|
غزة/ياسر أبو هين
أكد الدكتور زياد أبو عمرو عضو المجلس التشريعي
الفلسطيني والخبير في شؤون الحركات الإسلامية الفلسطينية أن شخصية الشيخ أحمد
ياسين وقيادته لحركة حماس من الصعب تكرارها على المستوى الفلسطيني كقائد ومفكر
وزعيم.
وقال الدكتور أبو عمرو في حوار مع ((فلسطين المسلمة)) بمناسبة الذكرى السنوية
الأولى لاستشهاد الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي، أن الشيخ وفر لحماس قدراً
كبيراً من الشعبية ومن النفوذ والنجاح، وينبغي للحركة الحفاظ عليه باستلهام
تراثه، والاستفادة من رمزيته في تعزيز مكانة الحركة ونفوذها، وفيما يلي نص
الحوار:
-بعد اغتيال الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي، هل يمكن
اعتبار ذلك بداية لمرحلة جديدة على مستوى حركة حماس؟ وهل سيؤثر غياب القائدين
في خطها السياسي والعلاقات الفلسطينية الداخلية؟
• حركة حماس بوجود الشيخ أحمد ياسين تختلف بعض الشيء عنها من دونه، لأنه مؤسسها
وزعيمها الروحي ويتسم بمجموعة من الصفات لا يتمتع بها أي زعيم آخر من زعماء
الحركة المعروفين، فالشيخ ياسين أضفى على الحركة بُعداً روحياً ودينياً، حقق
لها شعبية وامتداداً وتعاطفاً من نوع آخر على الصعيد الفلسطيني والعربي
والإسلامي والدولي، والشيخ ياسين كان معروفاً بتواضعه الجمّ وبانفتاحه على
الفئات الشعبية في المجتمع الفلسطيني، وكان بابه مفتوحاً يستطيع أي فلسطيني أن
يقابله، وقد تدخل الشيخ دوماً وساعد في حل مشكلات الناس. الشيخ أحمد ياسين
امتلك رؤية شمولية ومتكاملة لدور حركة حماس، كحركة إسلامية سياسية ووطنية، أوجد
توازناً ناجحاً بين مختلف نشاطات الحركة وعملها، إن كان ذلك على صعيد العمل
العسكري أو السياسي أو الاجتماعي أو الخيري، الداخلي والإقليمي والعالمي،
والشيخ ياسين شخصية كاريزماتية، كان يجسد التوحد والاعتدال داخل الحركة،
والانفتاح على الأطراف الأخرى الداخلية والخارجية، في شخص الشيخ ياسين اجتمعت
المقومات كلها، وغيابه ومن بعده الدكتور الرنتيسي يشكل خسارة كبرى للحركة من
الصعب تعويضها إلا بتقاسم وظيفي بين عدة أشخاص، أو بتفعيل دور مؤسسات الحركة كي
تسدّ الفراغ الذي أحدثه.
من وجهة نظر فلسطينية ومن وجهة نظر المراقب لوضع حركة حماس، مثّل الشيخ ياسين
خط التوازن في حركة حماس، أما من وجهة النظر الإسرائيلية فهو ليس كذلك، لكن
الشيخ ياسين كان مرناً وعاقلاً وواقعياً، وكان منفتحاً على الآخرين، ومن تجربتي
الخاصة ومن معرفتي به حتى على صعيد صنع القرار داخل حركة حماس، كان الشيخ يصرّ
على أن يكون القرار جماعياً داخل الحركة، وفي أكثر من موقف، عندما كان مطلوباً
من الحركة إبداء موقف أو رأي أو قرار، كان الشيخ يؤكد أن هذا القرار قرار
جماعي، ولا بد من أن يجري التشاور مع كل قيادات الحركة في أماكن وجودها، داخل
فلسطين وخارجها وفي السجون، قبل الإفصاح عن قرار محدد لحركة حماس أو إعلانه.
