فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Apr2004
PDF نسخة
البعد الإنساني
كيمياء الشهادة
شهداء في المسيرة
الاستشهاديات
أساليب الاغتيال
أهم الاغتيالات
منظمات الإرهاب
المعاني والدلالات
المناخ السياسي
رأي المرشد عاكف
كلمة  د.الزهار
حماس بعد الاغتيال
آراء المقاومة
مقابلة أبو عمرو
رأي- رأفت مرة
اعتراف إسرائيلي
أبو أيمن طه
آراء بالرنتيسي
بعيونهن: الجمالان
بعيونهن: القادة الشهداء
آراء شخصيات
قيادات جديدة
فيلم الشيخ
أناشيد في الحدث
مقابلة منشد
توثيق الأناشيد
قصائد للشيخ
مع الغروب
إلى شهيد
لوحة فنية
لوحة فنية

 

بعيونهن: نساء وبنات الشهداء القادة يتحدثن عنهم


غزة / ابتسام مصطفى
عرفناهم قادة أفذاذاً في مختلف الميادين الدعوية والسياسية والميدانية، الشيخ أحمد ياسين، الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، المهندس إسماعيل أبو شنب، الدكتور إبراهيم المقادمة، الشيخ صلاح شحادة.. كانوا جبالاً من الصمود والثبات، ورواسي من المواقف..
هل هذه الصفات هي سمات شخصية، أم سماتها فرضتها ضرورات الحفاظ على القضية والنهج وعدم الخنوع والاستسلام..
من يعرف أكثر من أقرب الناس إليهم، من يعرف علاقاتهم الإنسانية غير زوجاتهم وبناتهم، اللواتي كنّ ينظرن إليهم بعين الحب والعطف والدفء العائلي..
كيف كان القادة في بيوتهم، وكيف كان تفانيهم في سبيل الله والوطن.. هذا ما ستجيب عنه الحوارات مع زوجات وبنات الشهداء.

 

مريم ياسين / ابنة الشهيد القائد الشيخ أحمد ياسين

مريم؛ إحدى كريمات الشيخ الشهيد أحمد ياسين، تبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، متزوجة ولها عدة أولاد, كانت الأقرب إلى أبيها تساعده في كل أموره قبل اعتقاله لأول مرة.
تحدثنا مريم عن البدايات وذكريات الأمس الجميل..

- كان دور والدك الشهيد مهماً في حياة الأمّة, كيف كان دوره في حياة أبنائه حين كانوا صغاراً وحتى أوصلهم إلى برّ الأمان؟
* كان أبي رحمه الله شخصية فذة، تجمعت فيها الكثير من الصفات التي قلما تجتمع في شخص واحد، فكان هذا سبباً لقدرته على القيام بما قام به. عاش أبي لدعوته وأنفق جلّ وقته واهتمامه من أجلها كان يقضي معظم وقته في العبادة أو العمل، ورغم ذلك لم يهمل بيته إطلاقاً، فرغم انشغاله الشديد كان يغتنم أي فرصة ليسألنا عن أحوالنا وصلاتنا وعبادتنا يرسخ في نفوسنا القيم.. ربّانا على حبّ الدين وأهمية العقيدة, من الذكريات الطريفة في ذلك الوقت أننا كنا نتباطأ عن القيام لصلاة الفجر فكان يطلب من أمي أن ترشّ بعض الماء على وجوهنا حتى نقوم بسرعة!
نحن ولله الحمد معظمنا منقبات وإخوتي جميعهم من أبناء الحركة، اهتم كثيراً بتربيتنا وتعليمنا وحين كبرنا، واختار أزواجنا على أساس الدين والعقيدة فكانوا من خيرة الشباب، معظمهم اعتقل بسبب انتمائه للحركة واثنان استشهدا خلال عملهم الجهادي.

