|
خطوة على الطريق..
تكتبها جهاد
الرجبي
العطر في وطني.. دم الشهداء! والوجه نور
تسكبه السماء.. فافتح للنشيد قلبك حين تصغي، فالكلمات كتبت بالدم، وبالدم ارتقى
لله الدعاء..
وليتك رأيت البحر حين سبّح وهلل! والموج من فوقه موج يباركه، ومن فوق لآلئ
الموج قمر يطل من خيمته وقد علقت بها الأشلاء، عين على رجال خرّوا لله ساجدين
شكراً، وعين على الغزاة وهم في ليل صدورهم يلطّخون الأرض بخبث رحيلهم!
عرفوا الأرض تمقتهم فزرعوها بالسم وهم يغادرون، في عيونهم دمع كذب وعلى وجوههم
تعابير مرسومة بالطلاء، هم من كتبت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله،
تدور عليهم دائرة السوء وتلقي بهم في عتمة أفئدتهم لتسلبهم الرجاء.
أرأيت إن كنت على مقربة من ذاك الصغير وهو يقف على الرمل الحارق حافياً وفي
عينيه وهج الشمس خيوطاً من ذهب.. أرأيت إن كنت تصغي لأمه وهي تخاطب طيف أبيه من
خلف الغبار وبين أضراس الجوع بلا سقف أو مأوى:
- لم يذهب دمك هدراً! جُدْتَ بدمك فجادت الأرض بالرفض!
- من الماء إلى الماء! أخبري الصغير بأني اخترت أن أكون فُتاتاً لأضم في قبضتي
وطني.. من الماء إلى الماء.
- لكنهم يرحلون! ما كنت أصدقك حين كنت تروي حكاياتك عن غد نحياه في بيوتنا مع
الشمس.
- لا تصدّقيهم لا يزال أمامنا الكثير.
سخياً على وجنتيها تقافز الدمع وهي تتشبث بطيفه وهو يتلاشى:
- الفجر على مقربة!
- الفجر في الصدور.
- ولدك يغادره الكلام، يقف بالباب يراقب الصمت بصمته.. وأنا يخيفني الصمت! قبل
أن تغادرنا صمتّ طويلاً، ثم عدت إلينا أشلاء.
- لا تخافي! دعيه يراقب فجره! لا تفسدي عليه صفاء روحه، ودعيه يمضي..
- إلى أين؟
- وحده سيعرف الطريق.
- لا أريده فُتاتاً!!
- وهل رحلوا بغير فُتات الشهداء؟
- ولكنهم يبتلعون الضفة! ويصادرون القدس التي مت من أجلها!
- ليظل البحر حراً، دعي الصغير يتحسس سبيل الشهداء!!
اغرورقت عيناها بالدمع وهي تفقد طيفه، ثم التفتت إلى الصغير، فأتاها صوته غير
بعيد:
- هل سيعودون؟
- من يدري؟
- ألسنا أحراراً الآن؟
كانت متعبة، جائعة، ولا سقف يستر حزنها حين قالت وهي تحضنه بما تبقى من القلب:
- تلك خطوة على الطريق.
- هل يراهم أبي وهم يغادرون؟
سحبت من الهواء نفساً عميقاً، ثم أمسكت بيده وسارت باتجاه البحر..
على الطريق استمعت للكثيرين! يحملون لبعضهم الأخبار، يحللونها، يستقرأون الغد
من عبارات الحاضر التي حملتها الشوارع ونشرات الأخبار اليومية..
تصغي بصمت وهي تشد على يد صغيرها.. وتدور رأسها بالأفكار، فلا أحد يثق بعدو
يتلوّن كحرباء، وبراعٍ يضم لقطيعه حُماةً من ذئاب تشبه الكلاب غير أنها بلا
وفاء.. تدور رأسها بالأفكار وتتساءل إن غادر العدو ليشتعل الرصاص في الداخل
ويراق الدم الفلسطيني بيد فلسطينية، فتكتمل الحكاية بضياع الغاية وتشتت
الأهداف.
تتنفس بصعوبة، تتنهد لعل الصخر يتزحزح عن صدرها غير أن طفلها يصرخ وأمامه
البحر:
- انظر إليهم يا أبي! إنهم يغادرون! دمك أخافهم! وغداً يخيفهم دمي! إني أسمعك
كل يوم تؤذن لصلاة لا تنتهي! فانظر إلي لترى كم يلزمني من العمر لينحني صوبي
الرصاص، فتهتز الأرض لدمي وتنحني.. انظر إلي يا أبي!
مذهولة ضمته إلى صدرها.. وعرفت في أولى لحظات الاحتراق بأن الزمن لا يعود إلى
الوراء!!
|