اتصالات ولقاءات فلسطينية لبنانية
مكثفة:
تحسين وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ومواجهة المخاطر
أحمد الحاج/بيروت
هل بدأ البحث فعلياً في ترتيب العلاقات اللبنانية الفلسطينية؟ فلأول مرة منذ
سنوات تشهد الساحة اللبنانية والفلسطينية كثافة اتصالات بهدف تنظيم هذه
العلاقات، وهي باتجاهات عديدة: اتصالات فلسطينية لبنانية متسارعة، ورقة عمل
تقدمت بها منظمة التحرير الفلسطينية، وأخرى يعدها تحالف القوى الفلسطينية، ورقة
قدمتها الهيئات الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير، إضافة إلى لقاءات شبه يومية
بين قيادات من فصائل فلسطينية من جهة وأخرى لبنانية حزبية ورسمية من جهة أخرى.
ولا يفوتنا التحضير للقاء الوطني اللبناني الفلسطيني والذي يحضّر له نائبا
مدينة صيدا اللبنانية بهية الحريري وأسامة سعد والذي من المتوقع أن يضم كل
القوى اللبنانية والفلسطينية الفاعلة. هذه التحركات فرضتها الأحداث المتسارعة
على الساحة وأهمية الملفات المطروحة من السلاح الفلسطيني والقرار 1559
والمشكلات الاجتماعية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، والإجراءات
الأمنية المتخذة حول المخيمات، بالإضافة إلى الطروحات الأميركية المعلنة حول
تهجير الفلسطينيين.
ورقة منظمة التحرير
وجه عباس زكي مذكرة من المطالب إلى رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة: ومن
أولى الملاحظات حول ورقة منظمة التحرير الفلسطينية هذه أنها لم تكن لتمثل كل
فئات الشعب الفلسطيني، فمنظمة التحرير الفلسطينية تضم ثمانية فصائل فقط، بينما
يوجد في لبنان أكثر من 16 فصيلاً فلسطينياً. فهناك أطر غير أطر المنظمة تعمل في
لبنان أبرزها تحالف القوى الفلسطينية والتي تضم ثمانية فصائل (بعد انسحاب
الجبهتان الشعبية والديمقراطية مؤخراً). وحتى منظمة التحرير لم تستشر كل
فصائلها بل إن هذه الورقة جرت صياغتها من قبل حركة فتح والجبهة الديمقراطية فقط
وقُدّمت باسم منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يلتق زكي الفصائل الفلسطينية إلا
بعد أن سلّم ورقة العمل إلى رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة وقبل سفره
بساعتين فقط، مما حدا بفصائل عديدة إلى توجيه انتقادات حادة إليه خاصة وأنه مكث
في لبنان حوالي الأسبوعين ولو كان جاداً بالحوار لاستطاع أن يفعل شيئاً خلال
هذه الفترة الطويلة نسبياً.
ورقة عباس زكي جرى التركيز الأكبر فيها على قضايا تهم السلطة الفلسطينية ولا
تهم كل قطاعات وفصائل الشعب الفلسطيني. فالورقة تتحدّث عن إعادة فتح مكتب
م.ت.ف. كمقدمة لإنشاء سفارة لفلسطين، والعفو العام عن المحكومين والمطلوبين
سياسياً في كافة القضايا، وهي إشارة واضحة إلى أمين سر حركة فتح في لبنان سلطان
أبو العينين. كما تطالب الورقة السلطات اللبنانية بالاعتراف بجواز السفر
الفلسطيني الصادر عن السلطة الفلسطينية.
تعاملت الورقة مع قضية اللاجئين الفلسطينيين كقضية إنسانية متجاهلة أن القضية
سياسية بامتياز ولا تُحلّ بشكل نهائي إلا بعودة جميع اللاجئين إلى ديارهم، فكان
هناك إسقاط لمطلب حق العودة أو التأكيد عليه في الورقة. فتعاملت الورقة مع
اللاجئين الفلسطينيين في لبنان كجالية وليس كهمّ وطني يحمله أكثر من أربعمائة
ألف لاجئ في لبنان.
