الأمين العام لحزب العدالة
والتنمية المغربي الدكتور سعد الدين عثماني:
إرادة الشعوب الرافضة للتطبيع أقوى من استبداد حكامها
نمثّل القوة السياسية الثالثة وأوروبا لا تمانع في ترؤسنا رأس حكومة
الدوحة/علي الرشيد
يعتبر حزب (العدالة والتنمية) المغربي ذو التوجه الإسلامي القوة الحزبية
الثالثة في المغرب بعد فوزه بـ 42 مقعداً في الانتخابات التشريعية الأخيرة عام
2002. ((فلسطين المسلمة)) حاورت الأمين العام للحزب الدكتور سعد الدين العثماني
أثناء زيارته لقطر للوقوف على رأي حزبه من قضايا الساعة.
- بداية هل لكم أن تعطونا لمحة تاريخية عن حزبكم وموقعكم
الحالي في الساحة السياسية المغربية؟
• يعود حزب العدالة والتنمية في أصله إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية
الديمقراطية الذي أسسه الدكتور عبد الكريم الخطيب عام 1967، لكن نظراً لمقاطعته
الانتخابات فترة طويلة بقي مهمشاً في الساحة إلى أن التحقت به مجموعة من الشباب
الإسلامي المنتمي إلى حركة التوحيد والإصلاح، وانطلاقاً من اتفاق مع الخطيب تم
إحياء الحزب في الساحة السياسية. استمرت إعادة البناء منذ 1992 إلى العام 1996
حين عقد أول مؤتمر استثنائي اندمجت فيه قيادات من حركة التوحيد والإصلاح داخل
حزب الحركة الشعبية. وفي سنة 1997 شاركنا في أول انتخابات نيابية ففزنا آنذاك
وحصلنا على تسعة مقاعد، ثم تم تغيير مسمى الحزب عام 1997 إلى حزب العدالة
والتنمية. وفي العام 2002 فاز الحزب باثنين وأربعين مقعداً وأصبح بذلك القوة
السياسية الثالثة في البلاد رسمياً. ولكن الحزب اعتذر عن المشاركة في حكومة
التناوب التي كان يرأسها عبد الرحمن اليوسفي بالرغم من أنه اختار أن يساند
الحكومة بما أسماه الحزب (المساندة النقدية)، ثم قرر الحزب الخروج والانضمام
إلى المعارضة لأن الحكومة لم تستجب للحد الأدنى من تطلعات الشعب المغربي وما
وعدت به في البرنامج السياسي.
عارض الحزب مختلف السياسات الحكومية التي تتنافى مع المرجعية الإسلامية وتناقض
مصلحة البلاد. ومن هنا عارض الحزب ما سمي من قبل حكومة التناوب السابقة مشروع
خطة إدماج المرأة في التنمية، فتقرر تشكيل لجنة ملكية لمراجعة مدونة الأحوال
الشخصية والتي انتهت أعمالها في مدونة الأسرة. كما عارض الحزب كثيراً من
السياسات المرتبطة بالإدارة والفساد الإداري في الحكومة وعجزها عن تحقيق الحد
الأدنى من العدالة الاجتماعية الضرورية.
- كيف تصفون علاقتكم بالممثليات الدبلوماسية والأحزاب
ومؤسسات المجتمع على المستوى الأوربي والأمريكي؟
• ازداد الاهتمام الغربي بحزب العدالة والتنمية مع الانتخابات البلدية نتيجة
للموقع الذي احتله الحزب في تسيير العديد من البلديات. ونحن أيضاً تجاوبنا مع
هذا الاهتمام ونعتبر الجهات الأوروبية والأمريكية بحاجة إلى معرفة حزب العدالة
والتنمية حتى لا نترك لبعض خصومنا الذين يسعون إلى تشويه صورة الحزب وخطابه أن
يؤثروا في القرار السياسي لدى الغرب. لذا تقرر تواصلنا معهم، ولقاءاتنا مع
الدبلوماسيين الغربيين متواصلة.
نعتقد أن نهج المصارحة هذا هو الأجدى بعيداً عن المداراة والنفاق الذي يؤثر على
المصداقية، فمن يكتم مواقفه أو يداريها فإنه يدفع الآخرين إلى التشكيك في خطابه
حول إذا ما كان مبنياً على قناعات حقيقية أم يبحث عن مكاسب ومطامع.
