فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Feb2004
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
تحقيق
الغلاف1
الغلاف2
شؤون العدو
قضايا
الملف1
الملف2
الملف3
رأي - منير شفيق
شؤون عربية
شؤون دولية1
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مع الغروب
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
قلّ ودلّ
لوحات فنية
لحظة

 

الملف1

تهافت عربي على التطبيع مع الصهاينة
الساسة الإسرائيليون: الأنظمة العربية تطبع معنا خوفاً من أمريكا

اتسعت دائرة التطبيع بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني، في هذا الملف نستعرض أسباب ومخاطر هذا التوجّه، وبعض مواقف الطراف المعنية..

شهدت الآونة الأخيرة العديد من مظاهر الغزل من قبل بعض أنظمة الحكم العربية تجاه الدولة العبرية. فقد كان إطلاق سراح الجاسوس عزام عزام من السجون المصرية بعد إدانته بالتجسس لصالح الكيان الصهيوني، إلى جانب التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة بين مصر و(إسرائيل) برعاية الولايات المتحدة، ناهيك عن السماح لجيش الاحتلال بالبحث داخل صحراء سيناء عن جثث جنوده الذين فقدوا خلال الحروب مع مصر. في نفس الوقت تزايدت الاتصالات بين ممثلين للدولة العبرية وعدد من الحكومات العربية، مثل تونس وليبيا التي دعت نائب رئيس الكنيست إلى زيارتها بدعوى أنه من أصول ليبية، مع العلم أنه من أكثر المتطرفين في حزب الليكود، فضلاً عن الاتصالات التي كشف النقاب عنها مؤخراً بين تل أبيب وعدد من الحكومات في دول الخليج. فيما دعت تونس وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم لزيارتها، وتوسع موريتانيا علاقتها بالصهاينة.
المتحمسون للتطبيع مع الدولة العبرية داخل العالم العربي يدّعون أن هناك حاجة ماسة للتطبيع من أجل مساعدة ما يسمونه بـ((معسكر السلام)) في الدولة العبرية. ويواصل هؤلاء قائلين إن تقوية ((معسكر السلام)) داخل (إسرائيل) تتطلب إبراز مثل هذا الغزل، حتى يتسنى لهذا المعسكر العودة للحكم داخل الدولة العبرية. لكن السؤال الذي يطرح هنا بقوة: هل مظاهر الغزل العربي تجاه الدولة العبرية قوّت ((معسكر السلام))، أم أنها أضعفته، وقوت بدلاً منه اليمين الإسرائيلي بشقيه: الديني والعلماني؟
الإجابة على هذا السؤال تكتسب أهمية خاصة لأنه في ضوء الإجابة يمكن اختبار الرهانات التي يوردها المدافعون عن هذا الغزل، وامتحان المنطق الذي يستندون اليه.

