تقيمها مؤسسة بذور
السلام الأمريكية:
مخيمــات لتثقيف الشبان بالسلام والاعتراف بالعدو
فلاح الصفدي – اعتدال قنيطة
((هؤلاء الأحداث يكونون في الأسبوع الأول إما مثاليين تماماً، أو مصممين على
إثبات أن وجهة نظرهم هي الصحيحة، وفي الأسبوع الثاني يبدأون إدراك أن الرواية
التاريخية التي تعلموها قد لا تكون الرواية الحقيقية، وفي الأسبوع الثالث
يدركون أنهم بحاجة إلى تقبل بعضهم البعض مهما حدث)). هذا ما قاله جون والاش
مؤسس منظمة بذور السلام الأمريكية ورئيسها السابق الذي توفي قبل عامين تقريباً.
ويتولى رئاسة المؤسسة حالياً (آلان ميلر) وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية
الأمريكية وعمل مستشاراً كبيراً في وزارة الخارجية الأمريكية، ومستشاراً كبيراً
في المفاوضات العربية الإسرائيلية. وتسعى هذه المؤسسة إلى دمج الطلاب العرب
بالطلاب الإسرائيليين عبر مخيمات مشتركة، لتنشر أفكار ومبادئ ((السلام))
المزعوم والاستسلام في نفوس الطلبة العرب.
فما هي الأهداف الحقيقية وراء هذه المؤسسة الأمريكية؟ وما حقيقة القائمين
عليها؟ وما هي البرامج والفقرات التي تقدم لهؤلاء الأحداث الذين تم اختيارهم
بعناية فائقة وضمن شروط عمرية وعقلية معينة يسهل التأثير عليها؟
بذور سلام مسمومة
الطالبة هيا الآغا التي سبق وشاركت في آخر مخيم عقدته هذه المؤسسة في الأراضي
الفلسطينية قالت: ((التحقنا بهذا المخيم عن طريق وزارة التربية والتعليم حيث
وقع علي الاختيار دوناً عن جميع طالبات مدينة خان يونس، وذلك أنني طالبة متفوقة
بالإضافة إلى أني أجيد اللغة الإنجليزية وامتلك نوعاً من المعلومات السياسية
والتاريخية، وكان ذلك في شهر أيار/مايو، ثم انتقلت إلى الوزارة لأتلقى
التعليمات والمعلومات السياسية التي تخص قضيتنا الفلسطينية، وذلك عبر دورة
مكثفة أعدتها لنا وزارة التربية والتعليم)).
وأشارت الآغا إلى أنه شارك في المخيم 50 طالباً وطالبة من الأراضي الفلسطينية
المحتلة عام 67 وجميعهم من فئة 15 عاماً تم ترشيحهم عن طريق وزارة التربية
والتعليم، ويمتازون بأنهم من أكثر الطلاب الفلسطينيين تفوقاً ويمتلكون قدراً
كبيراً من الذكاء.
وبعد شهرين من التدريب المستمر سافرت هيا مع المجموعة إلى الولايات المتحدة
الأمريكية وتحديداً إلى ولاية (مين) لتفاجأ بوفد من الطلبة الصهاينة بالإضافة
إلى مجموعة من الوفود التي قدمت من بعض الدول العربية، لتقضي ثلاثة أسابيع داخل
المخيم.
ويذكر أن المؤسسة الأمريكية تستقطب أطفالاً وشباباً من (إسرائيل) وعدة دول
عربية أبرزها مصر والأردن واليمن وتونس وفلسطين والكويت وقطر، وتحاول كل عام ضم
أطفال عرب جدد، ويبدو أن الفكرة أصبحت مفضوحة بعد مجيء شارون، لذلك حاول مؤسس
بذور السلام توسيعها عام 2000 لتضم أطفالاً من شطري قبرص وأطفالاً من الهند
وباكستان ثم أفغانستان مؤخراً.
