فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Apr2004
PDF نسخة
البعد الإنساني
كيمياء الشهادة
شهداء في المسيرة
الاستشهاديات
أساليب الاغتيال
أهم الاغتيالات
منظمات الإرهاب
المعاني والدلالات
المناخ السياسي
رأي المرشد عاكف
كلمة  د.الزهار
حماس بعد الاغتيال
آراء المقاومة
مقابلة أبو عمرو
رأي- رأفت مرة
اعتراف إسرائيلي
أبو أيمن طه
آراء بالرنتيسي
بعيونهن: الجمالان
بعيونهن: القادة الشهداء
آراء شخصيات
قيادات جديدة
فيلم الشيخ
أناشيد في الحدث
مقابلة منشد
توثيق الأناشيد
قصائد للشيخ
مع الغروب
إلى شهيد
لوحة فنية
لوحة فنية

 

الشيخ أبو أيمن طه رفيق درب الإمام ياسين:
الشيخ أحمد كان ليّناً حليماً خبيراً بالنفوس والتعامل معها


غزة/ابتسام عبد الغني
الأستاذ محمد صالح طه ((أبو أيمن)) رفيق درب جهاد الشيخ أحمد ياسين وأحد قياديي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، رافق مسيرة الشيخ الشهيد وكان شاهداً على عظمته في فن الدعوة.
هُجّر من قريته يبنا وسط فلسطين عام النكبة ليسكن مخيم البريج وسط قطاع غزة، عمل مدرساً بمدارس اللاجئين بقطاع غزة لمدة اثنين وثلاثين عاماً، ثم تقاعد تقاعداً مبكراً بسبب ظروف ضاغطة.
درس الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، ويعمل حالياً مأذوناً شرعياً وإماماً وخطيباً لمسجد التقوى في مخيم البريج، كما يشارك في حلّ المشاكل والإصلاح بين الناس محاولاً شدّ الناس إلى أحكام الشرع الحنيف.
التقى الشيخ أحمد ياسين في البدايات، وكان لهما في مساجد الضفة والقطاع نشاطات دعوية كثيرة، وشارك الشيخ الشهيد في عمله في المجمع الإسلامي. وحين قررت الحركة الانخراط في العمل السياسي كان من السبّاقين لقيادة هذا العمل، وأصبح من أبرز قيادات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في المنطقة الوسطى بقطاع غزة.
اعتقله الاحتلال ثماني مرات، وأُبعد إلى مرج الزهور في جنوب لبنان مع مبعدي الحركة الإسلامية، كما سجن سبع مراتٍ في سجون السلطة الفلسطينية. وقد طورد ابنه ياسر عدة سنوات، وهدم اليهود بيته في مطلع شهر آذار/مارس سنة 2003 واعتُقل جريحاً مع ولده أيمن، ثم سجن مع أولاده الثلاثة، ولا يزال ابناه أيمن وعبد الرحمن يقضيان مدة حكمهما في سجون الاحتلال. واستشهد ابنه ياسر الذي كان أبرز مهندسي العبوات بكتائب الشهيد عز الدين القسام، وكان استشهاده في غزة مع زوجته وهي حامل ومعه طفلته الوحيدة أفنان في 12/6/2003 بصواريخ طائرة أباتشي.
التقينا به في منزله في مخيم البريج وكان لنا هذا الحوار.

