الاستيطان في الأغوار: حقيقته وأهدافه
د. رائد نعيرات
رئيس قسم العلوم السياسية – جامعة النجاح
منذ اليوم الأول للوجود الصهيوني في فلسطين، عمدت الحركة الصهيونية إلى توسيع
نطاق العمل الإحلالي للعنصر الصهيوني بدل السكان الأصليين، إلا أنه ومنذ عام
1967 وبعد احتلال الضفة الغربية تمّ الشروع في ما سمّي مشروع الاستيطان والذي
بدأ بسلسلة أهداف يقبع على رأسها: محاولة تهويد المكان الفلسطيني عبر إحلال
العناصر الصهيونية داخل الوسط العربي الفلسطيني، خلق الحقائق على الأرض والتي
من شأنها أن تجعل الكلمة العليا بيد الجانب الإسرائيلي في حالة طرح أي حل، حيث
إن عملية الاستيطان منحت الجانب الإسرائيلي فرصتين في أي عملية تسوية، الفرصة
الأولى وهي استبعاد موضوعة الأراضي المحتلة عام 1948 من أي مفاوضات، والثانية
تكمن في أن أي عملية تفكيك للمستوطنات تعتبر تنازلات من قبل الجانب الإسرائيلي.
إلا أنه ونتيجة للتغيرات المحلية والعالمية أصبح الاستيطان في الضفة الغربية
يلعب دوراً مميزاً، ومن أهم هذه الأدوار عرقلة إقامة دولة فلسطينية مستقلة حتى
على الأراضي المحتلة عام 1967. وقد أخذ هذا الدور في الوضوح العلني بعد خطة
شارون في الانسحاب من غزة حيث إن التصور الشاروني أصبح يعيد القضية الفلسطينية
إلى حلبة التصور الليكودي المتمثل في الإدارة العربية للمناطق الفلسطينية وليس
منح السيادة للشعب الفلسطيني، وقد أصبح هذا المشروع يجري في مصبه السياسي
والفلسفي بعد تطبيقه في غزة، لذا تزامنت فكرة الانسحاب من غزة مع إعلان الحكومة
الإسرائيلية توسيع الاستيطان في منطقة الأغوار حيث اتخذت اللجنه الوزارية
للشؤون الاقتصادية في اجتماعها المنعقد في 21 تموز/يوليو 2005 جملة من القرارات
ومن ضمنها: استثمار 85 مليون شيكل لتطوير القطاع الزراعي في منطقة الأغوار خلال
الأعوام 2005-2008، والاستمرار في دعم المتزوجين حديثاً في منطقة الأغوار خلال
العام 2006، ومساعدة مستوطنات شمال البحر الميت بتخصيص ميزانيات للبنى التحتية
وإدراج ذلك ضمن ميزانية العام 2006 مع ترك المبالغ مفتوحة.
كما كشف وزير الزراعة الصهيوني يسرائيل كاتس عن خطة استيطان جديدة في مناطق
الأغوار وتسمى بخطة الاستيطان الثلاثية والهادفة إلى توسيع الاستيطان في الضفة
الغربية والأغوار وتكلف نحو 120 مليون شيقل، والتي كما قال كاتس سترصد لزيادة
عدد المستوطنين والمشاريع الزراعية في الضفة والأغوار. وجاءت تصريحات كاتس هذه
بعد فشل قمة عباس شارون حيث قال ((إن الرد على من يؤوي الإرهاب يكون بتطوير
الاستيطان اليهودي، وذلك حتى يتمكن أبو مازن من رؤية غور الأردن مزدهراً من
شباك المقاطعة)).
الأغوار.. لماذا؟!
ومن خلال هذه التصريحات تكمن العقلية الصهيونية في التعامل مع القضية
الفلسطينية من فرض الحقائق على الأرض. كما كشفت صحيفة ((يديعوت أحرونوت))
العبرية أن حكومة شارون خصصت 30 مليون شيقل مساعدات وهبات مالية لتوطين الجنود
الذين سرحوا من الخدمة العسكرية. كما كشفت الصحيفة أن خطة الاستيطان في الأغوار
تهدف إلى بناء ما يقارب 50 وحدة إسكانية على الأقل سنوياً في منطقة الأغوار.
وأوضحت أن الخطة الاستيطانية هذه تعتبر تمهيداً لبناء الجدار الفاصل بشقه
الشرقي والذي سيبتلع ما نسبته 25% من مساحة الضفة الغربية.