غرف نوم مشتركة
وفي المخيم بدأت عملية غسل الدماغ للطلبة العرب والفلسطينيين خصوصاً الذين لم
يتم إعدادهم بطريقة جيدة لمواجهة الكم الهائل من المعلومات التي ستوجه لهم من
قبل الوفد الصهيوني والقائمين الصهاينة على المخيم، وتكمل الآغا: ((وأول عملية
لغسل الدماغ واجهتها عندما طلب مني خلع الحجاب بحجة أنه سوف يعيق حركتي، وأن
علي أن أرتدي زي المخيم وهو عبارة عن بلوزة ضيقة بنصف كم خضراء وبنطال، فرفضت
وصممت أن لا ارتديهما لأواجه مشكلة أكبر وهي فقرة الرقص الإجباري، لأجد نفسي
مضطرة لأن أرقص مع طلاب وهو ما يخالف ما تربيت عليه من دين وعادات وتقاليد
فلسطينية، فأخذت أبكي ولكن لم يعيروني اهتماماً، وطلبوا مني أن أتعلم عزف
الموسيقى، وصمموا على إرغامي بذريعة أن تعلّم الرقص إجباري في المخيم، وكل هذا
يهون مقارنة بالمصيبة الأكبر التي تعرضت لها في فقرة السباحة، حيث كان لا بد أن
ارتدي زي البحر ناهيك عن تصوير الفيديو الذي كانت تقوم به بنت ميلر لنا ونحن
داخل غرفنا)).
أما في ساعات النوم فوجدت هيا نفسها تنام وسط مجموعة من الفتيات اليهوديات، لكي
يتم إقناعها هي وغيرها أن اليهود ليسوا قتلة كما يتصور الفلسطيني، وكما يشاهد
على أرض الواقع، بل هو إنسان ممكن أن يعيش معه الفلسطيني، وحول هذا تضيف الآغا
((كانت ساعات النوم في البداية صعبة لنا جميعاً، ولكن مع الوقت بدأ البعض
بالتأقلم)).
اليهود ضحايا إرهاب حماس!!
ساعات التعايش -التي كانت أكثر فقرات المخيم- كانت عبارة عن جولات من النقاش
بين الوفد الصهيوني المعد إعداداً تاماً لهدف واضح وهو غسل دماغ وفود الطلبة
العرب المشاركين، وبين الوفد الفلسطيني الذي وجد نفسه في ساحة معركة لم يعدّ
لها مسبقاً. وحول هذا تضيف الآغا: ((كان الوفد الصهيوني يمتلك العديد من
المعلومات الخاطئة عن قضيتنا فأخذ يصور نفسه بأنه هو ضحية الإرهاب الفلسطيني
كما يسميه، وخاصة ضحية لعمليات حماس الإرهابية كما يدعي، وأن حركة حماس تقوم
بقتل الأطفال والأبرياء في داخل تل أبيب عبر عمليات الباصات المفخخة، وأنهم
ولدوا في داخل الكيان المزعوم ليجدوا أنفسهم يحاربون ويقتلون من حماس
الإرهابية، بينما هم عندما يقتلون أطفالنا فإنهم يدافعون عن أنفسهم أو أنهم
يقتلونهم بدون قصد عندما يحاربون إرهاب حماس)).
يشار إلى أن برنامج بذور السلام المستمر حتى الآن يحصل على تمويل سنوي من وزارة
الخارجية الأمريكية قدره ثلاثمائة ألف دولار، وتصله إسهامات سنوية تصل إلى
المليون دولار أغلبها يتدفق من مؤسسات أمريكية وثيقة الصلة بـ(إسرائيل)، ومن
بينها شركة لوكهيد مارتن.
قتل وتدمير للأخلاق
الفلسطينيون هم وحدهم من يتأثر بهذا المخيم، ماذا حصل مع الشاب أسيل عاصلة أحد
خريجي معسكرات بذور السلام؟ يوم الثاني من تشرين الأول/أكتوبر عام 2000 تظاهر
عدد من الشباب الفلسطينيين فيما وراء الخط الأخضر تضامناً مع أشقائهم في الضفة
وغزة. كان أسيل واقفاً بقميصه الأخضر الذي نقش عليه شعار بذور السلام. يحمل
لافتة، ((لم يرم حجراً)) وإنما اكتفى بالهتاف مع نظرائه من الشباب. وصل عدد من
جنود الاحتلال ليضربوه بكعب البنادق ثم ابتعدوا عنه قليلاً وأطلقوا عليه
الرصاص.