- كيف كانت بداية التحاقك بالعمل الدعوي؟
• كانت البداية حين زارت مجموعة من الدعاة من جماعة التبليغ قطاع غزة سنة 1965، فرافقتهم عدة أيام وهم يطوفون مساجد القطاع، وشاركتهم في الدعوة إلى الله سبحانه، ثم واصلت مسيرة الدعوة بعد سفر تلك المجموعة.
- كيف تعرفت إلى فضيلة الشيخ الشهيد أحمد ياسين؟ وما هي المجالات التي عملتما بها معاً في البدايات؟
• تعرفت إليه رحمه الله رحمةً واسعةً وجمعنا به في الجنة، حين كان يطوف مساجد القطاع داعياً إلى الله سبحانه في مطلع الستينيات. فقد كان يقوم بذلك رغبة في إعادة الوعي الديني إلى نفوس الناس، ثم عملت مع الشيخ رحمه الله عضواً بالهيئة الإدارية بالمجمع الإسلامي بغزة، وترافقنا عدة مرات في جولات وعظية في قطاع غزة وفي أرض بلادنا المحتلة سنة 48.
كان للشيخ في هذه الفترة نشاط كبير في الدعوة إلى الله في كل مكان تواجد فيه، في المدرسة التي كان يعمل فيها مدرساً أو في المساجد التي كان يزورها، وكان لأسلوبه اللين وابتسامته الدائمة وتواضعه وصفحه عن الإساءة أثر كبير في جذب الناس إليه، فكان محبوباً جداً بين طلابه في المدرسة، وكذلك من يستمعون لخطبه في المساجد، فاستطاع إيصال ما يريده للناس عن طريق نشر الدعوة بالحب والتسامح. كان رحمه الله رغم إعاقته الحركية نشيطاً جداً وكان يتحرك باستمرار دون كلل، حتى أننا كنا نحن الذين نتمتع بصحة جيدة نشعر بالخجل من أنفسنا لأننا كنا أقل نشاطاً منه. وكان لا يألو جهداً في نشر الدعوة بلسانه وتصرفاته، فكان دائماً يعطي للجميع المثل الطيب والقدوة الصالحة، ولذلك كان الناس يحرصون على الاستماع لخطبته يوم الجمعة في مسجد العباس في مطلع الستينيات.
لم يقتصر نشاطه على مسجده العباس فكان يتنقل في معظم مساجد القطاع ويحرص على التواجد الدائم في كل مكان، يلتقي إخوانه ويشجعهم على الدعوة في كل بقعة يذهب اليها وكذلك كان يجتمع بالناس يحدثهم ويستمع إليهم، كان دائماً يضفي روح الدعابة إلى حديثه فتعلقت به قلوب مستمعيه.
ومن الطريف أنه في تلك الفترة في الستينيات كانت هناك عادة سيئة منتشرة بين الناس، وهي طريقة بعض المتسولين الذين يأتون للمساجد فيتحدثون عن الدين قليلاً، ثم يقوم الناس بجمع النقود لهم. وكان الشيخ في مطلع الستينات يستطيع المشي على قدميه والتحرك وحده، ولكنه كان يترنح في مشيته، وذات مرة زار في سبيل الدعوة أحد المساجد في قطاع غزة وأثناء حديثه مع الناس ظن أحد المتواجدين (بسبب إعاقة الشيخ الحركية) أنه أحد هؤلاء الذين يستخدمون هذا الأسلوب في ((الشحاتة))، فقام وهمس في أذنه ((ولا يهمك، أنا الآن سأطلب أن يجمعوا التبرعات لك!!))، فابتسم الشيخ في وجه الرجل ولم يُبدِ الغضب، بل قال بهدوء: أنا أبتغي من عملي هذا وجه الله فقط.
وأذكر أيضاً موقفاً يدل على حب الناس له وتسامحه الشديد مع الذين يسيئون إليه ما يدلّ على حلمه وخبرته بآفات النفوس، أن جاء إليه بعض الناس وكانوا قد أنشأوا مسجداً جديداً في منطقتهم، فأرادوا افتتاحه يوم الجمعه بخطبة للشيخ أحمد ياسين، فجاءوا إليه وطلبوا منه ذلك، فاعتذر أنه مرتبط بموعد آخر في مسجد آخر، وكان يجب عليهم إخباره حتى يرتب أموره ويُنيب عنه من يؤدي الخطبة.. وصمت مفكراً، فقام أحد الشباب الصغار وقال للشيخ أَعدَّ لي خطبة وأنا ألقيها بدلاً عنك في مسجد كذا. فوافق الشيخ وأعدّ له الخطبة، ويشاء الله أن يكبر هذا الشاب ليصبح مسؤولاً في هذا المسجد، فينسى فضل الشيخ عليه ويتطاول عليه حين يدخل المسجد ويقول ((كيف يأتي الشيخ ياسين إلى مسجد أنا إمامه؟ ولم يستأذنني ولم يعرض علي ما سيقوله؟))، أما الشيخ فلم يتكلم.. فأراد الحضور القيام بتأديب هذا العاقّ، ولكن الشيخ رفض ذلك وقال ((دعوه لله)). وبالفعل فقد انتقم الله منه وانفضح أمره بين الناس وزيفه وباء بسوء الخاتمة.

- كيف كانت علاقة الشيخ بإخوانه؟

• كان الشيخ رحمه الله رحيماً بإخوانه متواضع الجانب. كنا نطلب منه أن يؤمّنا بالصلاة، فكان يرفض ذلك، ورغم أننا أكدنا له أكثر من مرة أنه يجوز للمقعد أن يؤمّ الأصحاء إن كان أكثر علماً منهم، إلا أنه كان يرفض الإمامة، وكان غير حريص عليها كما يفعل البعض.
وحين كنت في الهيئة الإدارية في المجمع الإسلامي، وكان هو رئيس الهيئة، كان يستمع لآرائنا ويناقشنا في كل الأمور، ولا يتخذ أمراً دون مشورتنا. كان يثير مواضيع للنقاش يستمع لنا ويأخذ برأينا.

