الانتخابات العراقية:
النتائج المتوقعة وما بعدها
عمّان/ياسر
الزعاترة
نكتب قبل أيام من الموعد المقرر لإجراء الانتخابات العراقية، إلا أنه لا زال من
العسير الجزم بما إذا كانت ستجرى في موعدها المقرر نهاية شهر كانون
الثاني/يناير الحالي، أم ستؤجل إلى موعد لاحق، لكن الثابت هو أنها ستجرى بصرف
النظر عن جملة الظروف الموضوعية التي تشكك في نزاهتها وجدواها لإخراج
الأمريكيين من مأزقهم في العراق.
في قراءة واقع الانتخابات العراقية القادمة يمكن القول إن الزيف هو عنوان
اللعبة من أولها لآخرها، فهو يبدأ من جهات الإشراف وجهات التنفيذ لاستحقاقها،
فمحافظو المحافظات العراقية جميعاً ورؤساء المجالس البلدية وأعضاؤها تم تعيينهم
من قبل سلطات الاحتلال. أما الأسوأ فهو تعيين الحاكم المدني الأمريكي السابق
بول بريمر لما يعرف بالمفوضية المستقلة، وهي اللجنة التي تتولى الإشراف على
الانتخابات. وهذه اللجنة هي التي أصدرت قانون الانتخاب الذي صيغ بتوافق بين
أعضائها الذين يمثلون الجهات المتعاونة مع الاحتلال، وعلى رأسها الحزبان
الكرديان والأحزاب الشيعية القادمة من الخارج.
من هنا لم يكن غريباً أن تجري لعبة صياغة القانون على نحو يخدم أهداف القوى
المشار إليها في الحصول على غالبية برلمانية، في ذات الوقت الذي يخدم أهداف
الأكراد في الحصول على نسبة من المقاعد تفوق بكثير نسبتهم العددية في البلاد.
اعتمد القانون العراق كله كدائرة انتخابية واحدة، يجري التنافس فيها من خلال
القوائم الانتخابية، وهو نظام لا يعرف إلا في الدولة العبرية، ويقوم في واقع
الحال على واقع جغرافي ضيق، في ذات الوقت الذي يعتمد على تجذر الحياة الحزبية
وحيث يتم التنافس بين أحزاب وبرامج، ويجري التصويت على هذا الأساس، فيما توزع
المقاعد البرلمانية على الأحزاب بحسب النسبة التي حصلت عليها من الأصوات، فيما
تكون الأحزاب قد قدمت لوائح انتخابية تتوزع المقاعد فيها على أسماء القائمة
بحسب الترتيب، وبالطبع تكون الأحزاب المشار إليها قد أجرت انتخابات داخلية
للتنافس على ترتيب الأسماء في القائمة. مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن على الحزب
الإسرائيلي حتى يدخل البرلمان أن يتجاوز نسبة الحسم وهي 1,5% من الناخبين حسب
القانون القديم، فيما جرى رفعها إلى 2% للانتخابات القادمة، وإلا فإن أصواته
توزع على الفائزين الآخرين بحسب نسبهم.
في الحالة العراقية لم يكن ثمة أحزاب حقيقية، وإنما حركات يهيمن عليها أشخاص
بالطرق المعروفة، وفي الغالب على أسس من الحشد القومي والمذهبي وقد جرى ترتيب
الأسماء من دون انتخابات. أما الأسوأ فهو تجاهل المحافظات، الأمر الذي يجعل
بالإمكان إخراج برلمان لا تتمتع فيه المحافظات بحصص عادلة.
من الإشكالات التي واكبت الانتخابات هو عدم إجراء تعداد سكاني جديد كما كان
مقرراً في السابق، الأمر الذي دفع إلى اعتماد البطاقة التموينية كإثبات
للمشاركة أو إثباتات أخرى للمقيمين في الخارج أو القادمين من إيران وسواها. وقد
كان لافتاً أن توافق القوى إياها على قصة البطاقة، الأمر الذي فسرته التصريحات
اللاحقة من قبل الكثيرين، من بينهم رئيس الحكومة المؤقت إياد علاوي الذي اتهم
إيران بتزوير الملايين من البطاقات التموينية، وإذا كان الإيرانيون قد فعلوا
ذلك، فما الذي يمنع القوى الأخرى من تكرار اللعبة؟!
خلاصة القول هو أن النظام الانتخابي وكل ما يتصل بإجراءات الانتخاب قد صيغت
بعناية كي تمنح الفوز للجهات المتعاونة مع الاحتلال من الأكراد والقوى التي
تشارك في الحكومة الانتقالية، وهو ما جرى سابقاً في ترتيبات تشكيل المجلس
الوطني المؤقت الذي جاء صورة عن مجلس الحكم، وهو ما تكرر أيضاً في تشكيل
الحكومة المؤقتة.
المقاطعة السنية
من الواضح أن استهداف العرب السنّة بالقانون وإجراءاته كان واضحاً، لكن ذلك لم
يكن السبب المباشر في قناعتهم بمقاطعة الانتخابات، فقد كانت القناعة موجودة من
قبل في صفوف هيئة علماء المسلمين التي يعلم الجميع أنها الممثل الأهم للعرب
السنة، وتتمثل تلك القناعة برفض أية عملية سياسية تتم تحت إشراف الاحتلال،
الأمر الذي ينطبق على الانتخابات، وقد جاءت الهجمة على الفلوجة لتزيد في قناعة
الهيئة بالمقاطعة، وهو ما انسحب على قوى كثيرة تنضوي فيما يعرف بالمؤتمر
التأسيسي لمقاومة الاحتلال الأمريكي في العراق، وتشمل العديد من الأحزاب
والهيئات الشيعية والسنية وحتى الكردية والتركمانية. أما التيار الصدري فقد
تراوح موقفه بين الإحجام عن المشاركة وشائعات المشاركة من الباطن، لكنه بقي
محسوباً على قوى المقاطعة.
