|

































| |
|
حماس سياسياً وعسكرياً بعد اغتيال
الشيخين:
ثبات على المواقف وتقدّم شعبي |
القدس/مها عبد الهادي
تلاحقت بعد اغتيال قادة حركة المقاومة الإسلامية
(حماس) وعلى رأسهم الشيخان الياسين والرنتيسي عشرات التساؤلات في قلب الشارع
الفلسطيني وفي فلك العديد من الأطراف حول قدرة حماس على تجاوز تعقيدات المرحلة
بتطوراتها المتسارعة، ووضعت علامات الاستفهام حول مستقبل الحركة وإمكانيات
البقاء.
لكن حركة حماس فاجأت الكثير من الأطراف المحلية والدولية بمواقف تنمّ عن
المرونة والتماسك، وأبرزت القدرة على استيعاب المستجدات والتكيف مع الصعوبات
والمحافظة في نفس الوقت على الأهداف والثوابت الوطنية بشكل يصون الوحدة الوطنية
الداخلية، فتجربة الحركة القصيرة نسبياً بعد رحيل القادة لا يشير إلى حدوث
انشقاقات أو تراجعات أو ضعف في صفوفها أو الاتساق مع مطالب الاندماج في عملية
التسوية، بل أنها استطاعت تجاوز الكثير من الأزمات بسلام وبأقل الخسائر وحافظت
على تواجدها وتأثيرها الشعبي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما تؤكده
الوقائع في أكثر من اتجاه.
على الصعيد السياسي
أثبتت الحركة في ممارستها السياسية خلال عام تقريباً (من آذار/مارس 2004-
آذار/مارس 2005) أنها تعد نفسها بشكل كبير للصعود إلى المدار السياسي بكل ما
يتطلبه هذا الصعود من تكييفات على صعيد الخطاب السياسي، وعلى صعيد آليات
التفاعل مع القرار السياسي، بحيث يحقق لها هذا السلوك هدفين كبيرين:
الأول: أن تبقى تحت سقف البيت الوطني، وتحت سقف الشرعية الدستورية، لأن هذا
يحميها من الانفراد خارج السرب وجعلها فريسة سهلة لأعدائها.
الثاني: أن تبقى قطباً محركاً في الساحة الفلسطينية، وأن تكون مشاركتها في صنع
القرار وفي آليات تنفيذه على أعلى مستوى وبأكبر حجم من التأثير.
ويمكن إدراك هذا الفهم من خلال بعض المشاهد:
1- الاتفاق الوطني: أبرزت قيادة الحركة خلال لقاءاتها مع رئيس السلطة أبو مازن
العديد من الإشارات المتضمنة نوعاً من البراغماتية السياسية في الخطاب الحماسي
بما يتضمنه من مرونة عالية، حيث أبدت حرصها على تثبيت التهدئة، ودراسة الهدنة
وعلى ضرورة البحث مع السلطة في حال حدوث خروقات صهيونية. وهذا التطور يعتبر
خطوة جديدة مهمة إلى الأمام على طريق التوصل لاتفاق وطني فلسطيني لا يقتصر على
الهدنة، بل ويشمل كذلك تحديد الأهداف الوطنية وأشكال العمل والنضال لتحقيقها
وأسس المشاركة المستقبلية للحركة، وتعزيز الوحدة الوطنية ورفض الاقتتال الداخلي
مهما كانت الظروف والأحوال.
وهذا الموقف لحماس ليس بالجديد، فأبرز دلالة عليه ظهرت في إعلان الهدنة من قبل
حماس في حزيران/يونيو من العام 2003، والتي انهارت بسبب الدولة العبرية وذلك
بإعلان الشيخ أحمد ياسين عشية استشهاده أن حماس مستعدة لقبول قيام دولة
فلسطينية على الأراضي المحتلة العام 1967، وإعلان هدنة طويلة الأجل، وقابلة
للتمديد، والمشاركة في السلطة بكافة مؤسساتها إذا ما نفذت شروط الحركة.