وأكدت الآغا أن جميع القائمين على المخيم هم من الصهاينة لهذا تمكن الوفد
الصهيوني وبمساعدة القائمين على المخيم من التأثير سلباً على كافة طلبة الوفود
العربية التي لم يسمح لها، كما لم يسمح لنا من قبل القائمين على المخيم أن نبدي
وجهة نظرنا بشكل كاف بالنقاش، كما استطاعوا أن يؤثروا جيداً على الوفد
الفلسطيني الذي انبهر بالحضارة الأمريكية وأصبح العديد من أعضائه يقلدون الطلبة
الصهاينة في حركاتهم وملابسهم الضيقة والكاشفة.
بذور سلام أم استسلام؟
فترة التعايش لا تنتهي بانتهاء مدة المخيم في ثلاثة أسابيع، بل تحرص المؤسسة
على أن يستمر التواصل بينها وبين الطلبة المشاركين لتواصل غرس ما تريد من بذور
سلام مزعوم وذلك عبر موقعها على الإنترنت، أو عن طريق مقرها في تل أبيب، وعقد
الدورات المستمرة لهم. كما يجري إلحاق الخريجين بجامعات أمريكية ورعايتهم
جسدياً ونفسياً وتمهيد الطرق أمامهم حتى يصبحوا مسئولين في أوطانهم. كما يتعهد
المشاركون في نهاية المخيم على مواصلة عملهم في سبيل إحلال السلام لدى عودتهم
إلى أوطانهم.
ولشدة تأثر هؤلاء الطلبة بعملية غسل الدماغ التي أجريت لهم قال ميلر، وهو مسؤول
سابق في وزارة الخارجية كان قد شارك في جهود حل النزاع العربي- الإسرائيلي:
((ما من مجموعة من الناس أهم منكم أنتم البذور)). كما شكر وزير الخارجية، كولن
باول، ((البذور)) لبدئهم السير على الطريق المؤدي إلى السلام والقيام بما ((لا
يمكن لأي معاهدة مكتوبة على الورق أن تقوم به)). أضاف ((إن السلام الحقيقي
الدائم سينبع من قلوب البشر التي تغيرت. فعندما يتشاطر الناس الأفكار والمشاعر
التي تجعلهم بشراً، وعندما يضحكون معاً، وحتى عندما يتجادلون وجهاً لوجه، عندها
تتوفر الفرصة لحلول السلام لأن الحوار أصبح قائماً)).
ويحظى المعسكر السنوي الذي يقام في ولاية ((مين)) الأمريكية باهتمام البيت
الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، فهو على حد وصف حركة فتح يحاول تزوير
الذاكرة الفلسطينية، وتشكيل قادة المستقبل الفلسطيني بالمواصفات التي يضعها
الكيان الصهيوني، وأنه مشروع يستهدف مسح الذاكرة الوطنية للأطفال العرب ويحولهم
إلى أدوات مستقبلية للهيمنة الصهيونية.
بينما أشارت الكتلة الإسلامية الذراع الطلابية لحركة حماس في بيان لها أن مؤسسة
بذور السلام تسعى إلى تدمير روح الجهاد والمقاومة في نفوس المشاركين باعتبارها
إرهاباً مناقضاً لنشر السلام، والاعتقاد بأن العمليات الجهادية إرهاب يجب نبذه،
وأن ما تقوم به (إسرائيل) هو ردة فعل ضرورية لمحاربة الإرهاب، وأكد إبراهيم
صلاح رئيس الكتلة الإسلامية في القطاع أن هذه المؤسسة من صنع الصهيونية
العالمية الهادفة للتطبيع، وأضاف بأن هذه المخيمات تقوم على حرية الاختلاط دون
قيود بين الجنسين، وفتح المجالات للصداقة بين الطلاب الفلسطينيين ونظرائهم
الصهاينة.
وأشار صلاح إلى تحرك كتلته ضد هذه المخيمات عبر البيانات التي أصدرتها، وعبر
توجيه رسائل لخطباء المساجد، وقال ((وجهنا خطابات أيضاً للعديد من المسؤولين
لتحذيرهم من هذه المخيمات وعواقبها إضافة إلى قيامنا بحملة تواقيع من قبل
أولياء الأمور للتأكيد على رفض هذه المخيمات ورفض مشاركة أبنائنا فيها))،
مؤكداً تجاوب الناس مع هذه القضية وتفاعلهم معها حيث جمع في يوم واحد أكثر من
خمسين ألف توقيع.