انتشار قوات الأمن الفلسطينية في
غزة
تكرار لتجربة مرّة أم مقدّمة لصفحة جديدة من التفاهم
بيروت/رأفت مرة
أثناء عطلة عيد الأضحى المبارك طرأ تحوّل نوعي في الساحة الفلسطينية تمثّل في
جلسات من الحوار والنقاش بين رئيس السلطة محمود عباس (أبو مازن) وقياديين من
حركتي حماس والجهاد الإسلامي، أعقب جلسات الحوار هذه قيام السلطة بنشر 2500
عنصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية في شمالي قطاع غزة –كمرحلة أولى- يعقبها
انشار في أجزاء القطاع الجنوبية.
فللمرّة الأولى ينتشر أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية بهذا العدد وبهذا الشكل على
عدد من المحاور الساخنة منذ انتفاضة الأقصى التي انطلقت عام 2000. ما يدفع إلى
التعمّق في أسباب ونتائج ومدلولات هذا الانتشار.
قبل البدء في استعراض ما جرى لا بدّ من العودة قليلاً إلى الماضي للتذكير بوجود
نظريتين رئيسيتين في الساحة الفلسطينية، الأولى تدعو للتفاوض مع الاحتلال
والتنسيق معه ومحاولة التأثير في المجتمع الدولي للضغط على الاحتلال من أجل
الحصول على مكاسب للشعب الفلسطيني مهما كان حجمها ونوعها. والثانية تدعو إلى
مقاومة الاحتلال وضربه والتصدي له وانتزاع الحقوق والمطالب منه بالقوة. أصحاب
الخط الثاني يعتبرون أن تجربة عشر سنوات من المفاوضات مع الاحتلال كانت مريرة،
ولم تحقق مكاسب ذات قيمة بدليل قيام الاحتلال باقتحام المدن ومحاصرة السلطة
وضرب أجهزتها وتدمير مقومات المجتمع الفلسطيني.
لكن السنتين الأخيرتين ساهمتا في تجذّر مشروع المقاومة بشكل أكبر في المجتمع
الفلسطيني، ودلّت نتائج الانتخابات البلدية والرئاسية على تعاظم التأييد الشعبي
للمقاومة والتفاف الناس حولها وحول برنامجها وارتفاع صوتها في المجتمع، بشكل
يمنع أصحاب الرأي الآخر من محاولات القفز فوقها أو تجاهلها.
التجربة الأخيرة للسلطة في تشكيل حكومة فلسطينية برئاسة محمود عباس ومن ثم أحمد
قريع ومحاولات لإصلاح الأجهزة الأمنية ومكافحة الفساد داخل الإدارات لم تكن
ناجحة أيضاً. فالصراع بين الأجهزة الأمنية ظلّ على حاله وأدى إلى معارك عنيفة
وعمليات قتل واختطاف واغتيال وفرض خوّات وسمسرة، والانقلابات حصلت في أكثر من
مكان وطالت رأس السلطة ممثلاً بالسيد ياسر عرفات.
والنهج السياسي الذي حاول محمود عباس انتهاجه في ولايته الأولى عبر مدّ الجسور
نحو الصهاينة في قمّتي العقبة وشرم الشيخ عام 2003 والترحيب بمشروع خارطة
الطريق لم يُؤتِ ثماره، فاضطر أبو مازن إلى الاستقالة تحت ضغط وتهديد أبناء
حركة فتح.
الأمور تطورت بشكل متسارع منذ وفاة رئيس السلطة الفلسطينية. فحركة فتح أصرت على
الإمساك بالسلطة وإجراء انتخابات لرئاسة السلطة وتقسيم الانتخابات البلدية، ما
أدى إلى مقاطعة حماس والجهاد لانتخابات رئاسة السلطة.
مقاطعة انتخابات رئاسة السلطة والنتائج الكبيرة التي حققتها حماس في الانتخابات
البلدية كانت رسالة قوية لكي تدرك السلطة أن الخارطة السياسية في المجتمع
الفلسطيني تبدّلت وأن حجم ونفوذ حركات المقاومة وبالأخص حماس يتعاظم، وأن حماس
ليست فصيلاً فلسطينياً صغيراً بل صاحبة مشروع سياسي واجتماعي ذات نفوذ مؤسساتي
ونقابي، وأن القفز على ما تمثّله حماس من مشروع ومشروعية ليس عملاً سهلاً، كما
أن إدارة الظهر لمطالب حماس التي هي مطالب الشعب الفلسطيني وحاجات حماس التي هي
حاجات أبناء الشعب ليس فكرة جيدة.