ويبقى السؤال القائم لماذا الاستيطان في الأغوار، وصرف كل هذه المبالغ في هذه
الفترة في الوقت الذي يفكك به الجيش الإسرائيلي المستوطنات في قطاع غزة؟
والحقيقة أن هناك سببين يجعلان الحكومة الإسرائيلية تُقدم على هذا الموضوع؛
الأول: وهو أيديولوجي بحت حيث إن الحكومة الإسرائيلية تريد أن تثبّت في عقلية
الجمهور الإسرائيلي وبالذات المتدينين أن الانسحاب من غزة لا يعتبر خسارة كبيرة
ويندرج فقط ضمن الأجندة السياسية ولا يعني التراجع الأيديولوجي، حيث إن
الانسحاب من غزة يأتي على حساب الضفة الغربية وبالتالي لا تريد الحكومة
الإسرائيلية الحالية أن تتناقض مع ذاتها، فشارون يعتبر أبو المستوطنات في الضفة
الغربية وهو الآن يفكك مستوطنات القطاع. أما السبب الثاني والذي لا يقل أهمية
عن السبب الأول بل إنه يفوقه أحياناً وهو سياسي من الدرجة الأولى إذ تهدف الخطة
الشارونية الجديدة إلى منع قيام أي دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل ولديها
قابلية الحياة، وذلك لما تلعبه الأغوار من دور استراتيجي في الجيوسياسيا
الفلسطينية، إذ تبلغ مساحة الأغوار 2400 كم ويبلغ عدد السكان الفلسطينيين فيها
50 ألف نسمة. وتعتبر مناطق الأغوار سلة الغذاء الفلسطينية حيث جودة التربة
واعتدال المناخ، وكذلك احتوائها على مخزون مائي جوفي، ينابيع وتربة خصبة تصلح
للزراعة في كافة المواسم وتمتاز بجودة منتوجاتها من المحاصيل البعلية والمروية.
كما أنها تشتهر بالزراعة النوعية والتي تستغلها (إسرائيل) الآن للتصدير إلى
الخارج كزراعة التوابل والزعتر والأعشاب الطبية.
أهداف واسعة
أما من الناحية الأخرى فإن منطقة الأغوار والتي تشكل ما نسبته 30% من مساحة
الضفة الغربية تعتبر مستقبلاً الإمكانية الوحيدة من الناحية الجغرافية لأي توسع
سكاني فلسطيني أو لإقامة المشاريع الكبرى هي التي بحاجة إلى مساحات كبيرة من
الأراضي، لذا وبالتأكيد فإن حرمان الفلسطينيين من هذا المخزون الاقتصادي وكذلك
من المساحات الأرضية والتي هي عملياً ما تبقى من الضفة الغربية لا يعني إلا
شيئاً واحداً وهو عدم قدرة الشعب الفلسطيني على بناء دولة فلسطينية ناجحة
وقابلة للحياة مستقبلاً. ونتيجة لكل هذه المعطيات عمدت الحكومات الإسرائيلية
ومنذ اليوم الأول إلى محاولة تنويع الاستيطان في منطقة الأغوار ليلبي حاجات
الكيان الصهيوني أولاً، وليضاعف من عدم إمكانية الاستفادة الفلسطينية ثانياً.
فعمدت الحكومات الإسرائيلية إلى زراعة الأغوار بالمستوطنات، إذ تشير الإحصائيات
إلى وجود 23 مستوطنة رئيسية في الأغوار، تتنوع ما بين المستوطنات الزراعية
كمستوطنة (محولا) التي تعتبر أول مستوطنة زراعية في الضفة الغربية، و(أدمجان)
التي لا تبعد سوى 7 كم غربي نهر الأردن، ومستوطنة (جلجال) التي تعتبر محطة
حديثة للتجارب الزراعية والعديد من هكذا نوع من المستوطنات. أما النوع الآخر
وهو المعسكرات ومنها معسكر بلاس ومعسكر حمدات وناحل واسيخوت. كما قامت الحكومة
الإسرائيلية باتخاذ عدة خطوات منها الإعلان عن المناطق المحاذية لنهر الأردن
مناطق عسكرية مغلقة وحصر البناء الفلسطيني في 11 تجمعاً سكانياً. إذن وبناءً
على ما ذكر فإن الخلاصة المهمة التي يمكن أن تقود لها عملية البحث في موضوع
الاستيطان في الأغوار مفادها محاولة الحكومة الإسرائيلية تحقيق الأهداف
التالية:
حرمان الشعب الفلسطيني من أحد أهم موارده الاقتصادية والمائية، محاولة منع قيام
أي دولة فلسطينية مستقلة ولديها إمكانية الحياة مستقبلاً، تثبيت الفلسفة
الليكودية فيما يخص المناطق المحتلة والمتمثلة في منح السيادة للدول العربية
وليس للشعب الفلسطيني مستقبلاً، حيث إن عدم إمكانية قيام دولة مستقلة يعني
البحث عن البدائل والتي بالتأكيد ستكون إما الضم وإما الإدارة المشتركة، كما
حدث في القطاع مع أن الموضوع هنا مختلف بعض الشيء، إن الإعلان عن المشاريع
الجديدة في توسيع الاستيطان في الأغوار لا يعني إلا ترسيخ العقلية الصهيونية
الإقصائية والتي قد تقدم تنازلاً في جانب لتبتلع الجانب الآخر.