العلاقات الباكستانية – الصهيونية:
لقاءات سرية
استمرت أعواماً ستنتهي بالاعتراف بذريعة المصالح
واشنطن/ د. أسامة
عبد الحكيم
نقلت وكالات الأنباء خبر المصافحة التي تمّت بين الرئيس الباكستاني برويز مشرف
ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وﺫلك على هامش اجتماعات الدورة الـ60
للجمعية العامة للأمم المتحدة. ورغم وصف هـﺫه المصافحة بالتاريخية إلا أنها لم
تكن مفاجئة كما كانت المصافحة التي تمت بين خورشيد قاصوري وزير خارجية باكستان
وسيلفان شالوم - نظيره الإسرائيلي في إسطمبول بداية أيلول/سبتمبر الماضي. أما
المفاجأة الأكبر فقد كمنت في وساطة رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي
المحسوب على التيار الإسلامي في بلاده لها. ولم تكن هاتان المصافحتان في الواقع
سوى تتويجاً لسلسلة لقاءات تمت على مستويات مختلفة بين ممثلي الجانبين خلال
العقود الأخيرة.
كانت باكستان محط أنظار الحركة الصهيونية فور إعلان استقلالها، فقد اجتمع حاييم
وايزمان أحد زعماء الحركة الصهيونية العالمية مع ظفر الله خان أحد الزعماء
الباكستانيين في نيسان/أبريل من عام 1948. وبعد إعلان دولة (إسرائيل) بيوم واحد
أرسلت الحكومة الإسرائيلية رسالة إلى محمد علي جناح عارضة فيها الاعتراف بها،
إلا أن تلك الرسالة لم تلق اهتمام الرئيس الباكستاني وبقيت في الأدراج. وعاد
ظفر الله خان واجتمع مع أبا إبان، وزير خارجية (إسرائيل)، عدة مرات في مقر
الأمم المتحدة وفي واشنطن خلال عامي 1952 – 1953. فقد كان ظفرالله خان من أنصار
الواقعية في التعامل السياسي، لـﺫلك فإقامة علاقات مع الدولة الصهيونية لم يكن
ليشكل قلقا بالنسبة له. وفي العام 1958 اجتمع ﺫو الفقار علي بوتو رئيس الوزراء
الباكستاني السابق مع شبطاي روزين الضابط والسياسي الإسرائيلي الشهير. وفي نفس
العام اجتمعت البيجوم لياقات علي خان – زوجة أول رئيس وزراء باكستاني وسفيرة
بلادها إلى أمستردام مع حنان سيدور السفير الإسرائيلي هناك. كما اجتمع أحمد
كمال سفير باكستان السابق في الأمم المتحدة مع جاد يعقوبي سفير (إسرائيل) لدى
المنظمة الدولية في العام 1994. واجتمع ضباط مخابرات إسرائيليون وباكستانيون في
فيينا لتنسيق الحرب على السوفييت في أفغانستان – كما ﺫكرت صحيفة ((ﺫي نيوز))
الباكستانية في سبتمبر 1995. وﺫكرت تقارير أخرى عن اجتماعات عديدة تمت بين
الجانبين لتنسيق الحرب على ((الإرهاب)) كان أهمها اجتماعاً عقد في الفلبين عام
1996. وكان أشرف قاضي -السفير الباكستاني في واشنطن- على علاقة دائمة بممثلي
المنظمات اليهودية فيها وكـﺫلك كانت خليفته في المنصب السفيرة عبيدة حسين.
والتقى إسرائيل يوآف مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية بممثلين باكستانيين
سراً مرات عديدة. وخلال الحرب الأفغانية كان لـ(إسرائيل) مكتباً سرياً في إسلام
أباد. ورعت مراكز دراسات وأبحاث غربية بالدرجة الأولى، العديد من اللقاءات بين
باحثين من باكستان و(إسرائيل) بهدف الوصول إلى قواسم مشتركة لتحديد مستقبل
العلاقات بين بلديهم. ولم تكن هـﺫه الاتصالات لتتم دون الحصول على تعليمات
وأضواء خضر من الإدارات الباكستانية المتعاقبة. ولم تنقطع تصريحات القادة
الباكستانيين التي تحمل في طياتها نية الاعتراف بـ(إسرائيل) وخاصة في العقود
الأخيرة. فقد لمّح لـﺫلك ضياء الحق وبنازير بوتو ونواز شريف. ولعب ضياء الحق
دوراً بارزاً في إعادة مصر إلى المنظمات والمؤسسات التي طردت منها نتيجة
توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد وتجلى ﺫلك الدور أثناء انعقاد قمة الدول الإسلامية
في المغرب عام 1984.