- سبّبت حالة الشيخ الصحية وضعاً خاصاً للعائلة كيف تصفين ذلك؟
* كان أبي يحتاج دائماً لمن يساعده في كل الأمور كانت والدتي وأخواتي يقمن بكل احتياجاته حتى الوضوء وغيره.. كان يستطيع في البداية التحرك قليلاً، ولكنه بعد سجنه عام 89 فقد القدرة على الحركة تماماً، وعاد من السجن مريضاً جداً، كان دوري بالنسبة له قبل اعتقاله أنني كنت أساعده في إحضار ما يريد مطالعته من كتب وتنسيق أوراقه وغيرها من الأمور, فكنت أجلس بجانبه طوال الوقت في مكتبه أكتب واجباتي المدرسية وألبي طلباته، لذلك كنت أحسّ أنني قريبة منه جداً.
وحين خرج من السجن كانت حركته صعبة، ولم نستطع القيام بما كنا نقوم به تجاهه، فوفرت له الحركة مجموعة من المرافقين قاموا على خدمته وحراسته وبالذات بعد محاولة الاغتيال الأولى.

- واجه الشيخ في سجنه عام 89 تهمة قيادة حركة حماس وتعرض لتعذيب جسدي ونفسي، كيف كان ذلك؟
* في ذكرى تأسيس الحركة 14/12/1989 تعرّض والدي ومعظم قادة حماس للاعتقال ووجهت له تهمة القيادة، ولكنه لم يعترف بذلك، أرادوا الضغط عليه أكثر فاستخدموا الضغط النفسي، وجاءتنا بعد اعتقاله بثلاثة أيام رسالة مفادها أن له زيارة في سجن غزة المركزي، ذهبنا إلى هناك فأجلسونا نهاراً كاملاً.
وعندما دخلت عند أبي كانت آثار الضرب والإرهاق والتعذيب الجسدي واضحة عليه وبالذات نتف لحيته وعلامات حريق بسبب إطفاء أعقاب السجائر في صدره، ولكنه كان صلباً، رغم كل ذلك كانوا قد اعتقلوا أخي عبد الحميد معه في نفس الليلة ليكون تعذيبه وصوت صراخه وسيلة ضغط على أبي، ولم أكن أعلم أن إحضاري ورؤيتي لأبي كان للضغط عليه، فقد قالوا له هذه ابنتك وسنفعل بها كذا وكذا، فلم ينطق بكلمة.
أخرجوني إلى ممر طويل على جانبيه الكثير من الشباب مغمضي العيون ومربوطي الأيدي، ورأيت بينهم أخي، والجميع يئن من الألم ثم سألوني بضعة أسئلة وبعدها أخرجوني ولكن أبي ظلّ قلقاً علي وكذلك زوجي إذ لم يعلموا أني خرجت.

- بعد زواجك، كيف صارت علاقة الشيخ بعائلتك وأطفالك؟
* بسبب ضيق بيت أهلي بنى لنا أبي غرفة خاصة وتوابعها على سطح المنزل، كان حنوناً جداً على أطفالنا، يغضب لو ضربنا أحداً منهم، يمازحهم ويلاعبهم ويشجعهم على قراءة القرآن وحفظه ويخصص لهم الجوائز, وفي العيد كان يحرص على إسعادنا جميعاً حين نأتي إلى بيته، لم تمنعه ظروفه الخاصة ومشاغله من اهتمامه بأمورنا ومساعدتنا مادياً ومعنوياً.
رحمه الله فقد كان القائد والمعلم والأب الحنون والزوج الرؤوف، ترك في حياتنا فراغاً كبيراً.
 

أسماء الرنتيسي / ابنة الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

استشهد القائد، ولكن كما يقولون (اللي خلف ما مات)، فقد ورثت صغرى بناته أسماء عينَيْ أبيها -ليس شكلاً فقط- بل تحدياً وعزيمة، تلقت خبر استشهاد أبيها فوقفت بكل عزة إلى جانب أمها تتلقى التهنئة في بيت العزاء برغم صغر سنها وكونها المدللة عند أبيها!!
وكانت المحنة الثانية والضربة الموجعة لكل زوجة تحلم بالحياة السعيدة مع الزوج الذي التحق بكتائب القسام، ليرتقي إلى العلا شهيداً بعد استشهاد أبيها بأربعة أشهر، ليتركها وحيدة هي وابنتها سارة (3 سنوات) ولكنّ من تربت على يدي القائد وقفت بعزة تتقبل التهاني باستشهاد زوجها وتصبّر المعزين!!
كنا نخشى أن ننكأ جراحها حين نواجهها بالسؤال، ولكنها كانت تبتسم بكل ثقة، وتشعرنا بالتضاؤل أمام هذه القوة وهي ترد على سؤالنا بأن تعرفنا بنفسها وبأفراد عائلتها.