- دور المؤسسات هو قوة للحركة؟
• أعتقد أن من الصعب تعويض الشيخ ياسين بشخص آخر، إلا أن حركة حماس وقيادتها
ستكونان حريصتين على السير في طريقه، والاسترشاد بطريقته وبمنهجه في القيادة
والاهتمام بكل القضايا التي اهتم بها، لأن التركيز على جانب واحد من جوانب
الحركة سيؤثر في الحركة. أعتقد أن الشيخ حفظ ووفر لحماس قدراً كبيراً من
الشعبية ومن النفوذ والنجاح ينبغي للحركة الحفاظ عليه وبالتالي حماس ستستمر،
وسيكون هناك فرصة أمام قيادتها الجديدة لأن تعوض عن فقدان الشيخ ياسين باستلهام
تراثه، والاستفادة من رمزيته في تعزيز مكانة الحركة ونفوذها، وفي إمكان القيادة
الجديدة أن تُمأسِس الحركة على النهج الذي اختطه الشيخ ياسين لأنه ترك للحركة
إرثاً كبيراً وتجربة متشعبة وقاعدة قوة لا يستهان بها، والطريقة التي استشهد
بها الشيخ ياسين يمكن أن تصبح عامل قوة لحركة حماس، فالشيخ ياسين في حياته
وطريقة استشهاده أصبح يشكل رمزاً خالداً تستلهمه الحركة في حاضرها ومستقبلها،
إنه يحتل مكانة كمكانة الشيخ عز الدين القسام، ومكانة قادة إسلاميين خالدين في
تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، وفي تاريخ الجهاد والمقاومة في فلسطين.
- أين مصادر القوة في مسيرة التجربة الطويلة؟
• بمقدار ما أن هناك خسارة، هناك أيضاً رصيد تستطيع أن تتفاخر به حركة حماس
وقياداتها، لكن مستقبل الحركة مرهون بتطورات أخرى، كان غياب الشيخ ياسين أحدها
فقط وإذا ما واصلت (إسرائيل) عمليات اغتيالها للقادة المؤسسين والمقررين في
حركة حماس، كما فعلت باغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بعد اغتيال الشيخ،
فسيكون في قدرتها إرباك الحركة على الأقل لمرحلة من المراحل، لكن للحركة جذوراً
متأصلة في أوساط الشعب الفلسطيني، ولديها قاعدة قوة ومقومات للحفاظ على نفسها،
ومقومات للتجدد مصدرها تاريخ الحركة وعقيدتها ودورها وعلاقاتها داخل المجتمع
الفلسطيني، وعلاقاتها الإقليمية والإسلامية، غير أن ذلك يتطلب أيضاً –وخصوصاً
بعد اغتيال قائدين مؤسسين ومقررين من قادة الحركة في فلسطين الشيخ ياسين
والدكتور الرنتيسي- إسناداً من قيادات وتنظيمات إسلامية خارج فلسطين، وإجراء
مراجعات مدروسة وحكيمة من جانب المرجعيات القيادية العليا لحركة حماس وجماعة
الإخوان المسلمين بصورة عامة، وعلى الرغم من مكانة الشيخ ياسين ومركزيته في
الحركة فإنه لم يكن قائداً فردياً، أنا أعرف ذلك من واقع التجربة، إذ عندما
تحاورنا في أكثر من مرة من أجل التوصل إلى هدنة كنت ألاحظ كيف أن الشيخ كان
حساساً لموضوع جماعية القرار في حركة حماس، وعندما يكون الرأي شورياً والقيادة
جماعية فإن إمكانات تحاشي الأخطاء تصبح كبيرة.
- لماذا استهدفت (إسرائيل) الشيخ أحمد ياسين، وهل
المستهدف كان دوره كزعيم لحركة حماس وعنوان لها، كزعيم فلسطيني لأكبر حركات
المعارضة الفلسطينية، وما الذي استهدفته من اغتيال الرنتيسي؟
• هناك ما هو أبعد من ذلك، وهناك ما يمكن اعتباره أسباباً مباشرة، ما هو أبعد
من ذلك هو أن (إسرائيل) لا تستطيع أن تتعايش مع وجود قوة أو قدرة فلسطينية تهدد
أمنها، ومع قوة أو قدرة على المقاومة وعلى الصمود في وجه المخططات الإسرائيلية.
(إسرائيل) تريد أن تُخضِع المنطقة، دولاً وشعوباً وحكاماً، هكذا تفهم مقومات
أمنها ووجودها، فحركة حماس بقادتها وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى
والانتفاضة تشكل هاجساً وخطراً وجودياً على (إسرائيل)، لذلك هي معنية بالقضاء
على هذه القوة الفلسطينية، لا القوة الفعلية فقط، بل القوة الكامنة أيضاً،
وحماس تجسد بالنسبة إلى (إسرائيل) طبقاً لاستراتيجيتها خطراً داهماً، خطراً
وجودياً، هذا هو الهدف الأكبر، والهدف الآخر هو تصفية حماس والمقاومة، لأن
شارون بحاجة إلى تحقيق نجاح الإيفاء بما وعد به من توفير الأمن الفردي والجماعي
للإسرائيليين، حتى الآن فشل في ذلك وبدلاً من أن يوفر الأمن الفردي والجماعي
للإسرائيليين في عهده تحمل الإسرائيليون أكبر عدد من الخسائر، وكان شارون يواجه
هذا الفشل بالتصعيد ليغطي على فشله، وهو يعتقد أيضاً أنه بمواصلة العمليات
والتصعيد يستطيع أن يحقق هذا الهدف.