ثم انتقلنا إلى مرحلة أخرى من خلال القيام بزيارات متعددة لدول مختلفة لإيجاد
صلات مع أحزاب سياسية سواء كانت عربية أو مسلمة أو أوروبية، وقد قمنا بزيارة
ناجحة لإسبانيا ضمن وفد كنت أحد أعضائه حيث حققنا هدفين أساسيين، أولاً: توضيح
المواقف الحقيقية لحزب العدالة والتنمية من الإشكالات المطروحة بين المغرب
والاتحاد الأوربي وبين المغرب وإسبانيا، سواء فيما يتعلق بالهجرة السرية أو
العلاقات الاقتصادية والتنمية الاجتماعية داخل المغرب أو الاتفاقيات القديمة
التي تتطلب تجديدها وغيرها من الملفات.
ثانيا: الدفاع عن مصالح المغرب، فنحن حزب مغربي ويمكن أن نقوم بالدفاع عن
المواقف الثابتة للمغرب مثل قضية الصحراء الغربية وبيان أخطار الانفصال الذي
تدعمه جهات خارج المغرب، والدفاع عن وحدة التراب المغربي ووحدته شعباً وأرضاً،
وكذلك المصالح الاقتصادية للمغرب.
- هل تعتقدون أن الغرب مهيأ لتقبل فكرة توليكم الحكومة
في المغرب فيما لو أوصلتكم صناديق الاقتراع لها في الفترة القادمة؟
• على الأقل الأطراف التي التقينا معها في الدول المتعددة لا تمانع ذلك، فالفكر
الأوروبي تطور في الآونة الأخيرة نتيجة لأحداث ما بعد احتلال العراق، وتبين لهم
أن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي تتبنى الخط الوسطي والاعتدال مثلها مثل
الأحزاب الأخرى يمكن أن تساهم بفعالية في نهضة مجتمعاتها ومعالجة مشكلاتها. بل
أكثر من ذلك فأوروبا أدركت أن هذه الحركات أكثر تمثيلاً للشعوب من كثير من
الحركات الأخرى العلمانية التي راهنت عليها في العقود الماضية. واكتشفت أن كل
ما وعدت به تلك الأحزاب العلمانية أصبح سراباً لأنها تنطلق من فرضيات وخلفيات
أيديولوجية أكثر من كونها تنطلق من نظرة علمية موضوعية واقعية تروم تطوير
مجتمعاتها، حيث أدخلت هذه التيارات ذات الخلفية الأيديولوجية بلدانها وعلاقاتها
مع الغرب في نفق مسدود، لذا تعالت صيحات كثيرة في الغرب للتعاون مع الحركات
الإسلامية المعتدلة للخروج من هذا المأزق. وتجربة حزب العدالة والتنمية تندرج
في هذا الإطار بحكم ما تتميز به من الأخذ بمنهج الوسطية والالتزام بمبدأ التدرج
ثم الإيمان بالمصالح المشتركة.
- كيف تقرأون خروج الاحتلال الصهيوني من غزة، وما هي
انعكاساته على المقاومة في فلسطين؟
• لا شك أن خروج الكيان الصهيوني من غزة يشكل انتصاراً للمقاومة ولانتفاضة
الشعب الفلسطيني المباركة. فعلى الرغم مما تعرض له الشعب الفلسطيني من تهجير
وتعذيب وتقتيل، استطاع أن يصمد ويُنهك الآلة العسكرية المحتلة وأن يكبدها خسائر
مادية ومعنوية وسياسية لا تطيقها. ولذلك فقد خرج الاحتلال يجر أذيال الخيبة،
ولكنه بالطبع يحاول محاولة يائسة إيهام المجتمع الدولي أنه ينسحب انسحاباً من
جانب واحد ليجمل صورته أمامه. ولذلك فلا بد من تحية المقاومة الفلسطينية بمختلف
فصائلها على إنجازها الرائع الذي ما هو إلا حلقة من حلقات تحقيق أهدافها إن شاء
الله.
وأعتقد أن هذا الانسحاب سيكون له انعكاس إيجابي على القضية الفلسطينية، لأنه
سيضمد ولو جزئياً جراح أهالي الشهداء، وسيرفع معنوياتهم داخل فلسطين وخارجها.
إنه بصيص الأمل في زمن الصعوبات والنكسات. والتحدي الآن هو اتفاق مختلف فصائل
الشعب الفلسطيني على خطة الاستمرار في الطريق، حتى لا يستغل الكيان الصهيوني
الأمر ليمدد استيطانه في أماكن أخرى، وليتم بناء الجدار العازل، وحتى لا يقع في
شراك تطبيعه مزيد من الأنظمة والمؤسسات العربية. إنها المقاومة على مختلف
الأوجه الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها.
- تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي عن عزم دول عربية تطبيع
علاقاتها مع بلاده بعد انسحاب الكيان الصهيوني من غزة كيف تنظرون إلى هذه
الخطوة؟
• عودنا الوزير المذكور إكثار التصريحات المماثلة بين الفينة والأخرى. وأظن أن
ذلك يدخل في حملة لدفع مزيد من الدول العربية والإسلامية للمضي في طريق
التطبيع. ونحن نعتبر تطبيع أي دولة عربية أو إسلامية علاقاتها مع (إسرائيل)
طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني، ودعماً اقتصادياً وسياسياً للاحتلال، ومجازاته
على استمراره في ممارساته القمعية ضد الشعب الفلسطيني. ومن جهة ثانية يمكن
اعتبار مثل هذا التصريح طريقة يحاول بها شارون وقاية نفسه من هجوم شريحة كبرى
من الإسرائيليين الرافضين لخطة الانسحاب، وذلك بإظهار كثرة إيجابياتها وثمارها
على (إسرائيل).
يجب أن تستمر عملية التعبئة ضد كل المحاولات في هذا المجال. والقرارات العربية
لا تزال تمنع أي شيء من ذلك. ويجب أن تستمر الهيئات والمنظمات الشعبية
والمتخصصة العاملة في مقاومة التطبيع في عملها إلى حين الحصول على الحقوق
الفلسطينية كاملة إن شاء الله.
- ما رؤيتكم لمشروع الاحتلال الأمريكي في العراق في ضوء
التطورات الأخيرة؟
• يتأكد للجميع أن الاحتلال الأمريكي خطر على العراق وعلى ثرواته وحضارته
وتاريخه وثراته، وبالتالي على مستقبله. والأمريكيون من أجل ذلك هدموا كل أركان
الدولة، وشجعوا على خلق الطائفية بين مكونات الشعب، تمهيداً لضرب وحدة العراق
السياسية والجغرافية والاجتماعية.
واضح أن الإدارة الأمريكية تملك أهدافها التي تلتقي جميعها عند التحكم
الاستراتيجي في سياسة المنطقة وثرواتها، وأيضاً بما يضمن لها حماية أمن
(إسرائيل) ومصالحها. ولهذه الأهداف تأثير ساحق خطير على مصالح الأمة الإسلامية
على المدى المتوسط والبعيد. كما أن لذلك علاقة مباشرة بمحاولات جهات في الإدارة
الأمريكية الاستفراد بالتحكم في العالم، وتدمير كل من تُسول له نفسه الوقوف في
وجهها. لكن أكبر تأثير للظلم الأمريكي في المنطقة هو زيادة الكراهية للإدارة
الأمريكية ولأمريكا بين الشعوب العربية والإسلامية، وبروز مقاربات متشددة أو
متطرفة في مقاومة ذلك الظلم. وتتحمل الإدارة الأمريكية كامل المسؤولية في نشوء
هذا الفكر واتساع نطاق تلك الكراهية.
- هل تعيش الإدارة الأمريكية حالياً مأزقاً حقيقياً؟
• أعتقد أن الإدارة الأمريكية تجد نفسها اليوم في مأزق حقيقي يفوق المأزق
الفيتنامي في العقد السادس من القرن الماضي. ولذلك فهي تتأرجح بين استمرار
الاحتلال لضمان تحقيق أهدافها الاستراتيجية من العدوان على العراق، وبين سحب
جنودها تجنباً لمزيد من الغرق في الوحل العراقي.
وقد اعترفت جهات متعددة من الخبراء والسياسيين الأمريكيين بأن تكلفة الاحتلال
عالية جداً بسبب ضغط المقاومة العراقية المستمر. ويبدو أن الكونجرس نفسه قد
شدّد ضغوطه على البيت الأبيض لسحب القوات الأمريكية من العراق، فهناك حديث عن
مشروع قرار يحمل الرئيس بوش على تقديم جدول زمني لذلك قبل نهاية السنة الحالية،
وينص على بدء الانسحاب سنة 2006. كما أن هناك مشروع قرار ثانٍ يطالب الرئيس بوش
بتقديم استراتيجية للنجاح فى العراق خلال فترة الثلاثين يوماً التي تلي إقراره
من قبل الكونجرس. ومن جهة أخرى فإن ضغط الرأي العام الأمريكي سيزيد في الفترة
المقبلة، وخصوصاً مع التعبئة المتزايدة لأمهات وعائلات القتلى الأمريكيين في
العراق.