تعزيز معسكرات التطرف
يُجمع العديد من علماء الاجتماع السياسي في الدولة العبرية على أن هناك علاقة طردية بين مظاهر الغزل العربي تجاه (إسرائيل) وبين زيادة قوة اليمين في الدولة العبرية، وليس العكس. أليعازر شيكين الباحث في مجال علم الاجتماع السياسي يرى أن مظاهر الغزل التي يبديها العرب تجاه (إسرائيل) عمّقت أزمة ((معسكر السلام)) واليسار الإسرائيلي بشكل عام. ويضيف شيكين في حديث مع الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 25-12-2004 أن الأنظمة العربية فاجأت اليسار الإسرائيلي عندما تنازلت عن الشروط التي وضعتها لعودة التطبيع مع (إسرائيل). ويشير شيكين إلى أن لفتات حسن النية التي أبدتها الحكومة المصرية تجاه (إسرائيل) مثل ((إطلاق سراح عزام عزام، والسماح للجيش الإسرائيلي بالتفتيش عن جنوده المفقودين في صحراء سيناء، إلى جانب اتفاقية التجارة الحرة، وغيرها..))، قد جاءت في نفس الوقت الذي يشدد فيه شارون على ثوابت أيديولوجيته اليمينية المتطرفة والمتمثلة في رفض حق العودة والإبقاء على المستوطنات، ورفض العودة إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، ناهيك عن الإفراط في استخدام القوة الذي جعل وسائل الإعلام الإسرائيلية تتنافس في الكشف عن مظاهر السادية التي تتعامل بها قوات الاحتلال مع أبناء الشعب الفلسطيني. ويشير شيكين إلى أن هذه المواقف العربية قد أقنعت قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي بصدقية الشعار الذي يرفعه شارون ((ليست التنازلات هي التي تقنع العرب بالتوافق مع (إسرائيل)، بل قيادة إسرائيلية تستطيع الإصرار على المصالح الاستراتيجية)). يضيف شيكين ((لفتات حسن النية العربية أثبتت للرأي العام الإسرائيلي صدقية الموقف الذي يطرحه شارون، ومن ورائه اليمين بشكل عام، والقائل: العرب يعرفون فقط لغة القوة، وليست التنازلات التي يطرحها اليسار الإسرائيلي)).
القائم بأعمال رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، والذي وقّع على معاهدة التجارة الحرة مع مصر يرى أن ما يقوم به شارون يجب أن يفتخر به الصهاينة. ويضيف أولمرت قائلاً ((لقد أثبت رئيس حكومتنا أنه بالإمكان ضرب الفلسطينيين بكل قوة عندما يتطلب ذلك الأمن الإسرائيلي، وفي نفس الوقت ضمان ليس فقط صمت الحكومات العربية، بل ضمان استعدادها للتطبيع، إن هذا إنجاز غير مسبوق للدولة العبرية)). ويضيف أولمرت إن الحكومات العربية لا تجد بداً غير التطبيع مع (إسرائيل)، بعد أن أدركت أنه ليس وارداً بالنسبة لحكومة شارون أن تبدي تنازلات. ويواصل قائلاً ((لقد أوضحنا دائماً أننا لا يهمنا أن نقيم علاقات مع العالم العربي إن تم ربط هذه العلاقات بعدم تمتع (إسرائيل) بالحق في ضرب المقاومة الفلسطينية، نحن سنضرب الفلسطينيين بكل قوة حتى يذعنوا ويدركوا أنه لن يكون بالإمكان إجبار (إسرائيل) على القبول بأي موقف لا ينبع من منطلق حساباتها الأمنية والاستراتيجية)).