فمن يتجاهل حماس اليوم هو كمن يضرب رأسه بالحائط أو كمن يتجاهل أصوات فئة كبيرة
وأساسية. لذلك وبعد فوز أبو مازن قام الأخير بزيارة إلى قطاع غزة للتفاهم مع
حماس على مجموعة من القضايا، فرئيس السلطة يحمل مجموعة من الاقتراحات عرض
معظمها في أوقات سابقة. جزء من هذه الاقتراحات يتمحور حول الهدنة أو وقف
فلسطيني مباشر لإطلاق النار. أما الجزء الآخر فيدور حول إصلاح أجهزة السلطة
ومؤسساتها وتحقيق نوع من المشاركة السياسية.
مشروع محمود عباس بالنسبة لحماس واضح ومعروف، فرئيس السلطة عرض ملامح مشروعه
أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة. لكن هذا لا يعني أن حماس تريد القطيعة مع أبو
مازن أو تريد تجاهله. العكس هو الصحيح. فحماس بعثت لأبو مازن بأكثر من رسالة
إيجابية، وأشارت إليه في أكثر من موضع بأن التفاهم معه لمصلحة الشعب الفلسطيني
ليس عقدة لديها. وكان من اللافت أن تكون ردود حماس على التصريحات التي أطلقها
محمود عباس ضد الصواريخ وإنهاء عسكرة الانتفاضة ردوداً مسؤولة ودقيقة. لا بل إن
حماس أعربت مباشرة عن ترحيبها بزيارة عباس إلى غزة أثناء عطلة عيد الأضحى
المبارك على الرغم من أن أبو مازن جدد خطه السياسي في الكلمة التي ألقاها أثناء
حفل الإدلاء بقسم توليه رئاسة السلطة.
وإذا كان من عناوين للحوار بين أبو مازن وحماس في قطاع غزة فيمكن اختصارها في
ثلاثة: الهدنة، المشاركة السياسية، التعاون على تحقيق المصالح الفلسطينية.
في مسألة الهدنة لايزال محمود عباس يكرر دعوة مختلف الفصائل الفلسطينية إلى وقف
مباشر وفوري لإطلاق النار، من أجل إحراج شارون وكشف الادعاءات الإسرائيلية. لكن
حماس ترى أن الهدنة في حال قبلتها يجب أن لا تكون مجانية، وأن تكون مرهونة بوقف
إسرائيلي مباشر وفوري لكل أشكال العدوان على شعبنا وبوقف التعدي على المواطنين
وبإطلاق سراح الأسرى والانسحاب من المناطق المحتلة. وترى حماس أن المقاومة كانت
مثمرة بشكل كبير وأدت إلى مراكمة نتائج إيجابية، وأن الظرف الحالي يستدعي حماية
المقاومة وتحصينها من أجل التصدي للاعتداءات الصهيونية وحماية أبناء شعبنا
وتعميق الشرخ داخل المجتمع الصهيوني، الذي تبدت مظاهره في الانسحاب من غزة وفي
تمرّد عدد كبير من ضباط وجنود الاحتلال وفي خلق أزمة بين المستوطنين والمؤسسة
العسكرية والأمنية الصهيونية. وتشدد حماس في موقفها من الهدنة على عدم إعطاء
العدو أي نوع من الضمانات وعلى ضرورة بقاء المقاومة جاهزة للرد والردع.
أما في موضوع المشاركة السياسية فإن أبو مازن لم يبلور إلى الآن تصوره بالكامل
تجاه مختلف القضايا، وإن كان دعا إلى إصلاح مؤسسات السلطة وأجهزتها، وشدّد على
عدم المقاطعة ودعا إلى الحوار، لكنه لم يقدم معطيات جديدة تجاه انتخابات المجلس
التشريعي وشكل المشاركة السياسية والحكومة الجديدة، وتحفظ على إصلاح منظمة
التحرير بشكل جذري مع رغتبه في إصلاح بعض مؤسساتها خاصة المجلس الوطني.