ولذلك تصر حماس على التوصل إلى وقف متبادل للنار، حتى لا تحتفظ الدولة العبرية
بحقها في مواصلة العدوان العسكري والاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات، بينما
يقف الجانب الفلسطيني مكتوف اليدين.
كما تصر على أن مشاركتها في السلطة والمنظمة يجب أن تؤدي إلى مشاركة حقيقية في
القرار الفلسطيني وفي كل شؤون الحياة الفلسطينية، ولا تكون مجرد مشاركة شكلية
لا تغير شيئاً فيما يحدث في فلسطين.
ولذلك أكدت الحركة أنها كباقي الفصائل وقوى الشعب الفلسطيني، يمكنها القول إن
الحديث عن موضوع التهدئة، والهدنة، وما أعلن عنه من قبل الرئيس محمود عباس في
قمة شرم، عن وقف إطلاق النار هو سابق لأوانه، طالما أن الفلسطينيين لم يشعروا
حتى الآن بأي شيء ملموس على الأرض، لا في قضية الأسرى، ولا الانسحاب من المدن،
أو ملاحقة المطلوبين، أو رفع الحواجز.
وأشارت إلى أن ((الحديث عن هذا الموضوع مرتبط ارتباطاً كلياً وجدياً بمدى
التزام حكومة (إسرائيل) بكل الشروط والمطالب الوطنية الفلسطينية، لأنها تحظى
بإجماع كافة الفصائل)).
كما أكد الناطق الإعلامي باسم حركة حماس مشير المصري أن حماس ما زالت على
موقفها الذي لم يتغير وهو أنه لا هدنة مع الاحتلال إلا بثمن حقيقي، مؤكداً على
أن الحركة ستتعاطى مع الهدنة في حال التزام (إسرائيل) بالشروط الوطنية وفي
مقدمتها الإفراج عن كامل الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية.
2- ثبات الموقف السياسي: رغم تغير بعض الآليات، إلا أنه في الحقيقة لم يحدث أي
تغيير جذري في الموقف السياسي للحركة بعد حملة الاغتيالات بحق القادة، لأن
القرار السياسي الشوري المنتهج داخل الحركة هو نتاج جماعي.
لكن الحركة وكما يبدو بعد دراسة موضوعية لبعض القضايا بسبب طبيعة التغيرات
المحيطة، أدخلت بعض الآليات السياسية الجديدة بعد أن فهمت حماس بشكل عميق أصول
اللعبة الديمقراطية التي يجمع العالم عليها، ومن خلال هذه اللعبة –بمعناها
الإيجابي- تقدمت حماس إلى موقعها الذي تستحق، وإلى دورها الذي تريد في النظام
السياسي الفلسطيني.
وقد استطاعت حركة حماس نتيجة لهذه المواقف تنمية رصيدها السياسي في المجتمع
الفلسطيني، وفي مجال الصراع ضد (إسرائيل)؛ حتى إنها باتت بمثابة شريك، غير معلن
وغير مباشر، لحركة فتح التي اعتبرت لسنوات الحزب القائد في الساحة الفلسطينية
والمقرر الداخلي والخارجي.
وقد استطاعت هذه الحركة تحقيق هذا النجاح، بفضل عوامل متعددة، أهمها انتهاجها
خط المقاومة المسلحة، إلى جانب تبنيها لخطاب سياسي عمومي، وبراغماتي في أحيان
كثيرة وتطعيمها هذا الخطاب بمفاهيم دينية، فهذا بلا شك عزز وضع هذه الحركة في
إطار المجتمع الفلسطيني، الذي كان في قطاعاته المتدينة يفتقد لتيار إسلامي فاعل
ينتهج خط المقاومة الوطنية، وقلص من إمكانيات الإضرار بالحركة لسببين معروفين
لكل مراقب:
الأول: لأن قوة حماس على الأرض لا تتمثل بقواعد عسكرية أو مقرات يمكن السيطرة
عليها، ومحاصرتها، بل إن قوة حماس تكمن في كل بيت وحارة ومخيم وزقاق، وشارع،
ومدينة، قد امتلأت حقداً على الكيان الصهيوني، واستعداداً للموت في سبيل ذلك.