شهادة ساريد
التلفزيون الإسرائيلي نقل بتاريخ (20 -12-2004) عن النائب اليساري يوسي ساريد الذي تزعّم في الماضي حركة ((ميريتس)) اليسارية وشغل سابقاً منصب وزير التعليم إقراره بأن مظاهر الغزل التي تبديها الأنظمة العربية قد مثلت ضربة في الصميم لـ((معسكر السلام)) الإسرائيلي. ويضيف ساريد ((كيف بإمكاننا أن نقنع الجمهور الإسرائيلي أن سياسة شارون ستجلب كارثة لـ(إسرائيل) في الوقت الذي يتسابقون في العديد من مناطق العالم العربي على كسب وده بشكل لا يمكن تبريره وتفسيره)). وعبّر ساريد عن شعور كبير بالمرارة عندما هبّ اليسار الإسرائيلي لانتقاد تصريحات مدير مكتب شارون دوف فايسغلاس التي كشف فيها النقاب عن أن هدف شارون من طرح خطة ((فك الارتباط)) هو القضاء على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية، في نفس الوقت الذي كان فيه المسؤولون المصريون والإسرائيليون يتبادلون الزيارات لبحث سبل تطبيق الخطة، دون أن يكون لمثل هذه التصريحات أي وقع على التعاطي العربي مع شارون!!
اللافت للنظر أن حزب الليكود اليميني قرر بالفعل توظيف مظاهر الغزل العربية، والمصرية تحديداً في الجدل السياسي الداخلي ومن أجل التعريض بأطروحات اليسار ومعسكر السلام، على اعتبار ((أن المواقف الصلبة لشارون والليكود من خلفه هي التي أجبرت العرب على إبداء هذه المظاهر دون أن تقدم (إسرائيل) أي تنازلات)). فقد كشفت الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 18-12-2004 النقاب عن أن الحملة الانتخابية لليكود في الانتخابات ستعتمد على ما قدمته الحكومة المصرية لحكومة الليكود من أجل التأكيد على صدقية الحزب. فقد تقرر أن تتضمن الدعاية الانتخابية للحزب عرض التصريحات المصورة التي أطلقها الرئيس المصري حسني مبارك الذي اعتبر فيها شارون الزعيم الإسرائيلي الوحيد القادر على التوصل لتسوية. ويعلق أحد المعلقين في الراديو على هذه الفكرة قائلاً ((سيكون من الصعب على أي ماكينة إعلامية لأحزاب اليسار الرد على هذه التصريحات أو الطعن فيها)).
وسيكثر الليكود في دعايته الانتخابية من عرض صورة الجاسوس عزام عزام وهو متلفح بالعلم الإسرائيلي، وهو يصرخ ((شارون هو بطل إسرائيل))، مع العلم أن عزام حرص على الانضمام لحزب الليكود بعد أربعة أيام من إطلاق سراحه من السجن المصري. كما سيتم عرض صور التوقيع على اتفاق التجارة بين أمريكا و(إسرائيل) ومصر للتدليل على فعالية السياسة التي تتبعها (إسرائيل) تحت حكم شارون. ونقل الراديو عن وزير الصحة الليكودي داني نافيه قوله ((سنقول للجمهور الإسرائيلي نريد ثقتكم بناء على ما حققه شارون من إنجازات على صعيد محاربة الإرهاب الفلسطيني وما ساهمت به سياسته الحكيمة في دفع العديد من الدول العربية للتراجع عن مواقفها من إسرائيل)).
هناك نقطة هامة جداً يتفق عليها الباحثون في مجال العلوم السياسية في الدولة العبرية، وهي أن مظاهر الغزل العربي ساهمت في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن حزب الليكود يمثل بالفعل الوسط الإسرائيلي، بدلاً من أنه كان قائداً لليمين. ويعتبر هؤلاء الباحثون أن هذا التطور يحصر الجدل داخل (إسرائيل) عملياً بين الليكود والأحزاب التي تقع على يمينه من ناحيه أيديولوجية سواء كانت دينية أو علمانية. من هنا ليس مستغرباً أن تشير استطلاعات الرأي إلى أنه في حال أجريت انتخابات فإن اليمين في (إسرائيل) سيواصل تعزيز قوته، في نفس الوقت الذي يواصل فيه اليسار انهياره. من ناحية ثانية فإنه يتوجب الإشارة إلى أن مظاهر الغزل العربية تجاه الدولة العبرية تغري الساسة الصهاينة بمواصلة التمترس خلف مواقفهم المتطرفة تجاه القضية الفلسطينية. مع العلم أن مظاهر التطبيع لم تؤثر حتى على الإسرائيليين الذين تراهن الأنظمة العربية على التطبيع معهم. فمثلاً الحاخام عفوديا يوسف، زعيم حركة ((شاس)) الذي تمت استضافته من قبل الحكومة المصرية والتقى به الرئييس المصري حسني مبارك يعتبر أحد مصادر التحريض ضد العرب والفلسطينيين، وهو الذي يصف العرب في ((مواعظه)) الدينية بـ((الثعابين))، ويدعو إلى قتلهم، فضلاً عن إصداره العديد من الفتاوى التي لا تبيح التنازل عن أي شيء مقابل التوصل لتسوية مع العرب.
اللافت للنظر بشكل خاص هو التفسير الذي يقدمه ساسة ومفكرو اليمين لمظاهر الغزل العربي تجاه (إسرائيل). فهؤلاء يؤكدون أن الأنظمة العربية لم تتحول إلى هذا النمط من السلوك حباً بـ(إسرائيل)، بل خوفاً من الولايات المتحدة. فقد اقتبست الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 20-12-2004 تعليقات لخمسة من نواب الليكود على توقيع اتفاقية التجارة الحرة في القاهرة بين مصر و(إسرائيل) والولايات المتحدة، حيث أجمع الخمسة على أن كل مظاهر الغزل العربية تجاه (إسرائيل) تندرج في إطار جهود الأنظمة العربية لاسترضاء الولايات المتحدة، سيما بعد أن فاز الرئيس بوش بولاية ثانية. وهناك إجماع بين المعلقين والباحثين الإسرائيليين في الشؤون العربية على العلاقة بين مظاهر الغزل العربي تجاه (إسرائيل) والحرب الأمريكية على العراق، سيما بعد فوز بوش.

تحريض شارون
اللافت للنظر أن مظاهر الغزل العربي الرسمي مع شارون وحكومته تتم في الوقت الذي كشف فيه عن مزيد من المشاعر التي يضمرها شارون للعرب والمسلمين. فالصحافي الإسرائيلي بن كاسبيت يقول إن شارون عندما يختلي بأي شخص يتبرع له شارون بالكشف عن مواقفه من العرب. فالعربي بالنسبة لشارون إنسان غير أمين وغير صادق وجبان وكذاب، ولا يفهم إلا لغة القوة،. فعندما يتحدث شارون عن العرب مع أي شخص، يلتفت شارون الى محدثه قائلاً ((لا تنسَ، إنهم مجرد عرب!)). بل إن شارون يحاول مداعبة ضيوفه الذين يزورونه في مزرعته الخاصة في النقب المحتل عبر ترديد نكات وفكاهات على العرب والعروبة.