* اسمي أسماء عبد العزيز الرنتيسي أبلغ من العمر 24 عاماً متزوجة من علاء الدين الشريف، الذي استشهد قبل فترة قليلة بتاريخ 17/8/2004، ورزقنا بطفلة اسمها سارة وعمرها الآن ثلاث سنوات، أدرس بالجامعة الإسلامية بغزة في كلية التربية/قسم رياضيات مستوى رابع.

- من هم أفراد عائلة الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي؟
* تزوج والداي عام 1973.. أمي رشا العدلوني، ولي ثلاث أخوات هن المهندسة إيناس وسمر وآسيا، وأخوان محمد ولديه طفل اسمه عبد العزيز، وأحمد الذي تزوج منذ فترة بسيطة، أما عن أحفاد الدكتور فهم أربعة عشر حفيداً.

- ما قبل الاعتقال الأول، كيف كانت علاقتكم بأبيكم؟ وما هي أبرز معالم شخصيته في تلك الفترة؟
* كان أبي رحمه الله حنوناً جداً علينا، يحاول ما أمكنه توفير احتياجاتنا، يعاملنا معاملة متميزة، لا أذكر أنه كان ينتهرنا بشدة كما يفعل الآباء، بل يعاملنا بحكمة ويستخدم معنا وسائل تربوية وسطاً بين التدليل والحكمة، أذكر أنه عندما كنت أخطئ بحق أحد من إخوتي كان يغضب مني ويظهر غضبه أتضايق وأجلس وحدي لأبكي فأجده قد جاء ليراضيني.
كان يغيب كثيراً عن البيت بسبب عمله كطبيب وانشغالاته المتعددة في الدعوة، ولكنه مع هذا كان دائماً يخصص وقتاً لنا يكلمنا فيه عن شؤوننا ويطمئن على دراستنا، وبالأخص أخواتي الأكبر مني، فقد كنت صغيرة في تلك الفترة.
هناك الكثير من المواقف التي توضح معالم شخصيته وخاصة كرمه، منها استضافته في بيتنا لأقاربنا واهتمامه بشؤونهم. كذلك عطفه على جارة لنا لها أطفال صغار وحرصه على تلبية احتياجاتها.
ومنها أيضاً ما يدل على قوة شخصيته موقفه مع جنود الاحتلال الذين جاؤوا لاعتقاله في بداية الانتفاضة الأولى وضربه لهم، حين حاولوا الدخول لغرفة نومه وكان يصرخ عليهم, وأذكر يومها كم شعرت بالفخر لأن أبي أقوى منهم، فقد كنا نحن الأطفال نعتقد أنه لا يوجد أحد أقوى من الجنود المدججين بالسلاح ولا يقوى أحد على التصدي لهم، ولكن أبي ضربهم وطردهم خارج الدار.. ورغم اعتقاله يومها إلا أنني شعرت بالفخر.

- غاب والدك طويلاً ما بين سجن وإبعاد كيف كانت مشاعركم في تلك الفترة؟
* غياب والدي أحزنني كثيراً، وكنت أتمنى دائماً أن يكون معنا وبالذات في العيد، ولكن حكمة أمي وقوة عزيمتها هونت علينا هذا الفقد بما كانت تبذله من جهود، وحين عاد أبي حاول جاهداً أن يعوضنا عما فقدناه من حنانه.
فقد تزوجت أخواتي وأبي ما زال في السجن وأنا الوحيدة التي شهد والدي زواجها! وكان سعيداً لذلك، كذلك كان يحب أبناءنا كثيراً ويحملهم على كتفه ويصطحبهم معه ويشتري لهم ملابس العيد، كانت حفيدته أسماء ابنة سمر (الحفيدة الأولى) شديدة التعلق به وكان يحبها حباً شديداً.

