تهافت عربي على التطبيع مع
الصهاينة
الساسة الإسرائيليون: الأنظمة العربية تطبع معنا خوفاً من أمريكا
اتسعت دائرة التطبيع
بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني، في هذا الملف نستعرض أسباب ومخاطر هذا
التوجّه، وبعض مواقف الطراف المعنية..
شهدت الآونة الأخيرة العديد من مظاهر الغزل
من قبل بعض أنظمة الحكم العربية تجاه الدولة العبرية. فقد كان إطلاق سراح
الجاسوس عزام عزام من السجون المصرية بعد إدانته بالتجسس لصالح الكيان
الصهيوني، إلى جانب التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة بين مصر و(إسرائيل)
برعاية الولايات المتحدة، ناهيك عن السماح لجيش الاحتلال بالبحث داخل صحراء
سيناء عن جثث جنوده الذين فقدوا خلال الحروب مع مصر. في نفس الوقت تزايدت
الاتصالات بين ممثلين للدولة العبرية وعدد من الحكومات العربية، مثل تونس
وليبيا التي دعت نائب رئيس الكنيست إلى زيارتها بدعوى أنه من أصول ليبية، مع
العلم أنه من أكثر المتطرفين في حزب الليكود، فضلاً عن الاتصالات التي كشف
النقاب عنها مؤخراً بين تل أبيب وعدد من الحكومات في دول الخليج. فيما دعت تونس
وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم لزيارتها، وتوسع موريتانيا علاقتها
بالصهاينة.
المتحمسون للتطبيع مع الدولة العبرية داخل العالم العربي يدّعون أن هناك حاجة
ماسة للتطبيع من أجل مساعدة ما يسمونه بـ((معسكر السلام)) في الدولة العبرية.
ويواصل هؤلاء قائلين إن تقوية ((معسكر السلام)) داخل (إسرائيل) تتطلب إبراز مثل
هذا الغزل، حتى يتسنى لهذا المعسكر العودة للحكم داخل الدولة العبرية. لكن
السؤال الذي يطرح هنا بقوة: هل مظاهر الغزل العربي تجاه الدولة العبرية قوّت
((معسكر السلام))، أم أنها أضعفته، وقوت بدلاً منه اليمين الإسرائيلي بشقيه:
الديني والعلماني؟
الإجابة على هذا السؤال تكتسب أهمية خاصة لأنه في ضوء الإجابة يمكن اختبار
الرهانات التي يوردها المدافعون عن هذا الغزل، وامتحان المنطق الذي يستندون
اليه.
تعزيز معسكرات التطرف
يُجمع العديد من علماء الاجتماع السياسي في الدولة العبرية على أن هناك علاقة
طردية بين مظاهر الغزل العربي تجاه (إسرائيل) وبين زيادة قوة اليمين في الدولة
العبرية، وليس العكس. أليعازر شيكين الباحث في مجال علم الاجتماع السياسي يرى
أن مظاهر الغزل التي يبديها العرب تجاه (إسرائيل) عمّقت أزمة ((معسكر السلام))
واليسار الإسرائيلي بشكل عام. ويضيف شيكين في حديث مع الإذاعة الإسرائيلية
بتاريخ 25-12-2004 أن الأنظمة العربية فاجأت اليسار الإسرائيلي عندما تنازلت عن
الشروط التي وضعتها لعودة التطبيع مع (إسرائيل). ويشير شيكين إلى أن لفتات حسن
النية التي أبدتها الحكومة المصرية تجاه (إسرائيل) مثل ((إطلاق سراح عزام عزام،
والسماح للجيش الإسرائيلي بالتفتيش عن جنوده المفقودين في صحراء سيناء، إلى
جانب اتفاقية التجارة الحرة، وغيرها..))، قد جاءت في نفس الوقت الذي يشدد فيه
شارون على ثوابت أيديولوجيته اليمينية المتطرفة والمتمثلة في رفض حق العودة
والإبقاء على المستوطنات، ورفض العودة إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967،
ناهيك عن الإفراط في استخدام القوة الذي جعل وسائل الإعلام الإسرائيلية تتنافس
في الكشف عن مظاهر السادية التي تتعامل بها قوات الاحتلال مع أبناء الشعب
الفلسطيني. ويشير شيكين إلى أن هذه المواقف العربية قد أقنعت قطاعات واسعة من
الجمهور الإسرائيلي بصدقية الشعار الذي يرفعه شارون ((ليست التنازلات هي التي
تقنع العرب بالتوافق مع (إسرائيل)، بل قيادة إسرائيلية تستطيع الإصرار على
المصالح الاستراتيجية)). يضيف شيكين ((لفتات حسن النية العربية أثبتت للرأي
العام الإسرائيلي صدقية الموقف الذي يطرحه شارون، ومن ورائه اليمين بشكل عام،
والقائل: العرب يعرفون فقط لغة القوة، وليست التنازلات التي يطرحها اليسار
الإسرائيلي)).