 

موجة جديدة من التطبيع الرسمي العربي مع الكيان الصهيوني
تعيد أجواء مرحلة اتفاق أوسلو



بالرغم من المجازر التي يرتكبها الجيش الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني انطلقت موجة تطبيع رسمي جديدة لم يكن لها أية عوائد باستثناء أنها سهّلت للكيان الصهيوني مواقع جديدة في العالم العربي لتعيد إلى الأذهان ذات المناخات والأجواء السياسية التي سادته وقت التوقيع على اتفاقات أوسلو التي فتحت الأبواب على مصراعيها أمام ذلك الكيان دون أن يقدّم أي ثمن أو استحقاق.

الموجة الأولى
سمحت عملية (أوسلو) للتسوية بتعدد الاتفاقات الجزئية بما يخدم الهدف الصهيوني بأن تستمر لسنوات طويلة، ثم تقود في نهاية المطاف إلى كيان للحكم الذاتي على السكان الفلسطينيين يسمح برفع عبء وقف المقاومة عن كاهل الصهاينة، ومع ذلك انخرط الرسميون العرب في هذه العملية، التي أصبحت عند بعضهم هدفاً في حدّ ذاته، ووافقوا على تلبية المطالب الأمريكية والصهيونية بنشر ما يسمّى ((ثقافة السلام)).
و((ثقافة السلام)) هي العنوان للعمليات الثقافية داخل الدول العربية التي رافقت عملية التسوية بعد أوسلو، وتهدف إلى نشر السلام والتعاون في أوعية الإعلام والثقافة والمناهج التعليمية والأغاني، وسائر ألوان الفنون، وفي هذا الإطار استخدمت مصطلحات جديدة، وجرت تعديلات كبيرة على الخطاب الثقافي والإعلامي والمناهج التعليمية.
والملاحظ أن هذه التغييرات حصلت بعد حرب الخليج الثانية 1991 التي فتحت المجال واسعاً لتحرّك أمريكي لإعادة صياغة منطقة ((الشرق الأوسط))، فكان مؤتمر مدريد للسلام 1991 برعاية أمريكية وروسية، ومشاركة عربية، وأتيح المجال للنخب الليبرالية الجديدة لقيادة وسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني التي وإن فشلت في نشر التطبيع، فإنها تحولت إلى مراكز قوى ومصالح اقتصادية ارتبط مصيرها ومكاسبها بعلاقاتها مع المشروعات الغربية.
وكان إدراك الصهاينة بفشل السلام مع مصر في تطبيع العلاقات بين الطرفين قد دفع المفاوض الصهيوني إلى مضاعفة كمّ البروتوكولات، والاتفاقات الخاصة بالتعاون والتطبيع في اتفاقات أوسلو مع سلطة الحكم الذاتي المحدود الفلسطينية، واتفاق وادي عربة مع الأردن 1994. كما نجح الصهاينة في افتتاح مكاتب في الدوحة، ونواكشوط، وتونس، ومسقط.
صحيح أن زخم الاتصالات والتطبيع تراجع بعد عام 1996 بوصول اليمين الصهيوني وبنيامين نتنياهو إلى الحكومة حتى وصل مع انتفاضة الأقصى عام 2000 إلى أدنى مستوياته، إلا أن الأطراف العربية –أصحاب الحقوق- صاروا يبحثون في القنوات الدولية والأمريكية لإقناع الكيان الصهيوني بالقبول باستحقاقاتهم التي كفلتها ((الشرعية الدولية))، وتحولوا من قوة ضامنة لحقوقهم إلى أطراف تتنافس في السباق للوصول إلى تل أبيب، وإقامة العلاقات والتجمعات والزيارات، وخطوط الاتصال الدبلوماسية والسياسية والمكاتب الاقتصادية.
وهذا الموقف نتج عنه تمادي الطرف الصهيوني في المطالبة بالقضاء على المقاومة، وعدم تنفيذ الاستحقاقات التي تعهّد بها في الاتفاقات الجزئية المتعددة التي أبرمها مع سلطة الحكم الذاتي، مما ألقى بثقله على نفسية المجتمع الفلسطيني. فكانت شرارة انتفاضة الأقصى التي فجرت الغضب الفلسطيني الشعبي، وتحولت فلسطين –كعادتها- إلى صاعق تفجير في العالم العربي يرفع الغشاوة عن عيون الأطراف الرسمية والشعبية، لتؤكد أن مشاريع التسوية والتطبيع غير قابلة للاستمرار بحكم الرفض الشعبي لكل أشكال السياسات الرسمية التي لم تكفل الحقوق العربية.