وقد اكتملت المقاطعة العربية السنية بعد أن أعلن الحزب الإسلامي انضمامه إليها،
وهي الخطوة التي أربكت حسابات أعوان الاحتلال ممن كانوا يعولون على مشاركة
الحزب ومنحه الشرعية لمشاركة العرب السنة، تماماً كما فعل في مجلس الحكم
والحكومة الانتقالية التي عاد وانسحب منها.
على أن مشاركة الحزب الإسلامي في حال نجاح المفاوضات معه بعد عرض حكومة علاوي
والشعلان التأجيل في حال ضمان مشاركة السنة, هذه المشاركة لا تعني عودة العرب
السنة عن خيار المقاطعة، إذ سيواجه الحزب عنتاً كبيراً في إقناع حتى كوادره
أنفسهم بالمشاركة في ظل مقاطعة هيئة علماء المسلمين للانتخابات ودعوتها الناس
إلى المقاطعة. أما الأوضاع الأمنية التي كانت سبباً في دعوة الكثيرين إلى
التأجيل فلن تتغير إلى الأحسن كما تقول المؤشرات المتوفرة، فقد أثبتت الوقائع
على الأرض أن المقاومة تزداد تصاعداً وأن معركة الفلوجة لم تزدها إلا اشتعالاً،
ولم تزد العرب السنة إلا انحيازاً إليها في مختلف المناطق، فكيف إذا نفّذت
الحكومة المؤقتة تعهداتها وداهمت الموصل كما فعلت مع الفلوجة؟
النهم للغالبية
كان واضحاً منذ البداية أن الشيعة قد وجدوا في الانتخابات قضية مصيرية لإثبات
غالبيتهم في البلاد، وقد تبدى ذلك من خلال تصريحات آية الله المرجع علي
السيستاني ومن حوله ممن أصروا على حيوية المسألة الانتخابية لإعادة الحق إلى
نصابه. وقد أثمرت جهود المرجع الشيعي عن تشكيل قائمة انتخابية من 228 شخصاً قيل
إن من بينهم عدد من السنة والأكراد والتركمان والصابئة، لكن ذلك لا يعول عليه،
إذ يأمل المعنيون في أن تحصد القائمة ما لا يقل عن 175 مقعداً، أي ثلثي مقاعد
المجلس البالغ عددها 275، فيما يأمل الأكراد في الحصول على ربع المقاعد،
والنتيجة أن حصة العرب السنة لن تزيد في واقع الحال عن 15% في أحسن الأحوال،
وإن بدا أن من يديرون اللعبة لا زالوا يحرصون على منحهم ذات النسبة التي حصلوا
عليها في مجلس الحكم، أي 20%، وإن من خلال ((كوتا)) تتضمن ذات الأسماء
المتعاونة مع الاحتلال، كما هو حال الكثير من الأسماء المنضوية في لائحة
السيستاني.
هناك إلى جانب لائحة السيستاني لوائح شيعية كثيرة، الأمر الذي ينسحب على السنة
والتركمان وسواهم، نظراً لسهولة تجاوز نسبة الحسم وهي 36 في الألف من الأصوات،
أي سدس النسبة الإسرائيلية مع أن عدد سكان العراق هو أكثر من خمسة أضعاف الدولة
العبرية!! وفي كل الأحوال فإن الحقيقة الماثلة للعيان هي أن البرلمان الجديد
سيكون صورة عن مجلس الحكم والمجلس المؤقت، والحكومة الانتقالية، والنتيجة أن
قوات الاحتلال ستحصل على حكومة جديدة بذات المواصفات الموجودة تسمح لها بالبقاء
في البلاد كقوات صديقة تتواجد بطلب من الحكومة الشرعية.
تبدو الصورة الانتخابية هذه الأيام لوناً من الصراع بين مجموعة السيستاني
المقربة من إيران ومجموعة علاوي المقربة من الأمريكان، والتي يلعب وزير الدفاع
حازم الشعلان، وهو شيعي، دور رأس الحربة فيها.
ويخشى الأمريكان من سيطرة القائمة المذكورة على المجلس الجديد، لكن قراءة
الموقف ما زالت تؤكد أن بوسعهم تشكيل غالبية من القوائم الأخرى إلى جانب
الأكراد وبعض السنة ومعهم ما تيسر من قائمة السيستاني.
ما بعد الانتخابات
من الواضح أن مأزق الاحتلال والمتعاونين معه لن يتوقف هنا، فمن جهة ستتواصل
المقاومة على نحو اكثر اتساعاً بسبب تراكم الخبرة وزيادة أعداد المنخرطين في
فعالياتها، ومن جهة أخرى ستسقط ورقة التوت عن عورة القائلين بالمقاومة السلمية
أو المقاومة السياسية من القوى والمراجع، ممن سيكون عليهم إذا أرادوا الإبقاء
على قليل من الاحترام لهم في أوساط الأمة أن يبادروا إلى طلب خروج قوات
الاحتلال أو برمجة خروجها في أقل تقدير. أما تشريع وجودها والحفاظ على مصالحها،
فهي الخيانة التي لا لبس فيها.
خلاصة القول هي أن مأزق الاحتلال لن يحل بلعبة الانتخابات، وما سيكون على
الأمريكيين أن يفعلوه بعدها هو البحث عن لعبة جديدة يطيلون بها أمد وجودهم، على
أمل أن يهتدوا إلى طريقة ينجحون بها مشروعهم للسيطرة على العراق، ومن بعده
إعادة ترتيب شؤون المنطقة.