القائم بأعمال رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، والذي وقّع على معاهدة
التجارة الحرة مع مصر يرى أن ما يقوم به شارون يجب أن يفتخر به الصهاينة. ويضيف
أولمرت قائلاً ((لقد أثبت رئيس حكومتنا أنه بالإمكان ضرب الفلسطينيين بكل قوة
عندما يتطلب ذلك الأمن الإسرائيلي، وفي نفس الوقت ضمان ليس فقط صمت الحكومات
العربية، بل ضمان استعدادها للتطبيع، إن هذا إنجاز غير مسبوق للدولة العبرية)).
ويضيف أولمرت إن الحكومات العربية لا تجد بداً غير التطبيع مع (إسرائيل)، بعد
أن أدركت أنه ليس وارداً بالنسبة لحكومة شارون أن تبدي تنازلات. ويواصل قائلاً
((لقد أوضحنا دائماً أننا لا يهمنا أن نقيم علاقات مع العالم العربي إن تم ربط
هذه العلاقات بعدم تمتع (إسرائيل) بالحق في ضرب المقاومة الفلسطينية، نحن سنضرب
الفلسطينيين بكل قوة حتى يذعنوا ويدركوا أنه لن يكون بالإمكان إجبار (إسرائيل)
على القبول بأي موقف لا ينبع من منطلق حساباتها الأمنية والاستراتيجية)).
شهادة ساريد
التلفزيون الإسرائيلي نقل بتاريخ (20 -12-2004) عن النائب اليساري يوسي ساريد
الذي تزعّم في الماضي حركة ((ميريتس)) اليسارية وشغل سابقاً منصب وزير التعليم
إقراره بأن مظاهر الغزل التي تبديها الأنظمة العربية قد مثلت ضربة في الصميم
لـ((معسكر السلام)) الإسرائيلي. ويضيف ساريد ((كيف بإمكاننا أن نقنع الجمهور
الإسرائيلي أن سياسة شارون ستجلب كارثة لـ(إسرائيل) في الوقت الذي يتسابقون في
العديد من مناطق العالم العربي على كسب وده بشكل لا يمكن تبريره وتفسيره)).
وعبّر ساريد عن شعور كبير بالمرارة عندما هبّ اليسار الإسرائيلي لانتقاد
تصريحات مدير مكتب شارون دوف فايسغلاس التي كشف فيها النقاب عن أن هدف شارون من
طرح خطة ((فك الارتباط)) هو القضاء على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية، في نفس
الوقت الذي كان فيه المسؤولون المصريون والإسرائيليون يتبادلون الزيارات لبحث
سبل تطبيق الخطة، دون أن يكون لمثل هذه التصريحات أي وقع على التعاطي العربي مع
شارون!!
اللافت للنظر أن حزب الليكود اليميني قرر بالفعل توظيف مظاهر الغزل العربية،
والمصرية تحديداً في الجدل السياسي الداخلي ومن أجل التعريض بأطروحات اليسار
ومعسكر السلام، على اعتبار ((أن المواقف الصلبة لشارون والليكود من خلفه هي
التي أجبرت العرب على إبداء هذه المظاهر دون أن تقدم (إسرائيل) أي تنازلات)).
فقد كشفت الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 18-12-2004 النقاب عن أن الحملة
الانتخابية لليكود في الانتخابات ستعتمد على ما قدمته الحكومة المصرية لحكومة
الليكود من أجل التأكيد على صدقية الحزب. فقد تقرر أن تتضمن الدعاية الانتخابية
للحزب عرض التصريحات المصورة التي أطلقها الرئيس المصري حسني مبارك الذي اعتبر
فيها شارون الزعيم الإسرائيلي الوحيد القادر على التوصل لتسوية. ويعلق أحد
المعلقين في الراديو على هذه الفكرة قائلاً ((سيكون من الصعب على أي ماكينة
إعلامية لأحزاب اليسار الرد على هذه التصريحات أو الطعن فيها)).