والثاني: كما تكمن قوة حماس في شبابها الذين يلهثون بحثاً عن موت مشرف. فشبابها
لا ينتظر وظيفة، ولا يتمنى متعة دنيوية، ولا يفتش عن وسائل ترفيه وتسلية، ولا
يهتم للمال.
في الجانب الاجتماعي
أما نفوذ حماس وشعبيتها المتغلغلة في أوساط الشعب في غزة فيرجع إلى أمور عديدة.
لعل أولها هو الحضور الاجتماعي الذي يتمثل في مد يد العون إلى المحتاجين
والمرضى، عبر مؤسسات الجمعيات الخيرية والمستوصفات والعيادات الصحية التي تقدم
العلاج المجاني وتثقيف الشباب عبر النوادي الثقافية والرياضية والمنابر
الإعلامية المختلفة.
فقد مارست الحركة ذلك كما يروي شهود العيان خلال العام الأخير بكل اقتدار
وشفافية ودون محسوبيات أو محاباة البعض على البعض الآخر، وهو ما دفع عامة الناس
للجوء إلى حماس ومؤسساتها للحصول على العون الذي لم يستطيعوا الحصول عليه من
مؤسسات السلطة.
ويقول العديد من المراقبين أن أهم أسباب الشعبية الواسعة التي تحظى بها حماس في
أوساط الفلسطينيين هي أن قادتها وأبناءها تبنوا مشاكل الناس وهمومهم وعملوا على
حلها منذ أمد بعيد، إذ أقاموا الجمعيات الخيرية والعيادات والمستشفيات ودور
الأيتام ودور القرآن ولجان الزكاة ورياض الأطفال، فنشروا العلم والفكر والثقافة
وحاربوا الجهل والفقر والأمراض والبطالة والفساد والانحراف، وأسهموا بذلك في
مساعدة الناس وحل مشكلاتهم.
وقد زاد من تأثير الجانب الاجتماعي تبنّي حماس للخطاب الديني في تعاملها على
جميع الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وبلا شك أن الخطاب الديني كان
العامل المؤثر في اجتذاب آلاف الأنصار وهو ما كشفته الانتخابات التي جرت
مؤخراً.
في الجانب العسكري
شكل صمود حركة حماس أمام الهجمة الصهيونية الشرسة للقضاء على الانتفاضة عامل
قوة آخر حصدته حماس على مدار العام الأخير. فقد شنت الدولة العبرية حربها
العسكرية الشرسة ضد حماس وخصوصاً في العام 2004 ودفعت حماس نتيجة لذلك ثمناً
باهظاً، حيث استشهد أكثر من 600 عنصر وكادر وقيادي عسكري وسياسي منها، من ضمنهم
قائدها ومؤسسها الشيخ أحمد ياسين، وخليفته القوي الشيخ عبد العزيز الرنتيسي،
وتم اعتقال آلاف الأعضاء والأنصار من حركة حماس.
وأضفى تعرض قيادة حماس للاغتيالات على الحركة المصداقية والثبات والإيمان
بالقضية في الشعار والممارسة. وهذا ما ظهر في التفاف الجماهير حولها في جميع
مراحل الاعتداءات الوحشية على الشعب الفلسطيني خصوصاً وأنها استطاعت رغم
الضربات الشديدة التي تعرضت لها حتى الآن الاستمرار ببرنامجها المقاوم.
فالاغتيالات –كما أثبتت الوقائع- لم تطل البنية الأساسية لأي من أذرع الحركة
وبالتالي نشاطات الحركة السياسية والعسكرية والأمنية والدعوية، لأن هذه الأذرع
تتوسع وتتطور وتتنامى مع الوقت، واستطاعت حماس إلى حد كبير تعويض ابتعادها
الطوعي عن المشاركة السياسية في سلطة الحكم الذاتي من خلال الظهور بمظهر
المدافع الوحيد عن الشعب الفلسطيني أمام استمرار الجرائم الصهيونية بحق الشعب
والأرض بتنفيذ سلسلة من العمليات النوعية، فهي لم تُخفِ في أي مرحلة نشاطها
العسكري وإصرارها على المقاومة، الأمر الذي ظهر واضحاً خلال العملية المشتركة
التي نفذتها خلايا كتائب القسام بالاشتراك مع صقور فتح مؤخراً، وتم خلالها
تفجير موقع عسكري إسرائيلي في معبر رفح عبر نفق أرضي في عملية اعتبرتها أوساط
صهيونية أنها تسجل فشلاً أمنياً لـ(إسرائيل) إضافة إلى تسجيلها عملاً فلسطينياً
مقاوماً غاية في التعقيد والنوعية.