ولم يكن رد حماس حاسماً تجاه المشاركة في أي من آليات الإصلاح السياسي، طالما
ظلت الأمور ضبابية، وطالما لم يبت إلى الآن في أي شكل من أشكال المشاركة، على
أن حماس ملتزمة بدراسة أي صيغة، وبالرد عليها في حينه. وإن كانت حماس قد أعطت
عناوين واضحة أهمها استخدام الحوار والتفاهم وتفعيل المشاركة وتكريس دور
المؤسسات والتوقف عن سياسة الهيمنة والتفرّد.
أما لجهة التعاون والتفاهم بين مختلف شرائح الشعب الفلسطيني فقد دعا أبو مازن
أكثر من مرة إلى إصلاح الخلل ومكافحة الفساد وتطبيق القانون وحماية المجتمع.
ولم تكن حماس متحفظة تجاه أي خطوة فلسطينية تؤدي إلى التخفيف عن الناس وحل
مشاكل المجتمع وتوفير الأمن والاستقرار ولقمة العيش الكريمة للمواطنين. وشددت
حماس على ضرورة وقف التعديات على الناس وحرماتها، وأبلغت أبو مازن رسالة مفادها
أنها على استعداد للتعاون في كل ما من شأنه ضمان مصلحة الشعب الفلسطيني
الحياتية والاجتماعية، محذرة من استخدام أي خطوة بهدف المس بالمقاومة أو بحقوق
الناس الإنسانية والاجتماعية، أو لتقديم تنازلات مجانية للاحتلال أو للالتفاف
على المصلحة العليا للمواطنين.
وفهم من المواقف الإعلامية الصادرة عن قيادات الحركة أن حماس تضع مجموعة من
القواعد تحكم نهجها السياسي في الفترة القادمة ومنها: استمرار المقاومة
وحمايتها، إطلاق الأسرى، وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيلي من
المناطق المحتلة.
لذلك فإن نظرة حماس لانتشار قوات الأمن الفلسطينية تأتي في إطار تشجيعها على
قيام هذه القوات بدورها في حفظ الأمن والنظام وفي عدم العمل كخط دفاعي عن
الاحتلال، وفي أخذ هذه القوة بعين الاعتبار لتحرك المقاومين أثناء تنفيذ
العمليات، على قاعدة أن تكون هذه القوات خطاً للدفاع عن الشعب الفلسطيني في
مواجهة أي عدوان إسرائيلي، لا أداة لملاحقة المقاومين ومطاردتهم وتوفير الأمن
للاحتلال كما كان حال ميليشيا إنطوان لحد في جنوب لبنان.
وكان من اللافت أن يشير أبو مازن إلى أن وظيفة الأجهزة الأمنية هي منع العدوان،
أما إذا انحرفت الأجهزة الأمنية عن خطها هذا فستكون هي المسؤولة وهي المخطئة
وهي التي ارتدّت عن دورها، وتكون السلطة الفلسطينية قد أصرّت مجدّداً على
التحرك على قاعدة المصلحة الإسرائيلية أولاً، حتى لو تذرعت بأنها تريد جرّ
الإسرائيليين إلى المفاوضات وفضح الادعاءات الإسرائيلية وتطبيق خارطة الطريق
ولو من طرف واحد.
انتشار قوات الأمن الفلسطينية في قطاع غزة بهذا الشكل يعتبر سابقة وخطوة مثيرة،
فإما أن يكرّس النهج القديم المخرب وإما أن يفتح صفحة جديدة في العلاقات
والمصالح الفلسطينية المشتركة ويؤسس لمشاركة أوسع وتبني مفهوم جديد للتعامل،
سيكون على أساس المصلحة الفلسطينية المستفيدة من خطأ نهج الاستفراد والرهان.
والشعب الفلسطيني لايزال يذكر إلى اليوم التجربة المرة التي مارستها أجهزة
السلطة في اعتقال وملاحقة المقاومين. فهل هناك في المجتمع الفلسطيني من يريد
العودة إلى ذلك الزمن الرديء، أم تكون هذه الخطوة مقدمة لصفحة جديدة من التعاون
والتفاهم لتحقيق الحقوق الفلسطينية التي اغتصبها الاحتلال وباركتها الولايات
المتحدة.