانين))، وإجراءات تتجاوز سائر الأعراف ((الديمقراطية)). هناك بدأ العمل للوصول بما يُسمى مكافحة عداء السامية، إلى تحقيق هدفين اثنين، أحدهما تصنيف العداء للإسرائيليين والسياسة الإسرائيلية في هذه الخانة التي كان التركيز فيها على اليهود والديانة اليهودية، وثانيهما توسيع نطاق الحملة القائمة دعماً للاحتلال الإسرائيلي، بحيث لا تقتصر على من يحمل السلاح من المقاومة الفلسطينية أو يموّلها، بل يراد أن يشمل ذلك مَن يؤيّد مقاومة الاحتلال بكلمة إعلاميّة، أو حتّى بإنتاج فنّي!.
إنّ منظمة مستقلّة مثل ((مراسلون بلا حدود)) تدرك ما تعنيه هذه التوجّهات على صعيد حريّة الإعلام عموماً والتعامل مع الإعلاميين في أنحاء الأرض، أي ما يمكن أن يصبح بمثابة ((سابقة سياسية)) تجد تطبيقها في كلّ مكان، وهذا ما يجعل المنظمة تقول في بيان لها: ((حتّى في حالة عدم قبول تبريرٍ تصريحات معادية للساميّة بثّتها محطة المنار، يقلقنا تصنيف هذه المحطة التلفازية في قطاع مجموعات إرهابيّة، ولا يبدو لنا هذا هو الحلّ الأفضل. إنّ النتيجة لا تقتصر على طرد جميع العاملين في المحطة من الولايات المتحدة الأمريكية، بل تشمل اعتبارهم مقاتلين واعتبار هيئات التحرير التابعة للمحطة أهدافاً عسكرية، وهذا يفتح الباب أمام إدراج سائر المحطات الإخبارية في تلك القائمة بتهمة مساندة الإرهاببين وهو ما يمكن استغلاله قطعاً)).
وقد أشارت المنظمة أيضاً في إطار تعاملها مع قضية فضائية المنار إلى الرغبة في دعوة الإعلاميين العرب إلى التضامن مع زميلتهم الفرنسية ((فلورانس أوبينا)) التي اختفى أثرها في العراق قبل فترة وجيزة، وكان قد لوحظ التردّد عن قرار الحظر رغم طرحه في فرنسا قبل شهور، وتأخيره إلى ما بعد ظهور نتائج الجهود المبذولة آنذاك للإفراج عن الصحفيّيْن الفرنسيين المختطفيْن في العراق سابقاً، واعتماد تلك الجهود على كسب تأييد وساطات عربيّة وإسلاميّة.
وموقف منظمة ((مراسلون بلا حدود)) المعارض للإجراء الأمريكي وللإجراء الفرنسي أيضاً، لا يعني تبنّي موقف فضائية المنار، وهو ما يشير إليه الأمين العام للمنظمة ((روبير مينار)) قبيل مشاركته في لقاء تضامنيّ مع الفضائية في بيروت، بقوله إنّه يريد أن يذكّر المسؤولين فيها أن ما يستخدمونه من تعابير في الحديث عن الصهيونية و(إسرائيل) يفهمها العقل الأوروبي أنّها معادية للسامية.

تسييس العداء للسامية
في القضية الراهنة لا يخفى أنّ من وراء التعليلات الرسمية بشأن معاداة السامية، يبقى المنظور الفرنسي ومن خلفه الأوروبي إلى فضائية المنار هو منظور حجم مساهمتها بالمقارنة مع وسائل الإعلام العربي الأخرى في دعم المقاومة الفلسطينية، حتّى وإن اقتصر هذا الدعم على الشكل الإعلاميّ. ولا يعني هذا أنّ التعليل مصطنع، فكما بدأت واشنطن مؤخّراً في تمييع الحدود الفاصلة ما بين العداء للسامية والعداء للسياسات الإسرائيلية، وما بين الدعم بالسلاح والمال، والدعم بالرأي والكلمة، بدأ هذا الاتجاه ينتشر في الاتحاد الأوروبي أيضاً، وبدأ يتضاءل تدريجياً التمييز الرسمي ما بين انتقاد السياسة الإسرائيلية والمواقف العدائية لليهود واليهودية التي باتت كلمة العداء للسامية مصطلحاً غربياً لها (رغم النسب السامي للعرب).