ويقول المراقبون إنّ عمليات الاجتياح والتوغلات المتكررة التي تقوم بها قوات
الاحتلال في قطاع غزة خصوصاً بعد حملة ((أيام الندم)) مثلت فرصة سانحة لكتائب
القسام لتجريب ما توصلت إليه من صناعات جديدة، ولاختبار مدى فاعلية هذه الوسائل
القتالية الجديدة التي تبتكرها والعمل على تطويرها باستمرار.
وكان أبرز ما استخدمته حماس هو حرب الأنفاق التي تشتد وطأتها يوماً بعد يوم على
طول الشريط الحدودي بين رفح الفلسطينية والمصرية، حيث اكتشفت قوات الاحتلال
خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط اثني عشر نفقاً. وقد وصفت القيادات العسكرية
لجيش الاحتلال ظاهرة الأنفاق الفلسطينية بأنها ((أنبوب الأكسجين للنشاطات
المعادية)).
ويعتمد الفلسطينيون في قطاع غزة على الأنفاق بشكل كبير لجلب السلاح من الخارج،
كما شكل تصعيد المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس لعمليات قصفها الصاروخي
والمدفعي على المستعمرات الصهيونية في قطاع غزة وبلدة ((سديروت)) في النقب
(جنوب فلسطين المحتلة منذ عام 1948) أزمة سياسية وعسكرية صهيونية، لا سيما في
ظل الضغوط التي يمارسها المستوطنون لوقف عمليات القصف التي أصبحت توقع قتلى
وجرحى وتدميراً كبيراً أكثر من ذي قبل، حيث وصل معدل القصف اليومي في بعض
الأحيان إلى أكثر من 30 صاروخاً وقذيفة هاون، على الرغم من العدوان الصهيوني
المتواصل على شمال قطاع غزة وجنوبه لوقف عمليات القصف.
وقد بلغ عدد الصواريخ والقذائف التي أطلقتها ((كتائب عز الدين القسام)) بحسب
بيانات لها، خلال أسبوعين فقط في شهر شباط/فبراير 2005 إلى أكثر من 300، بينها
100 صاروخ من طراز ((قسام))، وأكثر من 200 قذيفة هاون.
فقد أفادت مصادر صحفية صهيونية مؤخراً أن رئيس شعبة الحماية والتحصين في قيادة
الجبهة الداخلية في جيش الاحتلال حذر من أن صواريخ ((القسام)) الفلسطينية
المحلية الصنع ستكون قادرة على قصف 46 مغتصبة صهيونية في فلسطين المحتلة عام
1948.
وقال عوزي بوخبندر أمام لجنة الداخلية البرلمانية إنه تم تجهيز خطة للرد على
التهديدات، حيث قررت اللجنة الطلب من الحكومة وضع ميزانية فوراً للخطة المقترحة
بمبلغ 70 مليون دولار، مؤكداً أن 46 مغتصبة في النقب الغربي (جنوب فلسطين 48)،
ستكون مهددة بصواريخ القسام بعد تنفيذ خطة الانسحاب.
وتشير دراسة فلسطينية إلى مدى نجاح الجانب العسكري لحركة حماس في إيقاع الخسائر
بالعدو. فوفق إحدى الدراسات التي جرت مؤخراً تبين أن ألف صهيوني على الأقل قد
لقوا مصرعهم خلال أربع سنوات من انتفاضة الأقصى وما تخللته من نشاط المقاومة
الفلسطينية، بينما أصيب أكثر من ستة آلاف صهيوني آخر بجراح، وذلك خلال العمليات
الفدائية التي نفذتها مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية.