ثمة هدف آخر مرتبط بخطة شارون بالنسبة إلى قطاع غزة، شارون يريد أن يخضع قطاع
غزة بعد أن ((ينظفه)) من القدرة الراهنة والمستقبلية على المقاومة، إنه يريد أن
يخرج من قطاع غزة وقد قضى على فكرة المقاومة وعلى إمكانات استمرارها، لذلك
يستهدف القيادات والقدرات من دون تميز وعلى أمل أن تسلم غزة لقوى تبتعد عن خط
المقاومة، ولديها الاستعداد للتفاهم مع (إسرائيل)، طبعاً هذا بوجود المقاومة لن
يكون أمراً ممكناً.
كما أنني أعتقد أن عملية أسدود -التي وقعت قبل اغتيال الشيخ- شكلت فشلاً أمنياً
ذريعاً لـ(إسرائيل) التي زعمت طوال أعوام أنها نجحت في عزل قطاع غزة وتحييد
المقاومة المنطلقة منه، وعندما خرج شابان من غزة وقاما بعملية نوعية في مرفق
استراتيجي وحيوي كميناء أسدود اعتبر شارون ذلك ضربة كبيرة وفشلاً أمنياً
ذريعاً، استوجب رداً استعراضياً أو دراماتيكياً، وليس رداً معتاداً كعملية
اجتياح روتينية أو قتل بعض الفلسطينيين أو هدم بعض البيوت، هو أراد أن يغطي على
ذلك الفشل بعملية دراماتيكية واستعراضية، فكان الشيخ ياسين هو الهدف النوعي
الذي يحقق اغتياله ذلك.
- كيف تقيّم ردات فعل الحركات الإسلامية في المنطقة
العربية خاصة؟
• ردات الفعل كانت واسعة، فالشيخ ياسين كان مؤسساً وقائداً لحركة مقاومة
إسلامية هي حماس، هذه الحركة هي الابنة الشرعية لجماعة الإخوان المسلمين والتي
شكلت ذخراً ورصيداً لفروع جماعات الإخوان المسلمين في كل مكان. لقد استحوذت
حركة حماس على إعجاب وتقدير الجماعات الإسلامية في كل مكان، لما كانت تقوم به
من عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهي مفخرة جماعة الإخوان المسلمين في كل
مكان في العالم، ومفخرة الإسلاميين عامة، ومن هذا المنطلق تلقت الدعم المادي
والمعنوي، ولهذا السبب أيضاً كانت ردات الفعل على اغتيال مؤسسها وزعيمها الروحي
قوية في كل مكان.
- الشيخ ياسين كان زعيماً لحركة حماس في الداخل والخارج،
ولكن كيف تفسر اختيار الرنتيسي قبل استشهاده مسؤولاً للحركة في قطاع غزة فقط؟
• كان من الطبيعي أن يتم إعلان قائد لحماس في قطاع غزة بعد اغتيال الشيخ أحمد
ياسين، كي يتم تحاشي بروز فراغ قيادي، لكن إعلان خليفة للشيخ ياسين كان يستوجب
إجراء مشاورات وعملية انتخاب جديدة في أطر الحركة كلها، وبالتالي وبعدما أعلن
بشكل سريع اختيار الرنتيسي لأنه كان نائبه، جرى استدراك لهذا الموقف وأُعلن
الرنتيسي قائداً لحماس في قطاع غزة، وأُعلن الأستاذ خالد مشعل رئيساً للحركة
ورئيساً لمكتبها السياسي، أعتقد أن الحركة كانت بحاجة إلى التعامل مع أي فراغ
في هيكلية القيادة تركه غياب الشيخ ياسين، لكنني لا أعتقد أن هذه هي الصيغة
النهائية لإعادة البنية القيادية في حركة حماس، وخصوصاً بعد اغتيال الدكتور
الرنتيسي.
الشيخ ياسين كان موضع إجماع لا خلاف في شأنه كمؤسس وكزعيم من جانب كل الأطراف
في الحركة، ولا سيما أنه المؤسس للمجمّع الإسلامي وقائد جماعة الإخوان المسلمين
في قطاع غزة والمؤسس للحركة.