- كيف كان القائد الرنتيسي في التزامه وعباداته؟
* لقد كان قلبه موصولاً بالله عز وجل قواماً لليل صواماً للنهار يحرص على تلاوة القرآن الكريم لسانه رطب بذكر الله عز وجل، ويستغل وقت فراغه لمراجعة ما حفظه من كتاب الله، وكان كثيراً ما يطلب مني مساعدته في ذلك، وقد كانت لحظات ممتعة بالنسبة لي، والطريف هنا أنني كنت أترصد لوالدي أخطاءه وكنت أفشل دائماً.

- كيف استفدت من والدك دعوياً؟
* ((مفتاح القلوب أن تعامل الناس بخلق حسن كريم)) هذه هي القاعدة الدعوية التي استفدتها من والدي فأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر لا يأتي إلا بعد أن نكسب قلوبهم. لقد كان أبي يطبق هذا مع كل من عرف ولذلك كان داعية ناجحاً.
 

أم حسن / زوجة الشهيد القائد المهندس إسماعيل أبو شنب

أم حسن؛ عائشة محمود أبو شنب، زوجة الشهيد القائد إسماعيل أبو شنب، ولدت في مخيم الشاطئ عام 1958، تزوجت عام 1977.
عرف عن زوجها الطيبة والهدوء والابتسامة الودودة مع الجميع، حتى مع الذين يختلفون معه فكرياً.

فكيف ستكون إذن علاقته مع أسرته؟
تقول أم حسن: تزوجنا بعد تخرجه من الجامعة، وسكنّا في حي الشيخ رضوان في مدينة غزة، لقد كان زوجاً رائعاً, حنوناً جداً ومحباً يهتم بنا كثيراً، يحرص على سعادتي وراحتي، ولا يؤخر لنا طلباً يقدر عليه، يحرص جداً على أولاده وبيته، متمثلاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله)).

- ماذا عن الأب إسماعيل أبو شنب؟
* كان عطوفاً جداً، حنوناً على أبنائه وغير أبنائه، كان يحب الأطفال حباً شديداً.. أذكر موقفاً حصل في بيتنا، وكان عندنا ضيوف وكانت الضيافة أطباق من المكسرات، فعبثت ابنتي الصغيرة وابنة الضيف بالطبق وتناثر على الأرض، فغضب الضيف من ابنته وهمّ بضربها وانتهرها بشدة، أما أبو حسن فما كان منه إلا أن ((طبطب)) على ابنة الضيف حتى لا تخاف من الصوت العالي!!
كان رحمه الله يهتم كثيراً بأبنائه ويشجعهم على التحصيل العلمي يتابع دروسهم رغم انشغاله الشديد في عمله ودعوته، حتى أنه حين سجن لأول مرة وكنا نتلهف أن نسمع عنه أي كلمة تطمئننا عليه من المحامي، إذا به يرسل رسالة يسأل فيها عن نتائج امتحانات الأولاد!!
كان يتابع تفوقهم حتى وهو في سجنه فكان يجري لهم المسابقات، ويكلفني بتسليمهم الجوائز، فقد طلب من حسن وحمزة أن يرسلا كل واحد منهما رسالة منفصلة ليرى أيهما خطه أجمل، والذي يفوز يأخذ مصروف أخيه!!

- ما هو الدور الذي لعبته أم حسن في حياة المهندس الشهيد؟
* أهم شيء كان يشغلني هو توفير الهدوء النفسي لزوجي في بيته، فلا أشغله بتوافه الأمور، أحاول قدر المستطاع تخفيف ألمه، لا أسأله عن شيء أو أرهقه بطلباتنا، لا ألومه إذا تأخر أو أبدي تضايقي من انشغاله الشديد عنا، مع أنه كان دائماً يحاول ألا يشعرنا به.

- حدّثينا عن المهندس الداعية العابد..
* لو وصفت الشهيد أبا حسن في كلمة واحدة، لقلت إن الآية (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) تنطبق تماماً عليه، فقد كان نعم الداعية ونعم المربي، كان يمارس الدعوة في كل مكان، في كل زمان، في جامعته مع طلابه، في بيته، وفي عمله ومع إخوانه.
أما عن عبادته فهي تتسم بالإخلاص والإتقان وحينما كنت أستمع لتلاوته للقرآن الكريم كنت أشعر باستمتاعه الشديد بالقراءة، وكثيراً ما كنت أحب أن أسمعه وهو يقرأ من سورتي ((ق)) و((الواقعة))..