بين بيريز وبرويز
وكان الحدث الأبرز في سلسلة اللقاءات التي تمت بين الباكستانيين والإسرائيليين
هو مصافحة برويز مشرف للسياسي الإسرائيلي المخضرم شمعون بيريز أثناء لقاء دافوس
العالمي في سويسرا في كانون الثاني/يناير من عام 2004 ومخاطبته له بـ((يا
عزيزي)). وكانت حرارة اللقاء والمصافحة كافية على ما يبدو لإﺫابة الجليد في
العلاقات بين البلدين، لدرجة أعرب خلالها مشرف عن قبوله دعوة بيريز لزيارة
(إسرائيل) بعد إقامة علاقات دبلوماسية بين بلديهما. ولم يأتِ ﺫاك اللقاء من
فراغ أو ضمن ((دبلوماسية الصُدف)) كما يمكن تسميتها، إنما جاء تتويجاً لسياسة
مشرف القاضية بإعادة تقييم السياسة الباكستانية تجاه دولة (إسرائيل) بعقلية
مفتوحة، على حد وصفه.
كانت أولى خطوات مشرف في هـﺫا المجال هي تعيين منسق للإشراف على ملف العلاقات
الباكستانية – الإسرائيلية. وقد وقع الاختيار على الجنرال جهنجير كرامات قائد
الأركان السابق وأحد أقرب المقربين لمشرف. وقد شارك كرامات بنفسه في العديد من
اللقاءات مع الإسرائيليين من خلال عمله كرئيس لمعهد أبحاث السياسة في إسلام
أباد وكسفير لبلاده في واشنطن وزياراته البحثية لمراكز دراسات أمريكية مثل:
بروكنجز، ستانفورد والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. وكان الدبلوماسي
الباكستاني أشرف قاضي المبعوث الدولي الحالي إلى العراق هو الشخص الثاني الـﺫي
كلفه مشرف بتنسيق المباحثات مع الجانب الإسرائيلي. وكخطوة ثانية بدأ مشرف
بإطلاق تصريحات صحفية أعلن فيها نيته الاعتراف بـ(إسرائيل) وإقامة علاقات معها.
وغالباً ما كان مشرف يلقي هـﺫه التصريحات عشية زياراته لأوروبا والولايات
المتحدة. كما استغل مشرف الإعلام المحلي لسَوْق التبريرات التي يأمل من خلالها
تهيئة الرأي العام الداخلي لقراره بالاعتراف بـ(إسرائيل). وصرح متسائلاً
((لماﺫا لا تكون لنا علاقات مع (إسرائيل) الدولة التي لم تقع بيننا وبينها حرب
في الوقت الـﺫي لنا فيه علاقات مع الهند التي وقعت بيننا وبينها ثلاث حروب؟))،
وفي لقاء صحفي أجري معه بداية أيلول/سبتمبر قال مشرف إنه ((لماﺫا عليه أن يكون
فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين أنفسهم أو كاثوليكياً أكثر من البابا؟)). لا بل
اعتبر مشرف أن التحالف الاستراتيجي بين الهند –العدو اللدود لباكستان–
و(إسرائيل) مردّه عدم وجود علاقات بينها وبين بلاده. وقام مشرف بتوجيه الدعوة
إلى عدد من مسؤولي الجالية اليهودية في الولايات المتحدة واستقبل في إسلام أباد
كلاً من جاك روزين وفيليب باوم وديفيد تويرسكي الـﺫين وجهوا الدعوة له للحديث
أمام المجلس اليهودي العالمي وهو ما تمّ على هامش زيارته لنيويورك في
أيلول/سبتمبر الماضي. استمر الغزل الباكستاني بـ(إسرائيل) حين وصف مشرف شارون
بأنه جندي عظيم وقائد شجاع لاتخاﺫه قرار الانسحاب من غزة.
الأهداف الإسرائيلية
ركزت (إسرائيل) خلال الفترة الماضية على أن باكستان ليست عدواً لها، وإنها دولة
مهمة في محاربتها لما اصطلح على تسميته بالإرهاب العالمي، لـﺫلك فالدولتان
حليفتان طبيعيتان في الحملة تلك، ولا يوجد ما يحول دون قيام علاقات طبيعية
بينهما وفق الرأي الصهيوني. وهكـﺫا تسعى (إسرائيل) من وراء علاقاتها مع باكستان
إلى تحقيق أهداف عديدة أهمها اختراق ثاني أكبر دولة إسلامية سكانياً، وهو ما
سيمكنها من استغلال ﺫلك في جملة علاقات عامة ستقود كما يعتقد الدبلوماسيون
الإسرائيليون إلى إقامة علاقات مماثلة مع دول أخرى مثل بنغلادش، إندونيسيا
وماليزيا في الفترة المقبلة. كما تسعى (إسرائيل) لتحقيق بعداً جيوستراتيجياً
تسعى من خلاله لإحكام وجودها في منطقة جنوب شرق آسيا على حدود أفغانستان وآسيا
الوسطى وإيران. وتبدي (إسرائيل) أهمية قصوى لتواجدها المستقبلي على الحدود
الإيرانية لما تمثله الأخيرة من تهديد محتمل لها. ولا يشك أحد في نيّة
(إسرائيل) التركيز في تواجدها العلني على التجسس على دول المنطقة بما فيها
باكستان ﺫاتها واستهداف برنامجها النووي والبرنامج الإيراني خاصة بعد ما تردد
عن مشاركة باكستان في تصدير تقنية نووية لها (لإيران). وتنظر (إسرائيل) إلى
باكستان على أنها سوق استهلاكية مستقبلية لصادراتها المختلفة.
