محمد نزال / عضو المكتب السياسي لحركة حماس
فقدت حركة حماس خلال الأعوام الأربعة الأولى من انتفاضة الأقصى
ثمانية من قيادات الصف الأول فيها في قطاع غزة والضفة الغربية، وهم: الشيخ أحمد
ياسين، د. عبد العزيز الرنتيسي، م. إسماعيل أبوشنب، د. إبراهيم مقادمة، صلاح
شحادة، جمال منصور، جمال سليم، صلاح الدين دروزة -رحمهم الله جميعاً-.
ولعلّ هذا هو أكبر عدد يتم اغتياله من أي تنظيم أو فصيل فلسطيني بهذا المستوى
القيادي، وخلال فترة زمنية قياسية لا تتجاوز أربعة أعوام. ولا ينافس حماس في
ذلك، سوى شقيقتها حركة فتح، التي سبقتها في الانطلاقة بثلاثة وعشرين عاماً
تقريباً، حيث اغتيل من قياداتها الأولى ستة هم: أبو علي إياد، كمال عدوان، محمد
يوسف النجار، خليل الوزير (أبو جهاد)، صلاح خلف (أبو إياد)، هايل عبد الحميد
(أبو الهول)، ولكن هؤلاء رحمهم الله تم اغتيالهم خارج فلسطين وخلال فترة زمنية
طويلة امتدت من عام 1970 إلى 1991.
إن فقدان حركة حماس ثمانية من قياداتها الأولى، ناهيك عن استشهاد العشرات من
القادة العسكريين الميدانيين، مثّل ضربات موجعة ومؤلمة لهذه الحركة، التي خاض
معها العدو الصهيوني منذ انطلاقتها، معركة شرسة ومفتوحة، كانت الأعوام الأربعة
الأخيرة منها هي الأشرس والأعنف، حيث اتخذ قادة الكيان الصهيوني قراراً
بالانتقال من اغتيال القيادات العسكرية -وهو ما كان قائماً في السنوات السابقة
لانتفاضة الأقصى- إلى اغتيال القيادات السياسية.
وقد مثّل هذا التحوّل الاستراتيجي في السياسة الصهيونية محاولة يائسة وأخيرة
لإستئصال حركة حماس، أو دفعها إلى الانهيار، ولكن الوقائع التي أعقبت عمليات
الاغتيال، أثبتت بشكل واضح وجليّ أن حماس عصية على الاستئصال، وأن أي جهة تحاول
تحقيق ذلك، فإنها تشرع في مهمة مستحيلة التحقيق!.
وإذا أردنا التوقف عند الأسباب التي تحول دون ((استئصال)) حماس، فإننا يمكن
تحديد الأسباب أو العوامل التالية:
أولاً: إن حماس ليست مجرّد مجموعات تمارس
عملاً مسلحاً، تنتهي بعد القضاء على قياداتها وكوادرها. وإنما هي حركة شاملة
تمارس في المجتمع الفلسطيني عملاً يشمل الجوانب المختلفة: السياسية، الإعلامية،
الدعوية، الاجتماعية، الخيرية، إضافة إلى الجانب العسكري.
ثانياً: حققت الحركة من خلال التضحيات
الرائعة، ومن خلال شبكة الخدمات الاجتماعية والخيرية، التي قدّمتها للشعب
الفلسطيني، حضوراً مميزاً في المجتمع الفلسطيني، أسهم في رفع شعبيتها، وزيادة
عدد مؤيديها وأنصارها، مما أحاطها بسياج جماهيري شكّل مظلة وحماية سياسية
ومعنوية لها.
ثالثاً: تحوّلت حماس بأفكارها ومنهاجها
إلى تيار واسع في المجتمع الفلسطيني. وأصبح ((الاستشهاد)) ثقافة عامة لا تقتصر
على حماس وحسب، كما أن ((المقاومة)) أصبحت منهاجاً عاماً للشعب. وفشلت كل
محاولات إدانة الاستشهاد والمقاومة -عبر طرق مختلفة- فشلاً ذريعاً، حيث بقيت
الغالبية الساحقة من جماهير الشعب الفلسطيني منحازة لخيار الاستشهاد والمقاومة.
