المؤتمر
الشعبي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الخليج:
مطالبة بتحصين منطقة الخليج ضد محاولات الاختراق الصهيونية
الدوحة/علي رشيد
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة خطوات حثيثة لاستئناف عمليات التطبيع مع العدو
الصهيوني على مستوى النظام العربي الرسمي في الآونة الأخيرة، تبدي الشعوب
العربية تماسكاً ضد محاولات الاختراق الصهيونية في هذا الجانب، وفي زمن غير
بعيد عن توقيع اتفاقية التجارة بين مصر والكيان الصهيوني لإنشاء منطقة صناعية
مشتركة عرفت اختصاراً بـ((الكويز))، انعقدت الدورة الرابعة للمؤتمر الشعبي
لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني في الخليج بالدوحة (في الفترة 27 -
28/12/2004) تحت شعار ((المقاطعة العربية للكيان الصهيوني خلاصات التجربة..
وآفاق المستقبل)). وذكر الدكتور عبد الرحمن بن عمير النعيمي مدير المركز العربي
للدراسات والبحوث المنظم للمؤتمر: إن المؤتمر هدف إلى إعادة تشكيل ثقافة
المقاطعة ومقاومة التطبيع لدى الجمهور الخليجي والعربي خاصة في ظل عجز الأنظمة
عن المقاطعة، وقد سبق عقد هذه الدورة دورتان في البحرين ودورة في الكويت.
المؤتمر الذي حضره عشرون شخصية من الكويت والبحرين وقطر ولبنان وفلسطين ومصر
والأردن، ناقش ست أوراق رئيسة وأوصى في جلسته الختامية بالعمل من ((أجل تغيير
النظام العربي الرسمي باتجاه استعادة الممانعة والتصدي للهجمة الأمريكية -
الصهيونية التي تصاعدت ضد الأمة العربية منذ أحداث سبتمبر/أيلول 2001)) وحملت
العديد من المخاطر الاستراتيجية على الأمة ومستقبلها، وأكد على أهمية ((إعادة
تعريب الصراع وحماية المقاومة ورفدها بأسباب الصمود لمنع إغلاق ملف القضية
الفلسطينية))، وطالب البيان الختامي الحكومات العربية بتسهيل أعمال لجان
المقاطعة فيها، وتضمين المناهج المدرسية الرسمية وغير الرسمية في الدول العربية
مواد تشرح المخاطر المترتبة على وجود (إسرائيل) ومضار التطبيع معها، ودعا إلى
تفعيل مكتب المقاطعة العربية وجعل قراراته ملزمة للجميع، وحثّه على إصدار قائمة
رسمية بالشركات التي تتعامل مع (إسرائيل).
ولأهمية ما جاء في أوراق العمل نعرض فيما يلي خلاصة موجزة لأبرز أفكارها:
دور الفتوى
في محور المجتمع الأهلي ومناهضة التطبيع قدم الدكتور كمال السعيد حبيب، وهو
باحث مصري في العلوم السياسية، ورقة عمل استعرضت هذا الجهد بين القيود الرسمية
وغياب التنسيق الشعبي، فقد اعتبر أن أعمال المقاطعة لقوى المجتمع المدني سواء
على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو الاحتجاجي اتسمت بغياب المنهجية وغلبة
الموسمية والتشرذم بين جمعيات وقوى سياسية عديدة، واعتبر أن وجود جمعية فعالة
للعمل المقاوم للتطبيع أفضل من عشرات الجمعيات الاسمية التي لا فعالية لها،
وأكد أن المعركة القادمة هي معركة التطبيع ومقاومته، ومن ثم لا بد لهذه المعركة
أن تأخذ حظها من اهتمام العمل الأهلي ولكن على أسس منهجية مؤسسية تضمن لها
الاستمرار من ناحية والصمود من ناحية أخرى.
وقدم د. حبيب نماذج لخبرات في المقاطعة والمقاومة مشيراً إلى أن الفتوى الدينية
اعتبرت من أهم الدوافع الملهمة للمقاطعة، حيث ظلت الفتوى التي تحرم البيع
والشراء والتعاملات التجارية مع العدو الصهيوني تمثل المرجعية الأساسية في هذا
السياق، ويرى أنه لا بد من التمسك بهذه الفتاوى وإحيائها ونشرها وتوزيعها على
القطاع الأكبر من الناس، وضرب في ورقته أمثلة على نجاح المقاطعة في أحد البلدان
العربية، حيث انخفضت مبيعات بيبسي كولا بحوالي 46% بعد الانتفاضة، وفي شهر واحد
هو نيسان/أبريل 2002 بلغت خسائر الشركات الأمريكية في المنطقة العربية ربع
مليار دولار، وهو الشهر الذي شهد المذابح الوحشية الصهيونية ضد مخيم جنين
الفلسطيني.
إمكانية مساندة الأنظمة
وعن دور الأنظمة السياسية العربية في المقاطعة ((تجليات الإعاقة وإمكانيات
المساندة)) قدّم ياسين سويد، الأمين العام السابق لمقاومة التطبيع في لبنان،
ورقة عمل استعرض فيها تجليات الإعاقة والتي تمثلت في انهيار جدار العداء العربي
للكيان الصهيوني مع معاهدة كامب ديفيد 1979، ثم حرب الخليج الثانية التي شكلت
المدخل للانهيار العربي الكامل، وبعد ذلك مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو التي كانت
الانفجار الثاني الذي قوض جدار العداء بين معظم الأنظمة والكيان الصهيوني
وتلتها اتفاقية وادي عربة التي وقعها الأردن مع (إسرائيل) عام 1994.