تطبيع بارد ومستمر
وأدت انتفاضة الأقصى إلى التقاء نادر الحدوث بين المواقف الرسمية والشعبية العربية في رفض المخططات العسكرية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، ودعم الفلسطينيين مادياً ومعنوياً، ولم يخرج عن هذا الموقف سوى موريتانيا التي أقامت علاقات تطبيع كاملة مع الكيان الصهيوني عام 2000.
وبانطلاق الانتفاضة سعت بعض الأطراف العربية الكبرى مثل: مصر والسعودية وسوريا إلى حشد التأييد لها، فانعقدت قمة القاهرة العربية في تشرين الأول/أكتوبر 2000، في هذا الإطار، ثم أعلنت مصر سحب السفير المصري من تل أبيب في تشرين الثاني/نوفمبر 2000، وهي نفس الخطوة التي قام بها الأردن، ثم اتخذت مصر قراراً آخر بوقف الاتصالات السياسية مع (إسرائيل) في نيسان/أبريل 2002، عقب قمة بيروت العربية (آذار/مارس 2002)، والتي طرحت فيها المبادرة العربية (السلام الشامل مقابل التطبيع الكامل)، وقابلتها حكومة شارون بتنفيذ مخططات حربية في الضفة وغزة لم يقم بها الجيش الصهيوني منذ غزوه للبنان 1982.
وبالرغم من التوتر في العلاقات بين القاهرة وتل أبيب منذ انطلاق انتفاضة الأقصى، إلا أن زيارات لمسؤولين مصريين كبار جرت لتل أبيب للقاء شارون والمسؤولين الصهاينة بدءاً من وزير الخارجية السابق أحمد ماهر، مروراً بمستشار الرئيس المصري للشؤون السياسية وانتهاءً باللواء عمر سليمان –رئيس جهاز المخابرات المصرية- وكذلك استقبال الرئيس مبارك لمبعوثي شارون، ومسؤولين صهاينة منهم مستشار شارون في شرم الشيخ في آذار/مارس الماضي.
فلماذا تتواصل هذه الاتصالات بالرغم من استمرار المخططات العسكرية ضد الشعب الفلسطيني؟
يبرر المسؤولون المصريون هذه الاتصالات بالقول إنها تهدف لخدمة قضية التسوية، والعمل على إعادة الطرفين الصهيوني والفلسطيني إلى طاولة التفاوض، ولكن هذه الاتصالات ظلت باقية رغم أن الرئيس المصري صرّح عقب اغتيال الشيخ أحمد ياسين أن عملية السلام تمّ إجهاضها، وقرّر وقف مشاركة مصر في احتفالات الكنيست بمناسبة ذكرى التوقيع على معاهدة كامب ديفيد.
ولعل استمرار الاتصالات يعكس رغبة مصرية في الاضطلاع بدور في الخطة الصهيونية المعروفة بخطة فك الارتباط مع قطاع غزة، ويرى مردخاي كيرار في صحيفة ((نيكودا)) الصهيونية (عدد تموز/يوليو 2004) أن مصر تدخلت بقوة ليس فقط بطلب أمريكي لمساعدة شارون، ولكن أيضاً لأنها لا تريد أن تحكم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) القطاع بعد الانسحاب الصهيوني.