إنّ الفوارق الحاسمة والدقيقة في هذا المجال تتخذ شكلاً هلامياً زئبقياً في الوقت الحاضر، والمنطلق إلى ذلك في فرنسا، التي تعرّضت في السنوات الماضية أكثر من سواها إلى حملة مركّزة بشأن ارتفاع نسبة الكتابات والمواقف والأعمال التي تُصنّف عادة في خانة العداء للسامية داخل أراضيها، وعلى خلفية الأحداث في الأرض الفلسطينية بالذات، ووصلت هذه الحملة إلى ذروتها عبر دعوة شارون لليهود الفرنسيين إلى مغادرة فرنسا، ورغم المواقف السياسية الفرنسية المضادّة، فلا شكّ أن حكومة باريس ترصد أيضاً ارتفاع عدد اليهود المهاجرين منها بالفعل في الأشهر التالية.
سياسات الاتحاد الأوروبي عموماً، بما في ذلك السياسة الفرنسية، ما زالت -رغم اختلاف الأهداف والوسائل- تلحق بالسياسات الأمريكية، غالباً بعد فترة زمنية معيّنة، وفي ميدان بعد ميدان من الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي أو العربي - الإسرائيلي. وهذا ما يشير إلى معضلة الجمع بين اتجاهين سياسيين، أوّلهما الحرص الأوروبي على مستوى من العلاقات الإيجابيّة مع واشنطن يحول دون المواجهة المفتوحة رغم ازدياد حجم الهوّة الفاصلة بين الجانبين، والتي بلغت ذروتها المؤقّتة المعروفة في التعامل مع حرب احتلال العراق، وثانيهما رفع مستوى السياسة الأوروبية المتميّزة عن واشنطن عالمياً إلى درجة فاعلة في صنع الأحداث، وهذا ما يسري على مساعي ترسيخ علاقات إيجابية مع الدول العربية والإسلامية، وهو ما يميّز فرنسا أكثر من سواها بين الدول الأوروبية الرئيسية.
وتأتي قضية فضائية المنار الآن بعد التغيّر السياسي الثلاثي المتمثّل في رحيل عرفات وبقاء بوش وائتلاف إسرائيلي جديد، أي في مرحلة يسعى الاتحاد الأوروبي فيها، بزعامته الفرنسية-الألمانية، إلى الاستفادة من هذا التغيير للحصول على موقع سياسيّ جديد للقيام بدور ما في رسم خارطة مستقبل المنطقة. ولا يزال الرفض الإسرائيلي قاطعاً، ويتخذ طابع التصريحات الفجّة، كما ورد على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي شالوم وهو يقول قبيل جولته الأخيرة في أوروبا إنّه لا يمكن للأوروبيين أن يتخذوا موقفاً مؤيّداً للفلسطينيين على طول الخط، ثم أن يكون لهم دور الشريك النزيه. وواضح أنّ مواصفات الشريك النزيه في نظره هي مواصفات الشريك الأمريكي المؤيّد للإسرائيليين على طول الخطّ. ولا يسري على الاتحاد الأوروبي قطعاً الزعم الإسرائيلي باتخاذه موقفاً عدائياً للإسرائيليين، لا سيّما وأنه ليس شريكهم الأكبر تجارياً فحسب، بل يعمل على توسيع حجم العلاقات الثنائية في مختلف الميادين دون استثناء، عاماً بعد عام، وهو ما كان واضحاً أثناء سنوات انتفاضة الأقصى الأربعة الماضية، ويقف الآن على باب قفزة نوعيّة جديدة تحمل اسم ((اتفاقات الجوار)) التي قال شالوم إنّها حققت أكثر ممّا انتظرته التوقّعات الإسرائيلية، والواقع أنّ مضمونها لا يتجاوز مضامين اتفاقات الشراكة والاندماج السابقة فحسب، بل يتجاوز أيضاً مضامين ((اتفاقات الجوار)) المعقودة حديثاً مع دول أخرى.
يقابل ذلك مسلسل الخطوات الأوروبية التي أدرجت المقاومة الفلسطينية ومنظمات إغاثة إسلاميّة تدريجياً تحت عنوان ((مكافحة الإرهاب))، وتأتي الآن نقلة نوعيّة عبر حظر فضائية المنار، مع ملاحظة عدم إدراج منظمة حزب الله نفسها فيما يُسمّى قائمة الاتحاد الأوروبي لتصنيف الإرهاب، والتي ابتكرت عام 1998 على غرار القائمة الأمريكية. والرسالة موجّهة إلى منظمة حزب الله بطبيعة الحال، ومن خلال ذلك إلى الحكومة السورية أيضاً والتي لم تعد تنقطع الضغوط الغربية في اتجاهها تحت عنوان الشأن اللبناني، إنّما بهدف يتجاوزه ولا ريب إلى الشأن الفلسطيني والعربي عموماً.