الأهداف الباكستانية
أما باكستان فترى أن علاقاتها بـ(إسرائيل) ستعود عليها بفوائد جمّة أهمها
الحصول على المساعدات الأمريكية. وكان الرئيس جورج بوش الابن قد وعد الرئيس
برويز مشرف خلال لقائهما في كرافورد العام الماضي بمنح باكستان ثلاثة مليارات
دولار خلال خمس سنوات، وتم ربط ﺫلك كما ﺫكر باعتراف باكستان بـ(إسرائيل). كما
تأمل باكستان بالتأثير على علاقات (إسرائيل) بالهند أو تحييدها من حلبة الصراع
بين الطرفين. وتقول باكستان إن إقامة علاقات بين الدولتين سيحميها من ضربة
استباقية تستهدف منشآتها النووية قد تقوم بها الهند أو (إسرائيل) أو كلاهما
معاً. إضافة إلى ﺫلك ترى باكستان أنه سيصبح بإمكانها الحصول على الأسلحة
المتطورة من الولايات المتحدة و(إسرائيل) دون أن يشكل ﺫلك خطراً على مصالحهما
في المنطقة. وتريد باكستان من خلال إقامة هـﺫه العلاقات كسب ود اللوبي اليهودي
في الولايات المتحدة. كما تريد أن تبرهن على أنها حلقة أساسية في التحالف
الدولي لمكافحة ((الإرهاب)) وخاصة بعد أن ظهر أن منفـﺫي تفجيرات لندن الأخيرة
كانوا قد التحقوا بمدارس في باكستان. وهناك هدف آخر يسعى مشرف شخصياً إلى
الاستفادة منه وهو تأمين سيطرته الداخلية واستمراره في الحكم. ويدرك مشرف أن
هـﺫه الاستمرارية لا يمكن أن تدوم دون الرضى الأمريكي الـﺫي لن يأتي بدوره دون
الرضى الإسرائيلي. ويرى مشرف أن محاربته للتيار الديني في بلاده بحاجة إلى
((خبرة إسرائيل)) ومعلومات أجهزتها الاستخبارية.
ولكن هل تنطبق حسابات الحقل مع حسابات البيدر وفق منطلق برويز مشرف؟
لا يبدو أن ﺫلك المنطق صحيح بحال من الأحوال فـ(إسرائيل) لن تضحي بعلاقاتها
وتحالفها الاستراتيجي مع الهند لأجل باكستان، وإﺫا كانت (إسرائيل) تتجسس على
باكستان وهي لا تقيم علاقات معها فكيف وقد أحضر برويز مشرف الدب إلى كرمه. ورغم
سمو العلاقات بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) تقوم الأخيرة بالتجسس على
الولايات المتحدة فهل سيتم توفير باكستان؟ ثم هل استفادت الدول التي أقامت
علاقات مع (إسرائيل) كمصر والأردن وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية من علاقاتها
معها؟ وهل وفرت أمريكا وربيبتها (إسرائيل) الاستمرارية في الحكم لمعاوية ولد
سيدي أحمد في موريتانيا -رغم ارتمائه في أحضانهما- حتى توفراها له؟
موقف المعارضة الباكستانية
كانت الجماهير المسلمة سواء في باكستان المستقلة أو قبل الحصول على الاستقلال
وما زالت مؤيداً رئيسياً للقضية الفلسطينية. وقد وقفت الرابطة الإسلامية التي
كانت تنادي باستقلال مسلمي الهند ضد وعد بلفور (عام 1917) الـﺫي دعا لإقامة
دولة لليهود في فلسطين. وما زال الشعب الباكستاني ينظر بقدسية إلى القضية
الفلسطينية وخاصة مدينة القدس التي يرى أنها جزء من عقيدة المسلمين. ومع ﺫلك لا
يبدو أن المعارضة الداخلية في باكستان ومنها الإسلامية قادرة على ثني الرئيس
مشرف عن قراره أو حتى التأثير عليه. فقد استبق مشرف ﺫلك بشل حركة المعارضة من
خلال تعديله للدستور وحل بعض الأحزاب وتسليط سيف تهمة التعامل مع الإرهابيين
على رقبة المعارضين لسياسته. ولن يختلف أسلوب تعامل المعارضة الباكستانية عن
أسلوب مثيلاتها في الدول التي سبق وأقامت علاقات مع (إسرائيل)، إﺫ ستكتفي
بالتنديد والاستنكار والدعوات للمقاطعة دون أن يكون لها تأثير عملي.
الرئيس مشرف ماضٍ في خطواته تجاه (إسرائيل) والتي يقول أنها جاءت بعد إجرائه
مشاورات مع زعماء عرب وفلسطينيين، فهل نلومه أم نلوم أنفسنا؟
??
??
??
??