موجة جديدة
بدأت موجة أخرى أشدّ من التطبيع الرسمي مع الحديث عن انسحاب صهيوني من قطاع غزة، وذكرت صحيفة ((هآرتس)) في 20 حزيران/يونيو الماضي أن الكيان الصهيوني يستعد لتشكيل وفد رسمي كبير يزور أكثر من عشر دول عربية لترويج الخطة الأحادية الجانب، إضافة لمهمة أخرى تتمثل في إجراء مفاوضات مع الدول العربية المعنية حول إمكانية افتتاح مكاتب تجارية فيها.
ثم تردد بعد ذلك أن آفي ديختر –رئيس جهاز المخابرات العامة ((الشاباك))- زار القاهرة سراً قبل إقدام الجيش الصهيوني على تنفيذ خطته العسكرية في قطاع غزة تحت اسم ((أيام الندم)) بيوم واحد، وبحث مع المسؤولين المصريين الأوضاع في غزة، وكيفية منع تهريب الأسلحة.
ومع استمرار تساقط الشهداء والجرحى في هذه الحملة العسكرية الصهيونية ذكرت صحيفة ((يديعوت أحرونوت)) أن مجلّي وهبي –النائب الدرزي- في تكتّل ليكود، والذي يعدّ أكثر عداء للعرب من شارون، التقى المهندس سيف الإسلام القذافي خلال مؤتمر برلماني في جنيف، ولم تستبعد الصحيفة أن يكون اللقاء مقدمة للقاءات أخرى مع وزراء صهاينة، كما زار فوج سياحي صهيوني من أصول يمنية صنعاء عبر العاصمة الأردنية عمّان بترتيب رسمي من السلطات الأمنية بحجة أن هؤلاء من أصول يمنية.
وفي الأردن عمّقت الإجراءات الحكومية من جراح الحركة الوطنية، ولجان مقاومة التطبيع الناتجة عن الغزو الأمريكي للعراق، والذي ولّد إحباطاً عاماً؛ حيث لاحقت الحكومة أنشطة هذه اللجان، وبدت مصممة على التطبيع مع الكيان الصهيوني عبر مشاريع ترتكز بصورة أساسية في التعليم، والمشاريع الاقتصادية، وبينما كانت الحكومة تحرص في السابق على سرية التعامل أصبحت تقوم به على المكشوف، بل وفي احتفالات علنية دون مخاوف من رد الفعل الشعبي، وفي هذا الإطار تم تدشين مركز أبحاث مشترك في وادي عربة، وإقامة العديد من المناطق المؤهلة صناعياً، وتأجير الأراضي للشركات الصهيونية.
وفي نفس الوقت حدثت اختراقات تطبيعية بالنسبة إلى ليبيا والعراق، فمن ناحية وعد الزعيم الليبي بدفع تعويضات لليهود الذين أجبروا على ترك منازلهم بسبب الصراع العربي – الصهيوني أثناء حديث له في الذكرى السنوية الخامسة والثلاثين للثورة، وحثّ فيه الأمريكيين على الثقة فيه، وفي مسعاه للمصالحة مع الغرب، كشفت من ناحية أخرى مصافحة عابرة بين رئيس الوزراء العراقي إيادة علاوي ووزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم عن رعاية أمريكية للتطبيع الرسمي الكامل بين بغداد وتل أبيب.
وذكر السفير العراقي في بريطانيا أن هناك في الحكومة العراقية من يريد إقامة علاقات دبلوماسية مع (إسرائيل) لكنه في ظل الظروف الراهنة فإن الدفع في هذا الاتجاه سيكون له تأثير عكسي، مضيفاً أنه يجب إيجاد الوقت الملائم لذلك، وأن البحث الرسمي سيتمّ بعد الانتهاء من الانتخابات في العراق.
أما على الجبهة المغاربية فقد عادت الحيوية إلى الجسور السرية الصهيونية – الجزائرية، والصهيونية – التونسية، وأعلن المغرب عن اقتراب التطبيع الكامل. ويزداد النشاط الصهيوني على هذه الجبهة لأسباب اقتصادية في المقام الأول؛ حيث تتميز دول المغرب العربي باقتصاد استهلاكي واسع، فضلاً عن رغبة صهيونية في التنسيق الأمني مع هذه الدول ضد ما تسميه ((الإرهاب)) الإسلامي.
وكانت المغرب قد قررت إغلاق مكتبي الاتصال في كل من الرباط وتل أبيب عام 2000. لم تأت زيارة وزير الخارجية الصهيوني للمغرب في 12 أيلول/سبتمبر 2004 بهدف فتح مكاتب الاتصال فقط، وإنما للتلويح بفتح السفارات بين الرباط وتل أبيب، وبالتالي لم يعد مقبولاً للأوساط الشعبية التبرير الحكومي القائل بأن استئناف العلاقات يأتي في سياق إحياء الدور المغربي في التسوية من موقع رئاسة المغرب للجنة القدس؛ لأن معظم هذه الأوساط ترى أن هذا لم يتحقق في السابق، أو المستقبل نظراً لأن الصهاينة يريدون دوراً مغربياً مرسوماً، وحسب مقاس سياسة شارون القائمة على إعطاء الأولوية للتطبيع، ثم ربط أي سلطة بمسألة وقف المقاومة، وتحقيق إصلاحات في سلطة الحكم الذاتي.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003