وأوضحت الدراسة الجديدة أنّ كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة
الإسلامية (حماس) تقدمت بفارق ملحوظ على فصائل المقاومة الفلسطينية، عبر
مسؤوليتها عن إيقاع قرابة نصف هذا العدد من القتلى والجرحى الصهاينة، حسب ما
أفادت الدراسة التي أعدها الباحثان إسماعيل الأشقر ومؤمن بسيسو، والصادرة عن
المركز العربي للبحوث والدراسات بغزة، والتي تمثل الإصدار السادس ضمن سلسلة
تأريخ أحداث انتفاضة الأقصى، التي يصدرها المركز، والتي رصدت مقتل 1001
صهيونياً، وجرح 6358 آخرين، منذ اندلاع الانتفاضة في 28 أيلول (سبتمبر) 2000،
وحتى آخر أيام عام 2004. وأوضحت الدراسة، أنّ كتائب عز الدين القسام، الجناح
العسكري لحركة حماس، قد تبوّأت المرتبة الأولى في عدد قتلى الصهاينة، بواقع 465
قتيلاً، وهو ما نسبته 46.5 في المائة من إجمالي عدد القتلى، فيما حلت كتائب
شهداء الأقصى التابعة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في المرتبة الثانية
بواقع 184 قتيلاً، وهو ما نسبته 18.4 في المائة من إجمالي العدد.
كما بيّنت الدراسة أيضاً أنّ كتائب عز الدين القسام تبوّأت أيضاً المرتبة
الأولى في ايقاع الجرحى بواقع 2914 جريحاً، وهو ما نسبته 45.8 في المائة من
إجمالي عدد الجرحى الصهاينة.
وخلال السنة الأخيرة 2004 فقط سقط 153 قتيلاً صهيونياً، أي ما نسبته 15.3 في
المائة من إجمالي عدد القتلى، و947 جريحاً، وهو ما نسبته 14.9 في المائة من
إجمالي عدد الجرحى.
في مجال الانتخابات
منذ أن اتجهت حماس بتيارها الرئيسي إلى الاندماج في النظام السياسي الفلسطيني،
ثم مشاركتها في الانتخابات المحلية، والسعي الحثيث للمشاركة في الانتخابات
التشريعية وبالتالي دخول السلطة والمنافسة عليها من بابها الواسع، منذ ذلك
الوقت، بدأت حركة حماس بتحقيق المزيد من المكاسب سواء على الصعيد المحلي أو
الصعيد السياسي إقليمياً ودولياً، حيث استطاعت حركة حماس أن تكشف عن وجه آخر
لها غير الذي كان يشاع عنها من قبل الآخرين، فهي خاضت انتخابات هادئة، وإيجابية
وعالية الانضباط، كما أنها فور تسلمها البلديات التي فازت فيها، كشفت عن قدرة
هائلة على التكيف، والاقتراب من الناس عبر الخدمة في الميدان والإفصاح عن
المزيد والمزيد من الرغبة في تحسين الخدمة العامة، وفي المساهمة في تنفيس
الاحتقان الاجتماعي.
وكما تشير الأرقام فقد فازت حماس في الدورة الانتخابية الثانية للمجالس البلدية
والمحلية الفلسطينية والتي جرت في بعض مناطق قطاع غزة بنسبة لم تتوقعها أوساط
فلسطينية، حيث تجاوزت النسبة الـ70% من المعدل العام لمن أدلوا بأصواتهم في هذه
الانتخابات، والتي قاربت نسبة المشاركة فيها الـ90% ممن يحق لهم الاقتراع.