- كيف كان يومه الأخير معكم قبل استشهاده؟
* في صباح ذلك اليوم جاءه ضيوف وأفطروا معه، وكنت مشغولة في أعمال البيت.. كان يُجلس ابنته مسك في حضنه يلاعبها ويحدثها، ثم وطلب مني أن أحضر له ((جلابية)) بيضاء، ولكنها لم تكن مهيأة للارتداء فأخذ ثياباً أخرى وانطلق بسيارته، وبعد فترة سمعنا صوت انفجار، وفوجئنا أنه هو المقصود، فأخذت أقول ((لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها))، وبدأ أبنائي يكبّرون و يهلّلون.

- كيف أثر اغتيال المهندس إسماعيل على هذه العائلة؟
* لقد ترك رحمه الله فراغاً كبيراً في حياتنا، وخاصة في المواقف التي يحتاج فيها الأطفال لوجود أبيهم معهم مثل المناسبات والأعياد، وحين يتسلمون نتائجهم الدراسية يودون لو يزفون نبأ تفوقهم لأبيهم، ولكنني أحس أنه بيننا يفرح لفرحنا ويحس بمتاعبنا. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وجمعنا به في مستقر رحمته.
 

فاطمة المقادمة / ابنة الشهيد القائد الدكتور إبراهيم المقادمة

بكر أبيها.. وحبيبة قلبه.. يصطحبها معه في مشاويره. ورحلاته مع الأصدقاء.. ولكنه غاب خلف القضبان!! فلم تعد تسكن بين أحضانه كما تعودت... وانقضت الأعوام وكبرت فاطمة وتزوجت وانتقلت إلى بيت آخر وحين عاد هرعت إلى حضنه من جديد تبثه شوق سنين طوال.
هكذا كانت حياة فاطمة وأبيها الدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة.

فماذا تقول فاطمة عن والدها وحياته العائلية؟
* تزوج والدي عام 1977 من ابنة ابن عمه حين كان يدرس الطب في جامعات جمهورية مصر العربية، فأمي ليس لها أقارب هنا في غزة.
نشأ والدي في بيئة متدينة صالحة مارست الجهاد أثناء النكبة، فقد اشترى جدي من مصاغ زوجته بندقية ليدافع بها عن قريته, ورث أبي هذا الحب للوطن والدين باكراً واشتهر بقوة الشخصية, ذكر لنا مرة أنه كان ذا توجه إسلامي بالفطرة فكان يذهب إلى المسجد وهو صغير ولم يكن أحد يؤمّ المساجد غير كبار السن بسبب الخوف من الملاحقات التي كانت تطال الإخوان المسلمين، فكانت هذه تهمة كل شاب يرتاد المساجد.

- متى اعتقل والدك أول مرة, وكيف أثّر هذا الاعتقال على نفسيتك أنت وإخوتك؟
* اعتقل والدي أول مرة في العام 84 في قضية السلاح التي اتهم فيها الإمام الشهيد أحمد ياسين وحكم عليه بالسجن تسعة أعوام قضاها جميعاً..
أذكر قبيل اعتقاله بأيام كان يشعر بذلك، أخذنا أنا وأخي أحمد إلى السوق وكان العيد على الأبواب، واشترى لنا ملابس العيد وأوصى أمي أن تلبسنا إياها لو لم يكن موجوداً، وبالفعل لبسناها بعد أسبوعين وكان معتقلاً.
كثيرة هي المواقف التي أتذكرها عن حياة أبي قبل الاعتقال الأول رغم صغر سني وقتذاك (6 سنوات)، أذكر أنني مرضت مرة وكانت حرارتي مرتفعة فكان يبدي القلق الشديد وأبى أن يذهب للنوم رغم توسلات والدتي له، فأمامه عمل صعب في الصباح، ولكنه كان يأبى إلا أن يشرف على علاجنا بنفسه.
وكان يتابع أخبار دراستنا رغم سجنه ويسأل عن درجاتنا ويفرح جداً حين يعلم أننا متفوقون أو حفظنا جزءاً جديداً من القرآن.

