بيانات ومواقف تدعو إلى عدم
استخدامه
السلطة تصرّ على جمع الأسلحة لكنها تصطدم بالواقع والرفض
القدس/مها عبد الهادي
لم تكن العلاقة بين السلطة الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأكثر
حساسية ودقة وبحاجة إلى وضع خطوط عريضة لاستراتيجيات التعامل مع بعضهما مما هي
بحاجة إليه الآن بعد الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة، خصوصاً بعد بروز عدد من
نقاط الاحتكاك الحاسمة بينهما.
فالمشهد الفلسطيني الذي رست بعض معالمه البارزة في قطاع غزة كان يقول بوجود
حالة تخوف لدى الطرفين مما قد يقود إليه تصرف الآخر بعد الانسحاب، الأمر الذي
ضاعف من أزمة الثقة بين حماس وقادة السلطة الفلسطينية ومن ورائها حزب السلطة
ممثلاً بحركة فتح، حتى أن الموقف بين الطرفين تعدى لغة الحوار السلمي المدني
إلى إشكالات واشتباكات أحياناً. وفي حالات أخرى كثيرة بقي الحوار يدور في
فضاءات الأجندة الأمنية ولم يتعمق لبحث أزمة النظام السياسي والاجتماعي
الفلسطيني، نتيجة تهرب قيادة السلطة من استحقاقات الشراكة الوطنية ومستلزمات
الوفاق الوطني وميلها إلى تكريس منهج الاستفراد الذي تعودت عليه طوال العقود
الماضية، وسعيها لخلق ظروف لتكبيل المقاومة كمقدمة لتسريحها وسحب سلاحها تحت
شعار ((الالتزام بوحدانية السلطة)) و((عدم القبول بتعدد السلطات)) والسلاح
الشرعي وما إلى ذلك من الاختلاقات.
ربما هذا ما كان خلف القرار الأخير الذي اتخذته قيادة السلطة وقادة أجهزتها
الأمنية بسحب سلاح المقاومة، وهو القرار الذي أثار ليس فقط فصائل العمل
الإسلامي والوطني ممثلة بأجنحتها العسكرية بل وحفيظة الشعب الفلسطيني بأكمله
الذي عكست نتائج استطلاعات الرأي التي أجريت عليه بعد اتخاذ القرار المذكور
وجود أغلبية مطلقة من الشعب الفلسطيني ترفض نزع سلاح المقاومة الفلسطينية حتى
بعد انسحاب الجيش الصهيوني من قطاع غزة رافضة كذلك تبريرات رموز السلطة، التي
ادعت بوجود نية لحماس لترتيب انقلاب على السلطة تمهيداً لسيطرتها على قطاع غزة
وفرض معالم المرحلة المقبلة، وهي صورة تبتعد عن الحقيقة وتهدف إلى إرباك
الجماهير الفلسطينية خصوصاً وأنها جرّت معها العديد من الصدامات المسلحة بين
الطرفين، كالتي اندلعت منتصف شهر تموز/يوليو الماضي، واستمرت بضعة أيام بين
مقاتلي حركة حماس من جهة وبعض الأجهزة الأمنية الفلسطينية من جهة أخرى.
فالواقع يقول بوجود برنامجين ومنهجين مختلفين أفرزا منذ سنوات خصوصاً بعد
اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية، الأول تقوده السلطة، ينطلق من الاستسلام للواقع
وسط شعور بالضعف والعجز عن التصدي للعدوان الصهيوني الذي لم ينته رغم إخلائه
القطاع، والفريق الثاني المعبّر عن ثقافة المقاومة على اعتبار أن الصراع القائم
لم ينتهِ وتعبّر عنه فصائل المقاومة الإسلامية والوطنية.
والفريق الثاني وضع طوال الوقت –ولا يزال- جملة من التساؤلات للمنادين بسحب
سلاح المقاومة تطلب تحديد السبيل العملي للرد على العدوان الصهيوني والمجازر
المتكررة بحق الشعب الفلسطيني، ومصادرة الأراضي وهدم البيوت وتشريد
الفلسطينيين، وهل تملك السلطة أن تقاوم ذلك وهي من فشلت في حماية ذاتها خلال
انتفاضة الأقصى؟
قرار له سوابق
القرار الأخير بسحب سلاح المقاومة لم يصدر من فراغ بل سبقته عدة تصريحات من قبل
قيادة السلطة، كان آخرها وعود قطعها وزير الداخلية الفلسطيني اللواء نصر يوسف
لوزير الحرب الصهيوني شاؤول موفاز بوقف الهجمات الصاروخية ضد المستوطنات
الصهيونية وضمان ((انسحاب نظيف)) من قطاع غزة، دون أن يكون تحت نيران المقاومة
الفلسطينية، هذا فضلاً عن تكثف المطالب الأمريكية على السلطة للقيام بخطوات
مكافئة لخطوة الانسحاب من غزة، وفي مقدمة ذلك سحب سلاح الفصائل في القطاع،
معتبرة أن شارون قدّم أقصى ما لديه في هذه المرحلة، وأنه يواجه تبعاً لذلك
مشكلات عويصة قد يلقى فيها حتفه السياسي وربما حتى الجسدي؟!.
