مرحلة فلسطينية جديدة... ولكن!!
منير شفيق
دخل الوضع الفلسطيني مرحلة جديدة بعد تغييب الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات
مستشهداً بالسمّ مقتولاً على يد شارون، وتواطؤ كل من كان بإمكانه أن يضغط على
القاتل لإعطائه المصل المضاد كما حدث في محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي
لحركة حماس خالد مشعل (أبو الوليد).
ولا ريب في أن انتخاب الرئيس الجديد محمود عباس (أبو مازن) قد كرّس بالضرورة
سمة دخول مرحلة جديدة في الوضع الفلسطيني. لكن بالرغم مما بين عرفات وعباس من
مشتركات أساسية في التاريخ الفتحاوي والفلسطيني سياسة وممارسة ومواقف ومنهجاً،
إلا أن لكل منهما، في نهاية المطاف، شخصيته إلى جانب تجدد الأحداث والتحديات،
مما سيرسم الخطوط الفارقة بين العهدين والرجلين، وإذا كان قد ظهر بينهما من
اختلاف في الموقف من المقاومة المسلحة، وإن لم يعلن عرفات موقفه صراحة، فإن
محمود عباس كان أقل استعداداً لتقديم التنازلات حتى من المرحوم عرفات كما ظهر
في مفاوضات كامب ديفيد، وحتى الآن.
لكن الحديث عن مرحلة جديدة مختلفة نوعياً عن سابقتها يجب ألا يؤخذ بإطلاق، لا
سيما في ما يتعلق بما يسمونه ((انفتاح آفاق التسوية)). وهذه هي المسألة الحاسمة
التي ستحكم تطورات الوضع الفلسطيني مع التغير الذي حدث في القيادة، وكيفية
إدارتها للتحديات والمستجدات وتعاملها مع الشعب الفلسطيني وقواه الحية، وفي
مقدّمها حماس والجهاد وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى (الشعبية) وكتائب شهداء
الأقصى (فتح).
فالملامح السياسية الظاهرة في الوضع الفلسطيني حتى الآن يمكن تلخيصها بما يلي:
(1) ليس هنالك من مؤشر واحد على تغيير في الموقف الإسرائيلي من حيث شروطه
للتسوية كما عبّر عنها في كامب ديفيد، أو بعد أن طرح شارون، مهزوماً أمام الفشل
في القضاء على الانتفاضة والمقاومة وصمود الشعب الفلسطيني، خطة الانسحاب من
قطاع غزة من جانب واحد مع تفكيك كل المستوطنات منه والانكفاء وراء الجدار وما
يتقدمه من حواجز ومناطق ((حرام)) في الضفة الغربية، مع ابتلاع حوالي 60% من أرض
الضفة الغربية والاستيلاء على مياهها الجوفية وتفكيك بضع مستوطنات ثانوية.
بكلمة، ليس هنالك من مؤشر واحد يمكن أن يسوّغ ما يشاع عن مرحلة جديدة تتّسم
بانفتاح ((آفاق التسوية)). فالطريق أمام التسوية المزعومة مازال مسدوداً، إلى
جانب استحالة فرض تهدئة دائمة ضمن شروط الجدار وتداعياته، خصوصاً، استهدافه
تهجير بضع مئات من الألوف من الفلسطينيين بسبب وضعهم في ظروف قاسية أشدّ خنقاً
من الاعتقال مع التضييق اليومي المستمر.
(2) يراد أن ينتقل الصراع إلى الداخل الفلسطيني تحت الادعاء بوجود فرصة
للتسوية، مما يتوجب على السلطة الفلسطينية أن تسحب السلاح من يد المقاومة وتفرض
حالة أمنية قهرية، وهو ما يسمى الاستحقاقات الفلسطينية التي توجبها ((خارطة
الطريق)).
وهنا بالضبط يكمن الخطر القادم، وذلك بعد اعتبار خطة شارون التي كان سينفّذها
من طرف واحد جزءاً من ((خارطة الطريق))، فيطلب من الفلسطينيين المقابل. الأمر
الذي راحت تشدّد عليه الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية وعدد من الأطراف
الأخرى. وبهذا تنقل الكرة إلى الملعب الفلسطيني لإضعافه من الداخل. ومن ثم
محاولة فرض ((التسوية الإسرائيلية)) في مرحلتها الأولى: التهدئة لتكريس واقع
الجدار.
على أن هذه المعادلة غير قابلة للحياة لسببين: الأول أن ثمة وعياً فلسطينياً
عميقاً لتجنّب الانقسام الداخلي، أو الإيقاع بين فتح وفصائل المقاومة الأخرى.
والثاني أن ليس في جعبة شارون ما يقدّمه لتبرير اتخاذ تلك الإجراءات المطلوبة
من السلطة الفلسطينية. فمن يقدم عليها إنما يتبرع مجاناً لتكريس واقع الاحتلال
في القدس والمسجد الأقصى وما قام من مستوطنات، وصودر من أراض. ودَعْك من الجدار
والحدود وتقطيع الأوصال ومخاطر تهجير جديد، ودَعْك أكثر من موضوع حق العودة.
من هنا فإن الأسباب التي استدعت اندلاع انتفاضة الأقصى وتصعيد المقاومة والصمود
الشعبي أصبحت الآن أشدّ مما كانت عليه قبل أربع سنوات، عدا ما طرأ على الوضع
العربي من تطورات سلبية قياساً بالوضع قبل تلك السنوات الأربع. الأمر الذي يلقي
مسؤولية تاريخية على الرئيس الفلسطيني الجديد وحركة فتح من جهة وحماس وبقية
القوى الفلسطينية من جهة أخرى في إفشال مخطط شارون – بوش، وما يمارس من ضغوط،
وتجاوز ما يظهر من عجز عربي (أكثر من أي يوم مضى).
والمرحلة الجديدة لن تكون جديدة فقط بسبب ما حدث من تغيير في القيادة
الفلسطينية، أو بسبب ما يراد أن يشاع من أوهام التسوية من أجل الإيقاع بين
الفلسطينيين فحسب، وإنما هي جديدة أيضاً بما تحمله من تطورات عالمية وإسلامية
وعربية تتجه في معظمها في غير مصلحة السياسات الأمريكية والإسرائيلية
(الليكودية – العمالية).
ولهذا يخطئ من يتصور أن إمكان إحباط مخططات شارون – بوش ليس متوفراً.