الأستاذ محمد مهدي عاكف
المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين(ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ
أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران: 169)
لقد فقدت الأمّة في مثل هذه الأيام أخوين كريمين مجاهدين، عاشا بالإسلام
وللإسلام، الشيخ الشهيد أحمد ياسين، والأخ الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي،
على يد حكومة السفاح شارون الذي أشرف بنفسه على العمليتين، ولطخ يده بدمائهما
الزكية.
إن الشيخ الشهيد أحمد ياسين، برغم ما أصابه من شلل، نذر نفسه لدعوة الله –تبارك
وتعالى– فلم يكن شيخاً عادياً يلقي موعظته، ويمضي، فقد كان يربي بالقدوة، وهي
منهج في التربية له حظه الأوفى في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وصحبه
الكرام.. وكان –رحمه الله– شعلة متقدة من الإيمان النقي تضيء أينما حلّت، فكان
مربياً بسمته الإيماني الوضاء، وبخلقه النبوي الرفيع، وبورعه الذي يندر أن يعرف
في هذه الأيام.
لقد نجح الشيخ في تربية أهله، فجعل منهم أسرة مسلمة مجاهدة، ونجح في إلزام نفسه
بالابتعاد عن الشبهات، ونجح في تربية جيل جهادي يعجز عن تربيته كبار المربين في
الأرض، فقد تربى هذا الجيل في أتون المعركة، وتخرج في مدرسة الجهاد التي بناها
الشيخ الشهيد.
إن حياة الشيخ ياسين، وشهادته في سبيل الله لتمثل الأنموذج العملي، والرمز الذي
يكاد يغيب في واقعنا اليوم، فقد قدّم للأمّة دروساً عظيمة في الاستعلاء
بالإيمان والثبات والتضحية والفداء، مؤْثراً ما عند الله على ما عند الناس، ومن
هذه الدروس:
1. درسٌ لشباب هذه الأمّة أن يتخذه قدوة ومثالاً لهم في حياتهم، فقد كان للأمّة
مدافعاً عن قضيته ووطنه ودينه، فيجب أن يكون استشهاد الشيخ ياسين عند الشباب
نقطة تحول ودافعاً لتصحيح كثير من سلوكياتهم، فإنه رغم عجزه البدني، إلا أنه
طلّق العجز، وتزوج الحماس، فأنجب كتائب عز الدين القسام.
2. يجب أن يتعلم الشباب من استشهاد الشيخ ياسين، أن يكون لهم هدف في الحياة،
يسعون لتحقيقه تجاه ربهم وتجاه دينهم، بل تجاه الإنسانية كلها (وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ
الرَّحِيمُ) (الروم: 4-5).
3. ودرس لكتائب المقاومة الفلسطينية المجاهدة من حماس والجهاد وغيرهما، تحميساً
لهم أن ينهضوا جهاداً في سبيل الله لمجابهة أعداء الله –الصهاينة- الذين يقتلون
أبناءنا، ويهدمون البيوت، ويرملون النساء، عسى الله تعالى أن يرزق إخواننا
فتحاً قريباً، ونصراً مؤزراً، يعز الله به الإسلام وأهله، ويذل به كل متجبر
عنيد.
4. وفي استشهاد الشيخ ياسين وقفة لمن لا يرى جدوى من العمليات الاستشهادية، وأن
المفاوضات هي الحل، فالأمة في حاجة إلى تنوع أشكال الجهاد، فنحن في حاجة إلى
الجهاد العسكري، وهي اللغة التي يفهمها الصهاينة، وفي حاجة إلى الجهاد
الدبلوماسي إن صاحبه إخلاص لله، ووفاء للوطن، وجهاد فكري وثقافي، وجهاد
اقتصادي، فمعركة التحرير لإعادة الأرض المغتصبة لم تنته بعد، ومازالت مستمرة .
5. ودرس للسلطة والفصائل الفلسطينية كافة أن تتكاتف فيما بينها، وأن يجتمعوا
على كلمة سواء، خدمة لقضيتهم، وأن يذكروا قول ربنا (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا) (آل عمران 103) وليعلم شبابنا في فلسطين
–بكافة فصائله واتجاهاته– أن هناك قضايا كثيرة يمكن أن يلتقي حولها، وإن كانت
هناك اختلافات في جوانب أخرى، فليكن التعاون في المتفق عليه مع العذر في
المختلف فيه.
رحم الله الشيخ الشهيد أحمد ياسين، فقد كان عالياً في حياته وفي مماته.
رحل عنا –أيضاً- الأخ المجاهد الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، بأيدي الصهاينة
الغادرين، وهو علم من أعلام الحركة الإسلامية في فلسطين، وأحد مؤسسي حركة
المقاومة الإسلامية (حماس)، وكان قائداً شجاعاً اتصف بالجرأة والصلابة في قول
كلمة الحق.
كانت بصمات هذا القائد حاضرة في شخصيته التي تبدو علماً على جيل جديد من القادة
الفلسطينيين، فقد كان يرى –رحمه الله– المقاومة دلالة على صدق الإيمان، ويدرك
أن الإيمان وقود للمقاومة.
لقد كان الأخ الرنتيسي نموذجاً للداعية المجاهد الذي يعي دوره وما يدور حوله،
فثبت وصبر حتى لقي ربه شهيداً محتسباً، وكان من ثوابته أنه لا تنازل عن شبر من
فلسطين لأنها أرض إسلامية، وأن اختيار المقاومة هو الاختيار الوحيد الكفيل
باسترداد الحقوق المغتصبة..
رحم الله الأخ القائد عبد العزيز الرنتيسي وتقبله في عليين مع النبيين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
|