وعاد اللواء يوسف من لقائه ذاك ليصدر الأوامر لكافة الأجهزة الأمنية بمنع كل
مجموعات المقاومة من قصف المستوطنات الصهيونية حتى لو استدعى الأمر استخدام
السلاح وهو ما كان بعد تعرض خلية تابعة للجهاد الإسلامي بعد القرار بأسبوع واحد
لإطلاق النار من قبل حاجز لقوات الأمن الفلسطينية، بعد عودة المجموعة من إطلاق
القذائف الصاروخية على إحدى المستوطنات، ما أدى إلى إصابة اثنين من عناصرها،
وأعقبه في الرابع عشر من تموز/يوليو إطلاق النار على خلية تابعة لكتائب القسام
بعد عودتها من مهمة جهادية مما أدى إلى إصابة أربعة من عناصرها أحدهم أصيب
بجراح خطيرة، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر ليتحول إلى اشتباكات واسعة أدت إلى
استشهاد عدد من الشبان.
وتوالت بعد ذلك تصريحات عدد من كبار مسؤولي السلطة بينهم جبريل الرجوب بشأن
ضرورة تفكيك المجموعات العسكرية وتجريدها من سلاحها بعد استكمال الدولة العبرية
انسحابها من القطاع، مشدداً بذلك على ما أكده رئيس السلطة الفلسطينية محمود
عباس (أبو مازن) في خطاب له أمام المجلس التشريعي في مدينة غزة يوم 9 آب/أغسطس
حيث قال ((حينما تصبح الأرض خالية من الاحتلال يجب أن تنتهي مظاهر السلاح
بالكامل)).
هذه الحوادث حملت معها العديد من المؤشرات والدلائل ولم تكن بمنأى عن التغيرات
السياسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني ولهذا حاولت السلطة استباق الأحداث في
محاولة لإثبات وجودها كقوة رئيسية قبل الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة، وبعده
باتباع هذه الأحداث بقرارات تجريد المقاومة من أسلحتها جاءت على لسان عدة
مسؤولين فلسطينيين، أصروا على جمع الأسلحة من أيدي المقاتلين بعدما قاوم هذا
السلاح الغاصبين وقهرهم واحترم المواطن والتزم بقرار الجماعة.
والمدقق في تبريرات السلطة خاصة ما ورد على لسان وزير الداخلية، يرى أنها تركز
بصورة كبيرة جداً، على مسألة إيجاد سلطة شرعية واحدة، وسلاح شرعي واحد، وما
يتطلبه ذلك من تفكيك المجموعات المسلحة وتجريدها هي وكل من يحمل السلاح من
السلاح.
والمبرر الثاني الذي تستخدمه السلطة هو أن احتكار القوة والسلاح هو من أهم
الشروط لوجود السلطة واحتفاظها بهيبتها والحد الأدنى للقيام بمسؤولياتها، لأن
حرية حمل السلاح واستخدامه كيفما اتفق تؤدي إلى الفوضى والفلتان الأمني وإلى
تعددية السلطات ومصادر القرار، على حد تعبيرها. والحجة الأخرى التي تقدمها
السلطة للدفاع عن مطلبها بسحب السلاح هي أن غزة بعد الإخلاء والانسحاب لن يكون
فيها أهداف استيطانية وعسكرية احتلالية حتى يتم استخدام السلاح ضدها، مما يهدد
باستخدامه في مسائل تتعلق بالشأن الداخلي، وفي مجال إشاعة الفوضى.
إصرار
وفي هذا السياق قال توفيق أبو خوصة الناطق باسم وزارة الداخلية الفلسطينية
((هناك قرار سياسي بعدم وجود سلطتين وعدم وجود جماعات مسلحة وميليشيات في قطاع
غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي دون أي استثناء)).