- بعد خروجه من السجن كيف كان يوازن بين انشغالاته الكثيرة وواجبه تجاهكم؟
* أكثر ما كان يبعده عنا هو الاعتقال وخاصة بعد خروجه من سجن الاحتلال ليسجن ويعذب ثم يطارد من قبل السلطة ثم يعود للسجن ثانية، ولكنه رغم ذلك كان يحاول أن يعوضنا أثناء وجوده بيننا عن هذا الفقدان, كنا نشعر بحبه وعطفه وحنانه، فرغم أنني متزوجة ولي عدة أطفال إلا أنني كنت أشعر أنني أعيش طفولتي مرة أخرى حين أذهب إلى بيت أبي من شدة لهفته علي, كان رحمه الله أباً مثالياً، حتى أن أولادي كانوا متعلقين به جداً وأذكر مرة أنهم أخفوا أحذيتهم حين جاء والدهم ليصطحبهم إلى المنزل، وتوسلوا إليه أن يبقوا عند جدهم (فهو يشتري لهم الكثير من الحلويات). وحين تعرض إصبع ابنتي لحادث اصطحبها إلى المستشفى بنفسه رغم خوفنا الشديد على حياته بسبب الظروف الأمنية، إلا أنه أبى إلا أن يطمئن عليها بنفسه!!
كذلك كان أخي المدلل أبو بكر والذي كان يبلغ من العمر عشر سنوات حين استشهد والدي لا يفارقه لحظة حين يكون في البيت، ويبدي الغضب من كثرة انشغال والدي وخروجه إلى عمله حتى إنه كان يمسك بطرف (الثوب) الذي كان يلبسه والدي ويصمم على الخروج معه..
كان دائماً يردد أنه يفرح حين يعود من المدرسة فيجد والدي موجوداً في البيت ويتناول الغداء معهم، وكان عمله الدعوي يقتضي منه إما أن يكون خارج المنزل وعنده اجتماع أو في المنزل مشغولاً، كذلك فكان أبو بكر يرفض الذهاب إلى الحمام حتى لا يخرج والده دون أن يراه!!
كنت قد تغيبت فترة عن الذهاب إلى بيت أهلي وإغلاق الطرق وحين وصلت وقت المغرب كان أبي خارجاً لاجتماع وحين سألته متى يعود؟؟ حدد موعداً ثم فوجئنا بعودته قبل موعده فسألناه عن السبب؟ فقال لأنه بعد أن أنهى اجتماعه دعاهم صاحب البيت لتناول طعام العشاء فاعتذر والدي لوجودي عندهم في المنزل، فقال له عمو أبو محمد (الشهيد القائد عبد العزيز الرنتيسي ) مازحاً: وأنا ابنتاي عندنا في البيت ولكني سأبقى لأتعشى!! فرد أبي: ولكن هذه فاطمة!! ولي مدة لم أرها.

- اهتمام والدك بكم تعدى الجوانب العاطفية. كيف كان ذلك؟
* رغم حنانه الشديد علينا إلا أنه كان أيضاً يهتم براحتنا في كل شيء ويهتم بتفاصيل حياتنا الصغيرة، ذكرت أمامه مرة أنه لا يوجد في بيتي ثلاجة لأحفظ بها الخضار وكنا نتحدث عن شح الخضار والسمك في السوق، ففوجئت في اليوم التالي بأخي يحضر لي ثلاجة بناء على طلب والدي, وكذلك حين تعرضنا أنا وزوجي لضائقة مالية استدان من صديق له ليساعدنا.
رحم الله والدي فقد كان مثالياً في كل شيء.
 