حرب في اتجاه واحد
على أنّ البُعد الجديد الأوضح للعيان في النقلة النوعية المشار إليها هو ما يظهر عند وضع الحدث في موقعه من الحملة الجديدة في الميادين الفكرية والثقافية والفنية والتعليمية في المنطقة الإسلامية، ولا سيّما العربية منها. هذا ما يدفع المحرّر الألماني فلوريان روتّر مثلاً، إلى التساؤل في عنوان مقالة له يوم 21/12/2004 ((هل بدأت حرب إعلاميّة غربية-شرقية؟)).
إنّ الحدث بهذا المنظور أعمق مغزى من الردّ على ما تعتبره الأوساط الأوروبيّة ممّا تبثّه فضائية المنار متطابقاً مع تعريف العداء للسامية عند الأوروبيين، لا سيّما وأنّ حيثيات القرار الفرنسي لم تتحدّث عن أمثلة، بل ربطت القرار بعبارة صدرت عن أحد مقدّمي البرامج عن الإسرائيليين، عن أنّهم يرتكبون جرائم ضدّ الإنسانيّة، بعد اتهامهم بنشر مرض نقص المناعة الذاتية المكتبس ((الإيدز)) عمداً بين الفلسطينيين. مثل هذا التعليل يجعل الاتحاد العالمي للصحفيين، الذي لا يتبنّى موقف فضائية المنار، يدين الحظر الفرنسي المتسرّع، كما وصفه، ويعتبره من صنع مقصّ الرقابة على الكلمة، ويضيف أنّه إذا كانت كلّ محطّة ستتعرّض للحظر إذا بثّت بعض التصريحات المرفوضة والمزعجة، فلن يبقى محطات تلفزة إطلاقاً.
إنّ حظر فضائية المنار، والحملة على فضائية الجزيرة وفضائيات إخبارية عربية أخرى، والحملة على مسرحية مصرية وبعض المسلسلات السورية، جميع ذلك يمثّل عناصر تتلاقى مع حملة استهداف برامج التعليم المدرسية، والتضييق على الخطب، وملاحقة المواقع الشبكية، وغير ذلك الذي لا يعطي صورة ((حرب إعلاميّة)) فحسب، بل هي حرب فكرية وثقافية شاملة، ومن بين ساحاتها الجانب الإعلامي والفني.
إنّ حملات ((تجفيف المنابع الفكرية)) هذه أصبحت تواكب حملات ((تجفيف المنابع المالية)) التي استهدفت كثيراً من منظمات الإغاثة، ولا تأتي دفعة واحدة، بل حملة بعد أخرى، مستهدفة جهة بعد جهة، في خلط يجري بلا حساب ما بين سائر المفردات القديمة والحديثة، سقيمها وسليمها، المتعارف عليها والمبتكرة، من إرهاب وأصولية وعنف ومقاومة وحرية إعلام وحقّ الكلمة والتعبير وغيرها، وهو خلط يخدم في الدرجة الأولى تصنيفَ كلّ ما هو مرفوض سياسياً في الغرب، في خانة عداء السامية، باعتبار هذا العنوان هو الأقرب حتى الآن إلى التأثير على الرأي العام الغربي على نطاق واسع.
وكلّ حملة جزئية سابقة لم تجد رداً كانت تمهّد –كالحملة على فضائية المنار الآن- لحملة تالية، ولاستهداف جهة أخرى، وما يسري في الميدان الفكري والإعلامي هنا، يسري على الصعيد السياسي بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، وقد كان كلّما أظهر موقفاً متميزاً ولو جزئياً عن المواقف الأمريكية، لا يجد تجاوباً فعّالاً أو تأثراً يستحقّ الذكر في السياسات الرسمية الفلسطينية أو العربيّة، بحيث يصدر ردّ فعل ما، سواء عبر الترغيب بمراعاة المصالح الأوروبية مراعاة خاصّة، أو عبر اتخاذ مواقف مضادّة تجاه بعض الممارسات السلبيّة. إنّ القرار السياسي الأوروبي الذي يصدر على أساس الموازنة بين عدّة اعتبارات في وقت واحد، لا يجد حاجة إلى أن يدرج الاعتبارات المصلحية مع الأطراف العربية والإسلامية بعين الاعتبار، لا سلباً ولا إيجاباً، فيبقى التأثير الفعّال الوحيد عليه هو نظرته الذاتية إلى طبيعة علاقاته ومصالحه مع الآخرين، من الأمريكيين والإسرائيليين.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003