لكل من القادة الموجودين ميزاته لكن لا أحد منهم يمتلك كل الخصائص التي امتكلها
الشيخ أحمد ياسين، وربما أصبح هناك حاجة إلى قيادة جماعية للحركة -بعد غياب
قائدين مؤسسين ومقررين- يتم فيها تقسيم العمل وتوزيع المهمات وخصوصاً أن حركة
حماس حركة كبيرة وموجودة في كل مكان، ولها مهمات وعليها استحقاقات داخلية
وخارجية كثيرة ومتنوعة، حركة حماس ليست الجناح العسكري فحسب، وليست موجودة في
قطاع غزة فقط وهي ليست منقادة لشخص واحد وعلاقاتها لا تنحصر في إطار قطاع غزة
أو فلسطين، إنها حركة تتمتع بشبكة واسعة من العلاقات الداخلية والخارجية،
علاقات بحكومات وبجماعات إسلامية للإخوان وبحركات سياسية مع وجود فلسطيني وعربي
إسلامي، وهذا بالتالي يفرض عليها أن يكون لها سياسة أو مجموعة من السياسات
تستطيع أن تتعامل بانسجام وتكامل مع هذه المعطيات كلها، ومع هذه الأبعاد كافة،
لا يستطيع زعيم معروف بتوجهٍ ما، مثلاً كأن يكون متشدداً أو قائداً عسكرياً أن
يقود الحركة في اتجاه واحد على حساب التزاماتها ومسؤولياتها الأخرى، كان الشيخ
ياسين يقوم بكل هذه المهمات وهذه المسؤوليات المتباينة داخل فلسطين وخارجها،
بالتعاون مع إخوانه في قيادة حماس داخل فلسطين وخارجها.
اليوم هناك حاجة إلى قيادة جماعية يتقاسم فيها قادة حماس المهمات والأدوار،
والحركة بحاجة إلى خط سياسي مرن في تعاملها مع الحكومات وأيضاً علاقاتها خارج
فلسطين، أما في فلسطين، فقد تملي الأوضاع عليها أن تتبنى خطاً متشدداً في بعض
المواقف وفي بعض الأحيان، وخصوصاً في مواجهة الاحتلال، لذلك فإن الحركة بحاجة
إلى قيادة تلبي كل هذه الحاجات وهذه الاشتراطات.
- في ظل الأجواء الإيجابية التي يتم فيها الحوار بين فتح
وحماس، هل ستقبل فتح تطبيق مبدأ الشراكة السياسية الذي تنادي به حماس الآن؟
• لو كانت الشراكة والمشاركة السياسية في عملية صنع القرار والإصلاح والمعاملة
المتساوية لكل المواطنين تحققتا لما كنا في الوضع الذي نعيشه اليوم، يقع جزء من
مسؤولية ما نحن فيه على عاتق السلطة نتيجة الطريقة التي أدارت بها الشأن
الفلسطيني الداخلي، من عدم توفير المشاركة للجميع وعلى مختلف المستويات، أو على
الأقل على المستويات التي يمكن تحقيق المشاركة فيها واحترام حقوق المواطنة
المتساوية، ومن عدم القيام بالإصلاح وإجراء المحاسبة منذ البداية ومن السماح
للأخطاء بالتراكم لتنفجر في وجهنا الآن، بحيث أصبح الوضع الفلسطيني يعاني،
وأصبح من الصعب معالجة الأخطاء التي تراكمت، وخصوصاً موضوع الفساد المالي
والإداري.
وسوف ترتكب حركة فتح والسلطة خطأً فادحاً إذا حاولتا أو قبلتا العودة إلى الوضع
الذي كان قائماً قبل اندلاع انتفاضة الأقصى، من حيث استثناء قوى سياسية مؤثرة
والاستحواذ على صنع القرار وعلى الموارد، ومن حيث عدم معاملة المواطنين معاملة
متساوية، ومن حيث السكوت على تجاوزات أجهزة السلطة.
- هل تعتقد أن نتائج الانتخابات البلدية والتي فازت بها
حماس قد أثرت في الطبيعة السياسية والتعاطي مع الآخرين؟
• بالتأكيد هذه بداية وأعتقد أن انتخابات البلدية سيكون لها تداعيات ودلالات
هامة، وبالتالي نحن ندخل في مرحلة جديدة من علاقات القوة على الأرض وعلاقات
التمثيل، وأيضاً على أساس التقاليد الفلسطينية الجديدة، وهذه الروحية التي تمّ
فيها تقبّل نتائج الانتخابات هذا شيء غير مسبوق، في ظل تخوفات كبيرة ألا تجري
العمليات الانتخابية في جوٍ آمن وتخوفات من إمكانية وقوع صدامات واحتكاكات تعطل
العملية الانتخابية. ولكن ما سمعناه في آخر جلسة حوار أكدت حركة فتح التزامها
باستكمال العملية الانتخابية على كافة المستويات، بغض النظر عن نتائج
الانتخابات البلدية التي جرت.
|