مريم شحادة / ابنة الشهيد القائد الشيخ صلاح شحادة

قائد الجناح العسكري لحركة حماس, إليه ينسب إعادة ترتيب صفوف كتائب عز الدين القسام وإنشاء الجيش الشعبي في بداية انتفاضة الأقصى. أقض مضاجع الصهاينة حتى اصبح المطلوب رقم واحد لجنود الاحتلال، اشتهر بإتقانه التخفي, تحدى الصهاينة ومارس حياته العادية.. تنقل في شوارع غزة على شكل رجل عجوز وكان يركب سيارات الأجرة ويدفع نقوداً للسائق. يستمع لأحاديث الناس عنه أن اليهود سيجتاحون غزة من أجله وأنه يعيش تحت الأرض!!
لم ينجب الشيخ صلاح أولاداً ذكوراً، وكان له ست بنات فقدوا الأم والأب وأختهم الصغيرة في ليلة واحدة، ومريم صلاح شحادة (20 عاماً)، التي تزوجت ورزقت هذا العام بمولود أسمته ((صلاح))، تحدثنا عن والدها الشهيد، وحياته العائلية معهن.

- سجن والدك عدة مرات وكانت أولها عام 1984، كيف كانت حياتكم في تلك الفترة؟
* حينما ولدت في 1984 سجن والدي لأول مرة ثم خرج بعد سنتين، وسجن بعدها في عام 1988 وخرج بعد أربعة عشر عاماً وكان عمري حينها 17 عاماً، فحرمت من التفوه بكلمة (بابا) في طفولتي، حيث كانت أمنية بالنسبة لي ما كادت تتحقق وأتعود عليها حتى استشهد والدي.

- حدثينا عن الشيخ صلاح شحادة الأب والزوج؟
* لقد كان أبي حنوناً جداً رحيماً وعطوفاً, أذكر عندما كنا نذهب للمدرسة -وقد كانت قريبة من بيتنا- أنه كان يقف في الشرفة ولا يغادرها حتى يطمئن أننا قد وصلنا بسلام, ذات مرة كنت أتحدث في إذاعة في المدرسة فبقي والدي واقفاً حتى انتهيت من إلقاء كلمتي، وعرفت يومها أنه كان سعيداً جداً بي.
أما أمي فكانت لا تتركه، بل تذهب معه حتى تقوم بخدمته رغم معرفتها بخطورة ذلك، لقد كانت تقسم الأيام بيننا لتعطي كلاً منا حقه. لقد كانت نعم الأم رحمها الله.

- ماذا عن ذكرياتكم مع الوالد بعد خروجه من السجن لآخر مرة وحتى وقت مطاردته؟
* لقد خرج أبي من السجن في شهر 5/2000، وطورد في شهر 3/2001، لقد كانت هذه الفترة من أجمل فترات عمرنا.. كان أبي ماهراً في الطبخ، وكان يعدّ لنا بنفسه أطايب لذيذة, أذكر مرة في شهر رمضان قام والدي بصنع عجينة القطائف وحشاها بنفسه.. لقد كانت لذيذة جداً, يومها أفطرنا سوياً. وفي رمضان كان يسهر ليقيم الليل ويتعبد.. لقد كان حافظاً لكتاب الله، وكنا نصلي معه الفجر جماعة، كانت الصلاة مع أبي تحدث في نفوسنا الخشوع والطمأنينة، وكان دائماً بعد صلاة الفجر يعطينا دروساً إيمانية تحيي فينا الهمة والأمل.. ما أروع تلك الأيام!.

- ماذا عن فترة المطاردة؟
* لقد كنا نسكن في بيت حانون عندما طورد أبي فانقطع عنا فترة طويلة ولم نعد نراه، كانت أمي فقط هي التي تراه. وبعد فترة أخذنا وسكنا عنده في غزة قرابة شهرين، ثم انتقل لمكان آخر ولم نره لمدة أربعة أشهر، في هذه الفترة زاد شوقنا لأبينا فكنا نصرّ على أن نراه، وتحقق ما تمنيناه ويومها ذهبنا عنده، وكنا نراه لأول مرة منذ أربعة أشهر أخذنا نبكي من الفرح كنت أشعر بأنه يوم عيد, أعدّت أمي في ذاك اليوم طعاماً لذيذاً وحلوى.. يومها أخذ أبي يحدثنا عن فترة المطاردة كيف قضاها، وحدثناه عن اشتياقنا، واستشرناه ببعض شؤوننا وكان هذا هو اللقاء الأخير لنا جميعاً رحمهم الله.

- ماذا تعلمت من والدك؟
* تعلمت منه الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، رحمه الله فقد كان نعم الأب والمربي والقائد.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003