- بعد انطلاق الانتفاضة الأولى وتأسيس الحركة اعتقلت مع الشيخ في سجن غزة المركزي حدثنا عن ذلك؟
• التقينا في سجن غزة المركزي زمن الاحتلال في الانتفاضة الأولى المباركة في شهر حزيران/يونيو سنة 1989، وقد أخذني المحقق إلى الغرفة التي فيها الشيخ، ولسوء التقدير ظن المحقق أن الشيخ نظراً لاعتلال صحته سيقول كلاماً يفلّ عزيمتي ويضعفني بعد أن ثبتني الله سبحانه أياماً طويلة وعجزوا عن إرغامي على الاعتراف بالتهم رغم أنهم جربوا أصنافاً كثيرةً من التعذيب قاتلهم الله.
ولكن خاب فألهم، فقد انقلب السحر على الساحر، فأعطاني الشيخ دفعةً إلى الإمام، وحرضني على الثبات متحدياً المحقق عدو الله.
ولما قال المحقق: قل له يا شيخ، فليعترف أحسن له، فرد الشيخ رحمه الله: ماذا أقول له؟ كل إنسان أدرى بنفسه.. فقلت للشيخ: أيجوز يا شيخ أن يكذب الإنسان ويظلم نفسه فيقول عملت كذا وكذا وهو في الحقيقة لم يعمل؟ وهل يصح أن يظلم غيره فيدّعي على فلانٍ وفلانٍ وفلانٍ أنهم عملوا وخالفوا وهم في الحقيقة أبرياء؟
فرد الشيخ جزاه الله خيراً: لا، طبعاً، لا يجوز، الله يقويك.
هذه الكلمات الطيبة كان لها أبلغ الأثر في نفسي، وشجعتني على الثبات والحمد لله، بينما صُعق المحقق وجن جنونه، وأخذ يصيح كالمجنون بأعلى صوته: بس، بس، خلاص، خلاص.. وأخرجني من الغرفة متضايقاً ونادماً على سوء تصرفه، إذ كان الأمر والحمد لله على عكس ما دبّر وقدّر فقتل كيف قدّر.

- كيف تلقيت خبر استشهاده رحمه الله؟
• تلقيت خبر استشهاده وأنا في السجن. لا أبالغ إن قلت: إن ألمي يجلّ عن الوصف، وقد تضاعف الألم لأنني في السجن فلم أستطع أن أشارك في وداعه وتشييعه.
ولم يخفف هذا الألم إلا تذكري أن هذا أمر الله أولاً وقضاؤه ولا راد لقضائه، وأن هذا اصطفاءٌ من الله سبحانه وتشريفٌ يغبط عليه إمامنا.
كما أن تذكري أن الأجل قد انتهى وأنهم بكل صلفهم وغرورهم وحقدهم لم يستطيعوا أن ينقصوا من عمره لحظةً، وكل ما في الأمر أن الله سبحانه حباه بهذا الشرف وهذه المكانة فأخزاهم ورد كيدهم إلى نحورهم وجعل دمه لعنةً عليهم، وازداد أتباعه ومحبّوه تمسكاً بالحق وثباتاً عليه، وازداد الأنصار والمؤيدون، كل هذا ساهم في التخفيف من الألم.
يضاف إلى أسباب تخفيف الألم أملنا في الله سبحانه ألا تضيع هذه الدماء الطاهرة الزكية سدىً وأن يتقبل قتلانا جميعاً شهداء في أعلى الدرجات وأن تكون هذه الدماء الزكية ثمناً للنصر والتحرير.

- الآن وبعد استشهاد الشيخ كيف تقيّم ثمرة الجهود التي بذرها الشيخ ياسين رحمه الله؟
• رحمك الله يا شيخنا الفاضل رحمةً واسعةً وعوضنا عنك خيراً، وجمعنا بك في الفردوس الأعلى. ومن أنا حتى أقيّم ثمرة تلك الجهود العظيمة التي تجلّ عن الوصف؟؟
الله سبحانه وتعالى هو الذي يعرف قدر تلك الجهود ويكافئه ويثيبه عليها، فهو حقاً وصدقاً العطاء بلا حدود، أسأل الله سبحانه أن يجعل ذلك في ميزان حسناته وأن يعلي درجاته، فقد أثمر زرعه والحمد لله ثماراً طيبةً، ولا يزال يثمر وسيظل يثمر بإذن الله سبحانه، وسيكون من هذا الثمار الطيبة إن شاء الله النصر المؤزر، وقد بدأت تباشير ذلك والحمد لله.

 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003