المصادر الفلسطينية المختلفة تشير إلى أن مهمة عباس زكي لن يكون من السهل
إتمامها خاصة وأن هناك خلافات حادة داخل فتح تعيق عمله. السلطة اللبنانية من
جهتها ما زالت متخوفة وحذرة من التعامل مع السلطة الفلسطينية والاعتراف بها،
والدولة اللبنانية استقبلت محمود عباس (أبو مازن) بصفته رئيساً لمنظمة التحرير
وليس بصفته القيادية داخل السلطة الفلسطينية. كما أن لبنان ينتظر ماذا سيحدث
بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وما هو المستقبل الذي ينتظر السلطة
الفلسطينية وكيف ستتعامل مع قضية اللاجئين وحق العودة، خاصة وأن السلطة تبدو
غير معنية حتى الآن بعودتهم بل إنها تشجع وعلى لسان قيادتها على تجنيس
الفلسطينيين. ومعلوم أن لبنان يعتبر ملف اللاجئين ملفاً حساساً، خاصة أن اتفاق
الطائف ينصّ على منع التوطين ويقرنه بالتقسيم.
ورقة التحالف
يعدّ تحالف القوى الفلسطينية ورقة عمل أهمّ ما يميزها عن ورقة زكي التأكيد على
حق العودة وعدم السعي إلى الاستئثار بتمثيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
فالورقة تنص على أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هم جزء لا يتجزأ من الشعب
الفلسطيني، وهم متمسكون بحقهم في العودة إلى أرضهم وديارهم التي أخرجوا منها،
ويرفضون إسقاط هذا الحق أو منعهم من ممارسته سواء كان البديل توطيناً أو
تهجيراً جديداً. كما تنأى الورقة بالفلسطينين في لبنان عن التدخل بأي شأن
داخلي، بل تعتبرهم معنيين بالعمل من أجل قضيتهم ويتطلعون إلى دعم أشقائهم في
لبنان، كما تؤكد الورقة على أن لبنان القوي الآمن المتماسك قوة لفلسطين وقضية
شعبها، وتشدّد على أن قضية اللاجئين في لبنان قضية سياسية ولا يجوز التعاطي
معها في إطار أمني. وتتضمن الورقة تأكيداً على أن مرجعية الحوار من الجانب
الفلسطيني إطار موحد يضم كل القوى الفلسطينية الفاعلة. هذا بالإضافة إلى
التأكيد على المطالبات السابقة بحق العمل والتملك وتنظيم الإجراءات الأمنية في
محيط المخيمات بما يضمن تخفيف التوترات الناشئة.
لقاء وطني لبناني - فلسطيني
هناك مبادرة من نائبي صيدا بهية الحريري وأسامة سعد من أجل عقد لقاء وطني
لبناني -فلسطيني يتناول الملف الفلسطيني في لبنان وتنظيم العلاقة اللبنانية -
الفلسطينية. وتتحدث عناوين اللقاء عن الحقوق المدنية للفلسطينيين، السلاح
الفلسطيني، دور الأنروا في لبنان، قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قضية
سياسية وليست أمنية، وغيرها من القضايا التي تهم الجانبين. كما أن هناك لقاءات
يجريها النائبان سعد والحريري سواء مع تحالف القوى الفلسطينية أو منظمة التحرير
الفلسطينية من أجل الوصول إلى قرارات مشتركة في اللقاء الوطني. وقد حرصت
الفصائل الفلسطينية خلال هذه اللقاءات على أن تكون هناك تشريعات نيابية تنظم
العلاقة اللبنانية - الفلسطينية، وليس أن تنظم هذه العلاقة عبر قرارات إدارية
قد يأتي وزير آخر ويلغيها. فعلى الرغم من التقدير الكبير لخطوة وزير العمل طراد
حمادة في السماح للفلسطينيين بحرية العمل إلا أن هناك مخاوف من أن يأتي وزير
آخر في المستقبل ويلغي هذا القرار، خاصة وأن مثل هذه القرارات تحتاج إلى تمديد
سنوي وليست قرارات ثابتة.
