بانتظار صدور تقرير لجنة التحقيق
الدولية في جريمة اغتيال الحريري:
لبنان يدخل مرحلة جديدة والضغوط الدولية تزداد لنزع سلاح المقاومة
بيروت/قاسم قصير
يشهد الوضع اللبناني في هذه المرحلة تطورات سياسية وأمنية متسارعة منذ اغتيال
الرئيس رفيق الحريري والتداعيات التي نتجت عن ذلك، وخصوصاً الانسحاب السوري من
لبنان وزيادة الضغوط الدولية لتنفيذ القرارين 1559 و1614.
ورغم أن الانتخابات النيابية الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فؤاد
السنيورة ساهمتا في إعطاء قوى المقاومة وخصوصاً حزب الله حماية سياسية وشعبية
عبر المشاركة المباشرة في الحكم، فإن ذلك لم يؤدِ إلى توقف الضغوط الدولية لنزع
سلاح المقاومة ونشر الجيش اللبناني على الحدود ومتابعة ملف سلاح المخيمات
الفلسطينية.
على صعيد لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري فقد بدأت
تبرز تداعياتها الأمنية والسياسية من خلال توقيف المسؤولين السابقين للأجهزة
الأمنية (اللواء جميل السيد، اللواء علي الحاج، العميد ريمون عازار، وقائد لواء
الحرس الجمهوري مصطفى حمدان) وذلك بتهمة التخطيط وتنفيذ عملية الاغتيال، وكذلك
مباشرة القاضي ديتليف ميليس سماع عدد من المسؤولين الأمنيين السوريين والذين
كانت لهم مهمات مباشرة في لبنان.
ورغم أن القاضي ميليس والقضاء اللبناني لم يؤكدوا مسؤولية المسؤولين الأمنيين
اللبنانيين عن جريمة الاغتيال لحين انتهاء المحاكمة، فإن توقيفهم والاشتباه
بوجود دور لهم في العملية ترك انعكاسات سياسية عديدة وازدادت المطالبة باستقالة
الرئيس إميل لحود وبدأت الاتصالات والمشاورات للبحث عن رئيس جديد للجمهورية،
رغم أن بعض الأطراف السياسية اللبنانية وخصوصاً حزب الله والعماد ميشال عون
والبطريرك مار نصر الله صفير دعوا إلى ((عدم البحث في ملف رئاسة الجمهورية قبل
انتهاء التحقيق الدولي وصدور الحكم النهائي)).
لكن هذه الدعوة لم تمنع الأطراف الدولية والعربية وبعض الأطراف اللبنانية للبدء
بسلسلة مشاورات ولقاءات في باريس ونيويورك والرياض ولندن لدراسة الأوضاع
اللبنانية، والتحضير لمرحلة ما بعد صدور تقرير القاضي ميليس والمتوقع صدوره في
أواخر شهر تشرين الأول/نوفمبر الحالي.
مؤتمر لدعم لبنان
وفي هذا الإطار انعقد في نيويورك المؤتمر التأسيسي لمجموعة العمل الدولية لدعم
لبنان بحضور رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة والأمين العام للأمم المتحدة
كوفي أنان ووزراء خارجية أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا ومصر
والسعودية وممثل الاتحاد الأوروبي.
وأعلن هذا المؤتمر التحضير لانعقاد مؤتمر موسّع لدعم لبنان في أواخر العام
الحالي. كما دعا للالتزام بالإصلاح السياسي وتطبيق القرار 1559، ووقف تدخل
الدول الخارجية في الشؤون اللبنانية، في إشارة غير مباشرة إلى سوريا.
وقد أثار هذا المؤتمر بعض المخاوف في بيروت من أن يكون مقدمة لزيادة الضغوط على
حزب الله لسحب سلاح المقاومة ولنشر الجيش اللبناني على الحدود. ورغم أن رئيس
الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أكد عدم وجود أية شروط سياسية أو ضغوط دولية
لعقد هذا المؤتمر، فإن ما تضمّنه البيان الختامي والتصريحات التي أطلقتها وزيرة
خارجية أمريكا كونداليزا رايس ووزير خارجية فرنسا فيليب دوست بلازي حول ضرورة
تطبيق القرار 1559 وعدم التدخل السوري في الشؤون اللبنانية، تؤكد أن المرحلة
المقبلة ستشهد المزيد من الضغوط الدولية على لبنان لاستكمال تطبيق القرار 1559
وخصوصاً فيما يتعلق بنزع سلاح المقاومة وسلاح المخيمات الفلسطينية، وإن كانت كل
الأطراف الدولية والإقليمية واللبنانية تؤكد أنه لا يمكن تنفيذ ذلك إلا من خلال
إجراء حوار لبناني داخلي والوصول إلى توافق لبناني في هذا المجال.