وسيكثر الليكود في دعايته الانتخابية من عرض صورة الجاسوس عزام عزام وهو متلفح
بالعلم الإسرائيلي، وهو يصرخ ((شارون هو بطل إسرائيل))، مع العلم أن عزام حرص
على الانضمام لحزب الليكود بعد أربعة أيام من إطلاق سراحه من السجن المصري. كما
سيتم عرض صور التوقيع على اتفاق التجارة بين أمريكا و(إسرائيل) ومصر للتدليل
على فعالية السياسة التي تتبعها (إسرائيل) تحت حكم شارون. ونقل الراديو عن وزير
الصحة الليكودي داني نافيه قوله ((سنقول للجمهور الإسرائيلي نريد ثقتكم بناء
على ما حققه شارون من إنجازات على صعيد محاربة الإرهاب الفلسطيني وما ساهمت به
سياسته الحكيمة في دفع العديد من الدول العربية للتراجع عن مواقفها من
إسرائيل)).
هناك نقطة هامة جداً يتفق عليها الباحثون في مجال العلوم السياسية في الدولة
العبرية، وهي أن مظاهر الغزل العربي ساهمت في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن
حزب الليكود يمثل بالفعل الوسط الإسرائيلي، بدلاً من أنه كان قائداً لليمين.
ويعتبر هؤلاء الباحثون أن هذا التطور يحصر الجدل داخل (إسرائيل) عملياً بين
الليكود والأحزاب التي تقع على يمينه من ناحيه أيديولوجية سواء كانت دينية أو
علمانية. من هنا ليس مستغرباً أن تشير استطلاعات الرأي إلى أنه في حال أجريت
انتخابات فإن اليمين في (إسرائيل) سيواصل تعزيز قوته، في نفس الوقت الذي يواصل
فيه اليسار انهياره. من ناحية ثانية فإنه يتوجب الإشارة إلى أن مظاهر الغزل
العربية تجاه الدولة العبرية تغري الساسة الصهاينة بمواصلة التمترس خلف مواقفهم
المتطرفة تجاه القضية الفلسطينية. مع العلم أن مظاهر التطبيع لم تؤثر حتى على
الإسرائيليين الذين تراهن الأنظمة العربية على التطبيع معهم. فمثلاً الحاخام
عفوديا يوسف، زعيم حركة ((شاس)) الذي تمت استضافته من قبل الحكومة المصرية
والتقى به الرئييس المصري حسني مبارك يعتبر أحد مصادر التحريض ضد العرب
والفلسطينيين، وهو الذي يصف العرب في ((مواعظه)) الدينية بـ((الثعابين))، ويدعو
إلى قتلهم، فضلاً عن إصداره العديد من الفتاوى التي لا تبيح التنازل عن أي شيء
مقابل التوصل لتسوية مع العرب.
اللافت للنظر بشكل خاص هو التفسير الذي يقدمه ساسة ومفكرو اليمين لمظاهر الغزل
العربي تجاه (إسرائيل). فهؤلاء يؤكدون أن الأنظمة العربية لم تتحول إلى هذا
النمط من السلوك حباً بـ(إسرائيل)، بل خوفاً من الولايات المتحدة. فقد اقتبست
الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 20-12-2004 تعليقات لخمسة من نواب الليكود على
توقيع اتفاقية التجارة الحرة في القاهرة بين مصر و(إسرائيل) والولايات المتحدة،
حيث أجمع الخمسة على أن كل مظاهر الغزل العربية تجاه (إسرائيل) تندرج في إطار
جهود الأنظمة العربية لاسترضاء الولايات المتحدة، سيما بعد أن فاز الرئيس بوش
بولاية ثانية. وهناك إجماع بين المعلقين والباحثين الإسرائيليين في الشؤون
العربية على العلاقة بين مظاهر الغزل العربي تجاه (إسرائيل) والحرب الأمريكية
على العراق، سيما بعد فوز بوش.
تحريض شارون
اللافت للنظر أن مظاهر الغزل العربي الرسمي مع شارون وحكومته تتم في الوقت الذي
كشف فيه عن مزيد من المشاعر التي يضمرها شارون للعرب والمسلمين. فالصحافي
الإسرائيلي بن كاسبيت يقول إن شارون عندما يختلي بأي شخص يتبرع له شارون بالكشف
عن مواقفه من العرب. فالعربي بالنسبة لشارون إنسان غير أمين وغير صادق وجبان
وكذاب، ولا يفهم إلا لغة القوة،. فعندما يتحدث شارون عن العرب مع أي شخص، يلتفت
شارون الى محدثه قائلاً ((لا تنسَ، إنهم مجرد عرب!)). بل إن شارون يحاول مداعبة
ضيوفه الذين يزورونه في مزرعته الخاصة في النقب المحتل عبر ترديد نكات وفكاهات
على العرب والعروبة.