رابعاً: امتازت حماس عن بقية الحركات
والفصائل الفلسطينية بأن طرحها وتفاعلها وتواصلها تجاوز الدائرة القطرية
المرحلية، إلى الدائرتين العربية والإسلامية، أي أنها قدّمت نفسها كحركة
فلسطينية تقاوم الاحتلال الصهيوني، ولكن بأفق إسلامي، مما أكسبها مساحات واسعة
من التأييد والتعاطف في الأوساط العربية والإسلامية.
خامساً: إن الدماء الزكية التي سالت من
قيادات حماس أكسبتها مصداقية عالية، وكان لها وقع السحر في نفوس الجماهير في
فلسطين وخارجها، فحركة تقدّم هذه القافلة من القيادات المميّزة والمبدعة، لا
يمكن أن تُكسر بإذن الله. وحركة تقدّم فيها قياداتها على جنودها في التضحية
والفداء والإقدام، لا بد أن تنال الإعجاب بالثناء، وتكون قدوة للأجيال الحالية
والمقبلة. وكما يقول الشهيد سيد قطب في كلماته الرائعة في ((أفراح الروح)):
((إن كلماتنا تظل عرائس من شمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبّت فيها الحياة)).
لقد استشهد هؤلاء القادة الأبطال صرعى لصواريخ وقنابل العدو، التي فتكت
بأجسادهم، وحوّلتها إلى أشلاء، ولكنها لم تقضِ على أرواحهم، التي بقيت تعيش
بيننا محلّقة بأفكارها وكلماتها ونهجها، ولعلّ ذلك يفسّر قول الله تبارك وتعالى
(ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون). لقد رأى
الكثيرون في اغتيال هذه الثلة الرائعة من القيادات مصاباً عظيماً، وكارثة كبرى،
كما توقف الكثيرون عند الجانب الأمني من الموضوع، ولكنها زاوية واحدة في النظر،
أما الزوايا الأهم، فهي أن استشهاد هؤلاء القادة سيقوّي حماس ولن يضعفها. قد
تضعف حماس على المدى القصير، ولكن على المدى الطويل والاستراتيجي، يكون لشهادة
هؤلاء القادة ودمائهم التي روّت ثرى فلسطين المباركة، آثار إيجابية كبيرة من
شأنها أن تدفع بحماس إلى المقدمة، وتزيد من تجذير أفكارها، وترسّخ منهاجها،
وتصبح مثالاً لكل حركات التحرر في العالم كله، وليس فلسطين ومنطقتنا العربية
والإسلامية فحسب.
سادساً: لعبت ((المؤسسية)) في حماس دوراً
كبيراً في تلافي الثغرات السلبية التي يمكن أن تنشأ عن غياب قياداتها، إذ إن
حماس حافظت وبامتياز، وعلى الرغم من كل الظروف الصعبة التي تعيشها، سواء الظروف
الجغرافية، أو الظروف الأمنية، على وحدتها وتماسكها، ولعلّ السرعة في اختيار
قيادات بديلة للشيخ أحمد ياسين أولاً، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي ثانياً،
يدل على فاعلية هذه المؤسسات وقدرتها على التعامل مع هذه الظروف الحرجة.
إن ((المؤسسة)) هي ضمانة دائمة لاستمرارية الحركات كما الدول، وهي التي تنقل
الحركات من الحالة الفردية إلى الحالة الجماعية.
إن استشهاد قيادات حماس، وعلى الرغم من فداحته، فإنه يبقى نموذجاً مضيئاً لكل
الذين سيسلكون درب الحرية والاستقلال، ولكل أصحاب الرسالات.
|