النائب بهية الحريري وعدت من جهتها أنها ستسعى من خلال كتلة نواب المستقبل،
التي تنتمي إليها، وحلفائهم في المجلس النيابي إلى طرح عدة مشاريع قوانين
وتشريعات تمنح الفلسطينيين حقوقهم المدنية والإنسانية وخاصة حق التملّك والعمل.
وشدّدت الحريري على ضرورة أن يكون الفلسطينيون في لبنان عنصر استقرار.
الحكومة اللبنانية
رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أكّد من جانبه، خلال لقاء مع الفصائل
الفلسطينية، على أن الفلسطينيين في لبنان هم إخوة وأشقاء وتجمعنا القومية
العربية. وأبدى استعداده للعمل على تخفيف المعاناة عن اللاجئين الفلسطينيين
والمخيمات. وشدّد السنيورة على أن تضبط الفصائل الفلسطينية الأوضاع في
المخيمات، وأن تحرص على أن لا تساند أي طرف لبناني ضد آخر، فالفلسطينيون،
والكلام للسنيورة، بحاجة إلى كل الفئات بهذا البلد لدعم قضيتهم وخاصة حق
العودة. وقال السنيورة أنه تسلّم مذكرة عباس ومستعد أن يتسلّم مذكرة أخرى من
بقية الفصائل حتى يجمع المذكرتين في مذكرة واحدة. وأعلن استعداده الكامل لتولي
الملف الفلسطيني شخصياً بصفته رئيساً للحكومة بالتعاون مع بعض الوزراء المعنيين
والذين هم على تماس مع قضية اللاجئين.
إلغاء الأنروا والتهجير!
يتكرّر الكلام عن إلغاء وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) في أحاديث
العديد من المسؤولين اللبنانيين والفلسطينيين، ممّا يعكس تزايد الخشية من هكذا
إجراء. فهناك برنامج مطروح في أروقة الوكالة يدعى (برنامج السلام) لتأهيل
اللاجئين الفلسطينيين لمدة خمس سنوات يصار بعدها إلى إنهاء عمل وكالة الأنروا.
وتتعزز هذه الشكوك بوجود المفوضة العامة الجديدة للأنروا الأميركية كارولين أبو
زيد التي يعتقد أنها تنفذ سياسة أميركية، خاصة أنها تحدثت في تصريحاتها الأخيرة
عن أن اللاجئين الفلسطينيين لا يرغبون في العودة إلى ديارهم. وهناك أيضاً
مؤشرات حول تراجع خدمات الأنروا مما ينذر بإلغاء دور الأنروا وأن يتم إلقاء
تبعات ومسؤوليات اللاجئين الفلسطينيين على الدول المضيفة، وبالتالي إلغاء
الأنروا كشاهد على قضية اللاجئين ومسؤولة عن ملفهم حتى يتمكنوا من العودة إلى
ديارهم.
تتساوق هذه الطروحات مع ما طرحه وفد الكونغرس الأميركي في بيروت في آب/أغسطس
الماضي عن وجود خطة لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين تقوم على تهجيرهم من لبنان،
وسمى الوفد عدة دول من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وكندا. كما أن المعلومات
المتواترة تؤكد وجود ضغط أمريكي على العديد من الدول العربية من أجل المساعدة
في إيجاد (حلول لقضية اللاجئين غير حق العودة). كما تسرّبت معلومات أن هناك
مشروعاً لنقل فلسطينيين من لبنان إلى قطاع غزة، وبالطبع هذا لا يمكن اعتباره
عودة لهؤلاء اللاجئين حيث إن حق العودة لا يكون إلاّ إلى قراهم التي هجّروا
منها. هذه المشاريع التصفوية للقضية اللبنانية يُخشى، وهناك كلام في هذا
الاتجاه، أن تستخدم في صفقات سياسية ومساومات لقضايا حساسة يشهدها لبنان.
وبالتالي تقف قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عند منعطف حساس، نوع وشكل
ومضمون التعاطي معه سيحدد أموراً كثيرة.