وعلى نفس الصعيد رجح مسؤول أمني فلسطيني طلب عدم ذكر اسمه أن يتم سحب السلاح من
القطاع في عملية تدريجية. وقال ((في المرحلة الأولى سيتم حظر ظهور السلاح، وفي
المرحلة الثانية سيتم اعتقال من يظهر بالسلاح ومصادرة سلاحه، وفي المرحلة
الثالثة سيسمح بترخيص السلاح وفتح الطريق أمام مسلحي حماس لدخول الجيش
والشرطة)).
واستبعدت السلطة في تبريراتها تلك الضغوط الخارجية التي تتعرض لها من قبل
الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية، خصوصاً ما التزمت به لكليهما في خارطة
الطريق، التي تنص مرحلتها الأولى على سحب السلاح وتفكيك الجماعات المسلحة
ومنعها من العمل ضد (إسرائيل) خصوصاً وأن فصائل المقاومة بمجموعها فندت وردت
على كل هذه التبريرات.
فهذه المطالب التي تتساوق مع الضغوطات الأمريكية والصهيونية أصلاً رفضتها كافة
فصائل المقاومة، معتبرة بأن المطلب الأمريكي ينصب على نزع سلاح الإرهاب من قطاع
غزة، والحقيقة التي تعرفها السلطة الفلسطينية كما يقولون أن ما في غزة هو سلاح
مقاوم للغاصبين المحتلين، ولا وجود لقطعة سلاح إرهابي واحدة في غزة.
والنقطة الثانية التي ردت بها هذه الفصائل أن سلاح المقاومة يحمل صفته، واسمه،
وأنه مسجل كماركة عالمية في الدفاع عن مخيمات جباليا والنصيرات، وخان يونس،
ومنطقة الزيتون، باعتباره سلاحاً للمقاومة فقط، وأنه لا يعرف الهجوم إلا على
من يهاجم الفلسطينيين، مؤكدة كذلك بأن المصلحة الوطنية تتطلب الاحتفاظ بسلاح
المقاومة واستخدامه عبر إطلاق القذائف والصواريخ لضرب أهداف صهيونية متواجدة
على غلاف غزة وفي الحدود والمعابر، أو داخل الدولة العبرية نفسها التي لم توقف
تجاوزاتها حتى بعد الانسحاب.
والنقطة القوية الأخرى التي تستخدمها الفصائل للدفاع عن احتفاظها بسلاح
المقاومة ما طرحته بعدم وجود ضمانات لوقف العدوان العسكري الصهيوني بكل أشكاله
بما في ذلك الاغتيالات والاقتحامات والقصف، بعدما أعلنت الدولة العبرية أنها
تحتفظ بحق العمل العسكري ضد قطاع غزة إذا رأت ذلك مناسباً لمصالحها وأمنها.
ورفعت هذه الفصائل العديد من التساؤلات تقول: إذا نجحت السلطة –تجاوزاً- في جمع
سلاح المقاومة، فما هي وسائل الضغط المتبقية في يد الفلسطينيين، والقادرة على
التأثير في مجريات الحدث السياسي في المنطقة، والكفيلة دون هدم المسجد الأقصى،
ومصادرة ما تبقى من تراب؟
وإذا ما نجحت السلطة –تجاوزاً- في جمع سلاح المقاومة، فمن يضمن أيضاً عدم
مطالبة الكيان الصهيوني فيما بعد، أن تقوم السلطة الفلسطينية بسجن عشرات آلاف
الشباب الفلسطيني -النواة الصلبة للمقاومة- الذين فكروا ذات يوم بمقاومة الدولة
العبرية؟ ومن يمنع الدولة العبرية فيما بعد من المطالبة بتسليمها إياهم؟
وقد بدا واضحاً بأن حركة حماس التي عارضت نزع سلاح المقاومة كما جاء على لسان
قادتها أنها لم ترغب في أن تتطور الأحداث إلى حد وقوع مجابهات مع السلطة. وفي
هذا السياق أكد الأستاذ إسماعيل هنية عضو القيادة السياسية لحركة حماس أن
التهدئة التي توصلت إليها فصائل المقاومة الفلسطينية في القاهرة لم تعطَ لحماية
الدم الصهيوني، وعندما تراق الدماء الفلسطينية فلا حماية لدماء لصهاينة.
أما الشيخ حسن يوسف فقد شدد في تصريحات صحفية بأن ((حماس يجب أن تحتفظ بسلاحها
لسببين رئيسيين، الأول هو أنه لا توجد ضمانات بوقف (إسرائيل) للاغتيالات وغيرها
من أشكال العدوان، والثاني هو أن الاحتلال لم ينتهِ من كامل غزة، وحتى لو انتهى
من غزة فإنه لم ينتهِ من الضفة، وليس لأحد أن يفصل بين غزة والضفة)).