المؤتمرات الاقتصادية
عنوان الورقة المقدمة هي ((المؤتمرات الاقتصادية والإقليمية من هنا تبدأ
التنازلات)) للأستاذ محمد عبد الله القاسم ذكر فيها أن الولايات المتحدة جعلت
من العولمة أداة أيديولوجية في خدمة مخططاتها الكونية لنفي الخصوصيات، وذلك
لحساب النموذج الإمبريالي ومصالحه، ومواكبة التوسع الرأسمالي وما يتطلبه من دمج
لاقتصاديات البلدان النامية في إطار الاقتصاد الاستعماري الأم وسوقه العالمية،
وما يتبع ذلك من هيمنة اقتصادية وسياسية.
وأوضح أنه ليس بالصدفة أن يترابط انتشار هذا المفهوم في وطننا العربي مع دعاوى
السوق الشرق أوسطية التي يهيمن الكيان الصهيوني من خلالها على المنطقة، كما ليس
من قبيل الصدفة أن يترافق هذا المفهوم مع تزايد الصراع العرقي والديني والطائفي
في مختلف البلدان المستهدفة من قبل النظام العالمي الجديد وفي مقدمتها الوطن
العربي.
وأوضح القاسم أن هذا التطور في المخطط الأمريكي الذي بدأ مع وراثة الولايات
المتحدة للاستعمار القديم واعتلائها سدة القيادة للمعسكر الاستعماري والغربي
بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كلفت مراكز الأبحاث الأمريكية وعلى رأسها مركز
أبحاث الشرق الأوسط لعمل الخطط اللازمة لمشروعات (السلام) في المنطقة العربية
تحت رعاية وزارتي الخارجية والدفاع واقتراح الأموال اللازمة لتنفيذ هذه
المخططات.. واستمر الأمر إلى الآن بأشكال مختلفة.
الانتفاضة والمقاطعة
قّدم هذه الورقة السيد محمد نزال، عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية
(حماس)، وأشار فيها إلى أن الحملة الإعلامية التي تشنها بعض الدوائرالمتصهينة
في أمّتنا وبعض المهزومين فكرياً وثقافياً ونفسياً لا ينبغي أن تؤثر على
قناعاتنا وإراداتنا في استمرار عملية المقاطعة والمقاومة للتطبيع مع العدو
الغاشم.
وذكر نزال أن المقاطعة أو الممانعة وهي مصطلحات مترادفة تحقق المعنى الذي نريد،
أي عملية بناء وتجذير لفهمنا ورؤيتنا الاستراتيجية لهذا الصراع، وبيّن أن نجاح
هذه العملية يشكل رافعة سياسية ومعنوية للشعب الفلسطيني في انتفاضته الباسلة ضد
العدو الصهيوني.
واستعرض أهمية المقاطعة من زواياها المختلفة وقال إن مقاطعة العدو الصهيوني
سياسياً بعدم إقامة علاقات دبلوماسية معه تشكل حالة عزل ونبذ له من ناحية،
ودعماً للحق الفلسطيني من ناحية أخرى، والمقاطعة لا تشجع الأطراف الصديقة أو
المحايدة على إقامة علاقات مع هذا العدو أو بالحد الأدنى عدم الاندفاع في إقامة
العلاقة معه، أما المقاطعة في الجانب الاقتصادي فهي تحد من الانتعاش الاقتصادي
لهذا الكيان فضلا عن الحركة التجارية، ولعلّ الأسواق العربية -لا سيما الخليجية-
هي أسواق مهمة وذات مردود مالي كبير، وقال نزال إن المقاطعة تشعر الشعب
الفلسطيني بمعنى التضامن والتكافل بين أبناء الأمّة وترفع الحالة المعنوية في
أوساطه.
ثقوب خطرة
((التطبيع عن بعد - أسواق الخليج نموذجاً)) قدّمها الأستاذ عبد الجليل الغربللي
وأشار فيها إلى وجود ثقوب خطرة في جدار المقاطعة، منبّهاً من الوسائل والأساليب
التي يلجأ الإسرائيليون إليها للتسلل إلى الأسواق العربية -بالتعاون مع وسطاء
عرب من رجال الأعمال- ومنها استيراد سلع إسرائيلية عبر بلد ثالث، بعد إزالة أي
إشارة تدل على المنشأ الإسرائيلي لهذه السلع. وكشف الغربللي أن الدول العربية
تكاد تخلو من أي إجراءات حمائية أو رقابية تواجه هذا الخطر. فالدول التي أقامت
علاقات مع (إسرائيل) وتخلّت عن قوانين المقاطعة تجاهلت المخططات الإسرائيلية
التي لم ولن تتغير مع وجود السلام المزعوم أو بدونه، وقد جنت ثمن هذا التجاهل
ارتفاعاً غير مسبوق في الإصابة بالسرطان والفشل الكلوي بين مواطنيها. أما
بالنسبة للدول التي ما زالت تطبق قواعد المقاطعة فإن الأمر يحتاج -بحسب مقدّم
الورقة- إلى تفعيل إجراءات المراقبة بشكل دقيق وإيجاد آليات ديناميكية قادرة
على مواجهة التلوّن والتغيّر المستمر في خطط التغلغل الإسرائيلية، فالبحث عن
عبارة (صنع في إسرائيل) أو (نجمة داوود) لم يعد كافياً، بل يجب البحث عن
إجراءات أكثر فاعلية مثل تشديد الرقابة على شهادات المنشأ، وتكليف السفارات
العربية بالتأكد من صحة تلك الشهادات وهوية السلع المستوردة قبل شحنها.
وقُدّمت في المؤتمر سلسلة من التجارب العربية في المقاطعة عن كل من البحرين
ومصر والأردن.