انتخابات رئاسة السلطة.. شرعية هزيلة ومنقوصة
كنا قد ذكرنا في كلمتنا السابقة أن
((الإصلاحيين)) في الساحة الفلسطينية أمام الامتحان الحقيقي بعد وفاة السيد
ياسر عرفات. واستعمالنا لمصطلح ((الإصلاحيين)) كان تجاوزاً، ذلك أننا على قناعة
بأن ((الإصلاح)) كان كلمة حق أريد بها باطل، وأنها لا تعدو كونها شعاراً اختبأ
خلفه كثير من الانتهازيين والطامحين، الذين وجدوا في وضع عرفات في سنواته
الثلاث الأخيرة -التي كان فيها تحت الإقامة الجبرية- فرصتهم الذهبية في إزاحته
والانقلاب ((الأبيض)) عليه، واقتسام الغنائم من بعده. ولم ينتظر أولئك وفاة
عرفات الطبيعية، فقد كانوا متعجّلين في الوثوب إلى السلطة، مستندين في ذلك إلى
مناخ صهيوني وإقليمي وأميركي رافض للتعامل مع عرفات، وراغب في تغييره أو تحجيمه
بتحويله إلى رئيس ((فخري)). وكان ((الإصلاح)) هو المادة الخصبة التي تمّ
توظيفها في مواجهة عرفات، حيث إن ((الفساد)) –وهو نقيض الإصلاح– يعشعش في
مؤسسات السلطة والمنظمة كافة، لدرجة أن رائحته كانت تزكم الأنوف، ولم يكن ثمّة
منطق في تجاهله أو الدفاع عنه أبداً.
وجاءت انتخابات المجالس المحلية (البلدية) في الضفة الغربية، ثم انتخابات رئاسة
السلطة الفلسطينية، لتكون الامتحان العملي الأول لقيم النزاهة والشفافية
والديمقراطية في ((العهد الجديد))، الذي يشكّل ((الإصلاحيون)) جزءاً لا يتجزأ
منه.
ويؤسفنا القول بأن هذا العهد قد سقط في امتحانه الأول. صحيح أن السقوط لم يكن
مريعاً أو كاملاً، وكان هناك -للأمانة والإنصاف– قدر من النزاهة والشفافية،
ولكن ذلك القدر لم يكن كافياً لمنح القيادة الفلسطينية الجديدة درجة النجاح!
وحتى لا يكون الحكم عاماً وفضفاضاً، فإننا نشير إلى الملاحظات الجوهرية
التالية:
أولاً: بعد الإعلان عن نتائج المرحلة الأولى من انتخابات المجالس المحلية،
تعرّض المستقلّون الفائزون الذين شاركوا في القوائم التي تدعمها ((حماس))، أو
الذين شاركوا وحدهم دون الانضمام إلى قوائم، تعرّضوا إلى ضغوط للإعلان عن
انتمائهم لحركة فتح! والمقصود من ذلك، إظهار أن فتح فازت في الانتخابات بشكل
واسع وكبير.
وشارك في هذه الضغوط شخصيات معروفة كان منها أحد وزراء السلطة!
ثانياً: في انتخابات رئاسة السلطة، كان عدد المصوّتين إلى ما قبل إغلاق صناديق
الاقتراع بثلاث أو أربع ساعات لا يزيد عن 30%، فقام مسلّحون من حركة فتح
بمحاصرة مقر لجنة الانتخابات المركزية في رام الله، وإطلاق الرصاص في الهواء،
مهددين أعضاء اللجنة بالتصفية إن لم تتم الاستجابة لمطالبهم والتي تتلخص في:
تمديد ساعات التصويت، والسماح لأي مواطن فلسطيني بالانتخاب مادام يحمل بطاقة
شخصية! وتحت تهديد السلاح، استجابت لجنة الانتخابات لتلك المطالب، فمددت
التصويت ساعتين إضافيتين، وسمحت لأي مواطن يحمل البطاقة الشخصية بالانتخاب!
وهكذا، تدفّق عشرات الآلاف من عناصر فتح والمحسوبين عليها على مراكز الانتخابات
وفق عملية مبرمجة، وذلك لتحقيق هدفين:
1. رفع نسبة التصويت، وإظهار أن الذين قاطعوا الانتخابات (حماس والجهاد على وجه
التحديد) يمثّلون الأقلية.
2. رفع نسبة مرشّح فتح السيد محمود عباس، حيث كانت هناك استماتة لتتجاوز نسبة
أصواته حاجز الـ70%، حتى يتم استخدامها في مواجهة معارضيه، باعتبار أنه حصل على
شرعية انتخابية كبيرة!
هناك تفاصيل أخرى يمكن الإشارة فيها على ما جرى في الساعات الأخيرة قبل إغلاق
صناديق الاقتراع، والتي تعني في مجملها أن تلاعباً قد وقع يرقى إلى ما يمكن
تسميته ((تزويراً)) فاضحاً!
وإنّ ما يصدق ما نذكره، هو الاستقالة الجماعية لعشرات الأعضاء في اللجان
الانتخابية، ومعظم المستقيلين من المحايدين والمستقلين، الذين لا ناقة لهم ولا
جمل.
على أي حال، من الضروري الإشارة هنا إلى أن كل الجهود التي بذلت لإنجاح محمود
عباس، وكل ما جرى من ((تلاعب))، لم يعطِ محمود عباس سوى 62% من إجمالي
المصوّتين، و26.83% من مجموع من يحق لهم الاقتراع حسب السجل المدني. كما أن
نسبة المصوّتين الحقيقيين لم تتجاوز 43%. لذا، فإن نصيحتنا للسلطة الفلسطينية
أن لا تستخدم ((سلاح)) شرعية الانتخاب في مواجهة فصائل المقاومة، فالشرعية التي
منحتها الانتخابات لمحمود عباس هي شرعية هزيلة من ناحية النسب المئوية، ومنقوصة
من ناحية عدم مشاركة تسهة ملايين فلسطيني فيها!
التحرير