والأهم من حدوث هذه الانتخابات هو قياس الأبعاد السياسية لهذا الفوز في واقع
فلسطيني كلٌ يدعي تمثيله، فالأرقام المتاحة للمرحلة الأولى لهذه الانتخابات،
والتي شارك فيها أكثر من (85%) من أصحاب حق الاقتراع- بعكس الانتخابات الرئاسية
التي جاءت هزيلة ولم يشارك فيها أكثر من (44%)- فإن هذا يشير إلى فوز غير عادي
لحركة حماس، وتؤكد النتائج أنها قوة لا يستهان بها ولا يمكن لطرف محلي أو
إقليمي التقليل من وزنها، وهذا يبرر بالتالي حقها بالمطالبة بإشراكها بالقرار
السياسي الفلسطيني، وحصولها على نسبة مؤثرة في منظمة التحرير الفلسطينية، إذا
ما تعذرت الانتخابات الشاملة في الداخل والخارج لتكوين أطرها؛ كذلك يشير فوز
حماس إلى تأكيد الشارع الفلسطيني على تمسكه بالمقاومة على الرغم من أحاديث
المراقبين عن إنهاك وتعب الشارع وتململه من انعكاسات صواريخ القسام، فمثلاً
فازت حماس في أكثر المناطق تضرراً من قضية الصواريخ، وهذا يعكس أن العدوان
الصهيوني لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج متذمرة أو ناقمة من الصواريخ المستخدمة،
كما يتوقع الإسرائيليون وروّج الكثير من الساسة العرب والفلسطينيين.
والحقيقة أن فوز حماس بهذه النسبة لم يكن بالأمر المستجد، فالمتفحص للانتخابات
الجامعية والنقابية الجديدة والقديمة في الضفة الغربية وقطاع غزة كان يجد
بسهولة أن قوائم حركة حماس كانت تحصل على نسبة تفوق الـ(40%)، لكن طمس هذه
النتائج وغيابها عن وعي الرأي العام جاء بسبب بروز حركة حماس كحركة عسكرية
فلسطينية مقاومة فاعلة، مع أنها من أكثر الحركات الفلسطينية انتشاراً في صفوف
الفعاليات النقابية والاجتماعية، ولكن مقاطعة حماس للانتخابات التشريعية
والرئاسية الماضية، وبعدها الرئاسية الجديدة، أدى إلى تشويه مواقفها وأدى إلى
تقليص غير حقيقي لحجمها في الشارع الفلسطيني.
وعموماً يمكن القول أنه فوز يجدر التوقف أمامه وقراءته بتأنٍ، لعدة أسباب أهمها
أن حركة حماس لـم تعد مجرد لاعب رئيسي خارج الـملعب السياسي؛ بل إنها مؤثر فاعل
في مجريات العمل السياسي، وثانياً أن حماس سوف تخوض تجربة جديدة طالـما حلـم
بها قطاع واسع من الشعب الفلسطيني وهي استلام السلطة، ولكن هذه الـمرة على
الـمستوى الـمحدود، حتى اللحظة على الأقل.
وأخيراً إن هذه النتائج عززت وكما يبدو ميل تيار ((الإسلام السياسي)) وخصوصاً
حركة حماس من المشاركة الجدية في الحياة السياسية عبر صناديق الاقتراع، وعلى
كافة المستويات، وهذا وإن كان يطرح تحدياً جدياً وتنافساً ديمقراطياً أمام
القوى السياسية الأخرى، فإنه يطرح على هذا التيار وخصوصاً حركة حماس إعادة
النظر بالمسؤوليات الجديدة الملقاة على عاتقها، بعد أن حمّلها الشعب هذه
الأمانة، كيف لا وحماس حازت على تفويض كامل لبرنامجها السياسي المتمثل في
مقاومة الاحتلال، وموقفها من جملة الاتفاقيات السابقة والمزمع عقدها مع العدو
الصهيوني. بمعنى أن أي اتفاق لا ترضى عنه حماس ومن معها من القوى الإسلامية
والوطنية لن يمرّ. وكذلك سيكون لحماس شأن كبير في دعم اجتثاث الفساد وتثبيت
دعائم الإصلاح كما يراه الشعب الفلسطيني. وكذلك هذا الفوز يلقي على الحركة
مسؤولية خوض الانتخابات التشريعية، وما فوزها في الانتخابات المحلية إلا مؤشر
على فوزها في الانتخابات القادمة. وقد يوظف هذا الفوز في حفظ التوازن على
الساحة السياسية الفلسطينية، وتشارك في صنع القرار الذي يحفظ للشعب الفلسطيني
حقوقه التاريخية وعدم التخلي أو التنازل عن أي من الثوابت الفلسطينية.
|
| |
|