وقد برزت أيضاً بعض المعطيات التي تشير لاحتمال حصول تطورات معينة على صعيد
الانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا وإطلاق الأسرى اللبنانيين من السجون
الإسرائيلية ووقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية وذلك كتمهيد
للمطالبة بتنفيذ بقية بنود القرار 1559. وهذه الملفات ستشكل أحد أبرز التطورات
في الشهرين المقبلين.
لجنة التحقيق الدولية
أما على صعيد لجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس فإنها
أصبحت محور الاهتمام السياسي والدبلوماسي اللبناني والدولي وذلك نظراً لما
ستتركه نتائج التحقيق من انعكاسات هامة لبنانية وخارجية.
وقد بدأت بعض هذه الانعكاسات تبرز بعد توقيف المسؤولين الأمنيين وكشف السرية
المصرفية عن عدد من الشخصيات السياسية والأمنية والإعلامية اللبنانية والسورية،
كذلك لشمول التحقيقات الكثير من الشخصيات وبعض العاملين في جمعيات دينية كانت
على صلة بالأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية.
وقد كثرت التسريبات الإعلامية والسياسية والدبلوماسية حول ما سيتضمنه تقرير
لجنة التحقيق والنتائج المتوقعة.
وفي حين تشير الأوساط القريبة من تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي إلى
نتائج خطيرة للتقرير على صعيد الوضع في لبنان وسوريا، فإن بعض القوى والشخصيات
الأخرى دعت إلى عدم استباق التحقيق وإطلاق النتائج وانتظار التقرير النهائي
والمحاكمات التي ستجري.
كما شهد لبنان وسوريا نقاشاً وسجالاً واسعاً حول مخاطر تسييس التحقيق الدولي
ونتائجه، لأن لذلك انعكاسات خطيرة في إطار المشروع الأمريكي الذي ينفذ في
المنطقة وخصوصاً ضد سوريا وقوى المقاومة. كما عمد بعض الإعلاميين اللبنانيين
إلى التشكيك بعمل لجنة التحقيق الدولية وإبراز الدور الإسرائيلي في تقديم
معلومات للمحقق الدولي.
وفي هذا الوقت بدأ القاضي ميليس (رئيس لجنة التحقيق) بعقد سلسلة لقاءات مع
شخصيات أمنية سورية كان لها دور بارز في لبنان وذلك لمعرفة الدور السوري في
لبنان، وسيكون لهذه اللقاءات انعكاسات هامة على مجريات التحقيق، خصوصاً في ظل
سعي البعض للتأكيد على وجود دور سوري في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري رغم
نفي المسؤولين السوريين لذلك.
التطورات المستقبلية
على ضوء هذه المعطيات سواء لجهة التحرك الدولي لدعم لبنان في نيويورك أو على
صعيد تطورات التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وزيادة الضغوط
لتنفيذ القرارات الدولية وخصوصاً القرارين 1559 و1614، فإن الوضع اللبناني يعيش
مرحلة صعبة في ظل استمرار التفجيرات الأمنية وانتشار موجة من الإشاعات عن وجود
مخطط لاغتيال عدد من الشخصيات السياسية والدينية اللبنانية، وكل ذلك أدى لإشاعة
أجواء من القلق والخوف لدى الأوساط اللبنانية وحالة من الترقب والانتظار لما
ستؤول إليه التطورات المقبلة.
ولذلك تتوقع المصادر السياسية المطلعة في لبنان أن تشهد الأيام المقبلة المزيد
من المفاجآت السياسية والأمنية، مما سيجعل كل الملفات مفتوحة للبحث والحوار
وخصوصاً مستقبل رئاسة الجمهورية واحتمال استقالة الرئيس العماد إميل لحود،
والعمل على انتخاب رئيس جديد بعد حصول توافق دولي وإقليمي ومحلي على ذلك.
ورغم أن البعض يعتبر أن المطلوب انتظار نتائج لجنة التحقيق، فإن الجميع يشعر
أننا سنكون أمام مرحلة جديدة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تطورات غير تقليدية
فيما يتعلق بالوضع اللبناني أو على الصعيد السوري. ومن هنا فإن القوى السياسية
اللبنانية ولا سيما القوى الإسلامية معنية بدراسة هذه التطورات والاستعداد
للتعاطي مع المتغيرات الحاصلة والانعكاسات المتوقعة لها وخصوصاً على صعيد
مستقبل المقاومة وسلاح المخيمات.
وسيكون العمل لحماية الوحدة الوطنية والوحدة الإسلامية أحد أبرز التحديات التي
ينبغي العمل من أجلها. وخصوصاً في ظل الخوف المتزايد من حصول فتنٍ مذهبية أو
طائفية وعودة بروز بعض الشعارات التحريضية.