وفي بيانات متعددة للحركة عادت حماس لرفض المطالبات الصهيونية التي تساوقت معها
قيادة السلطة والقاضية بنزع سلاح المقاومة ورفع الشرعية عنه وملاحقة المجاهدين
والمناضلين معتبرة أن هذا الموقف يندرج في سياق المخطط الصهيوني لنزع عوامل
الصمود التي يمتلكها الشعب الفلسطيني والتخطيط لنقل الصراع إلى الساحة الداخلية
الفلسطينية.
وكما يبدو فإن حماس قد قرأت من تلك الأحداث السابقة للانسحاب الصهيوني العديد
من الجوانب الخطرة وعلى رأسها نوايا السلطة المبيتة التي يمكن أن تذهب بعيداً
في مجابهة المقاومة الفلسطينية لتحقيق أهدافها. فإذا كانت قد أقدمت على قمع
المقاومة بقوة السلاح وهي لا تملك سيادة ولا أرضاً محررة بالمعنى الحقيقي فكيف
ستتعامل فيما لو تم الانسحاب الصهيوني من القطاع وهو ما كان فيما بعد.
قواعد الوحدة الوطنية
يعلم الجميع أن الوحدة الوطنية شكلت ولا تزال إحدى الثوابت الوطنية والمجتمعية
التي لا يجوز الاقتراب منها، أو المساومة عليها لأغراض مصلحية، شخصية أو حزبية،
وفي هذا السياق يمكن الحديث بموضوعية عن قضية نزع سلاح المقاومة.
فسلاح المقاومة الطاهر الذي يحاول البعض تشويه نقائه وخلطه بسلاح الفوضى، هو
أحد محاور ومرتكزات الوحدة الوطنية، فبه كان التحرير، وبجهود أهله ومجاهديه كان
الحفاظ على النسيج الاجتماعي، وصيانة الجبهة الداخلية من مخاطر الفتنة والتشرذم
والانحراف.
أما ما حدث في غزة بخصوص سلاح المقاومة وانقسام الآراء إلى توجهين عقب
الانسحاب: الأول مؤيد لبقائه وتمثله قوى المقاومة، والآخر يدعو لطيّ ملفه
وتمثله السلطة وغالبية من فتح وحالة التجاذب التي دارت بينهما كان ينبغي أن
يبقى ضمن منطق الحوار، فهو الذي يجب أن يسود ويعلو صوته وكلمته لتجاوز موضوعة
سلاح المقاومة إبان المرحلة القادمة بشكل يضمن تكريم واستثمار المقاومين،
وتوظيف طاقاتهم وخبراتهم الواسعة عبر آليات تنفيذية في إطار وفاق وطني مشروع.
أما ما يجب أن يحارب فهو سلاح الفوضى. فهذا السلاح لا يقاوم الاحتلال وإنما
يستخدم في المظاهر المسلحة وإطلاق الرصاص في كل المناسبات المفرحة والحزينة،
وفي التعدي على الممتلكات العامة والخاصة، وفي الخاوات وحل الخلافات والمنازعات
عبر اعتماد شريعة الغاب، التي مبدأها حكم القوي على الضعيف، وفي كل أشكال
الجريمة واختراق القانون.
هذا هو السلاح الذي يجب أن تعطي السلطة الأولوية لسحبه ومحاربته لوقف الفوضى
وأي حرب من هذا النوع ستجد الدعم والتشجيع من غالبية الشعب الفلسطيني والقوى
والمؤسسات، لكن ما كان مستغرباً أن يبدأ تحرك السلطة ضد سلاح المقاتلين لا
القاتلين.
نهاية النفق
إن هذه القراءة لأحداث الشهرين الماضين؛ السابق واللاحق للانسحاب الصهويني من
قطاع غزة تدق حقيقة ناقوس الخطر حول مستقبل العلاقة بين المقاومة الفلسطينية
عموماً وعلى رأسها حماس وما بين السلطة الفلسطينية، بعد أن تم الانسحاب
الصهيوني من قطاع غزة، ويقود حقيقة إلى التساؤل حول صورة الواقع السياسي
الفلسطيني الذي يمكن أن ينشأ في ظل هذه التطورات.
فالتعاطي مع فكرة جمع سلاح المقاومة، أو السماح لها بأن تطرح في لقاءات التنسيق
مع الصهاينة أو الأمريكيين هو المقدمة الأولى لوضع الثوابت السياسية الفلسطينية
خلف الأسوار وفي ساحات المواجهة، وتسليم المستقبل الفلسطيني لرحمة وحنان
الحكومات الصهيونية المتعاقبة.