الاحتلال يخرج من غزة..
كيف عاش الفلسطينيون لحظات الفرح الأولى؟
غزة/خاص
يوم طويل انتظرته فلسطين طوال سنين، ومن بعده أيام لم تعرفها غزة منذ عقود، شمس
الشهداء أشرقت في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر على غزة من الغرب، وتوقفت ليحتفل
المعذبون وتغرورق العيون بدموع الفرح الحزين، وليملأ تنهيد القلوب المكلومة
فضاءات الأرض المحررة، الفرح عنوان المرحلة وآلاف المواطنين دخلوا الأرض
المحررة، واستغربوا كيف كان الاستشهاديون يدخلون هذه الحصون، ما كان أسهل أن
تسمع كلمة اقتحام وكم كان صعباً تنفيذ المهام والعمليات البطولية.
أول من دخل المستوطنات هم المقاومون وقادة المجاهدين، قافلة كاملة من سيارات
وجيبات تقل عدداً من قادة ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) يجوبون المستوطنات
بدءاً من مستوطنة الموت (نتساريم) وحتى (رفيح يام) جنوب القطاع.
أمهات الشهداء جئن يكحلن عيونهن وجروحهن بتراب الأرض التي احتضنت أبناءهن
وتشربت دماءهم الزكية الطاهرة. مشاهد صعبة اختلطت فيها المشاعر، حزن وفرح
وابتهاج وألم.
انتحار الاحتلال
الأحد 11-9-2005 آخر يوم لغيوم الاحتلال السوداء فوق مدينة غزة، فشمس الحرية
بدأت تتسلل من بينها لتنعش الآمال في قلوب المظلومين والمحرومين الذين يسيرون
في أزقة غزة، إنه يوم طوى بموته أربعة عقود من الاحتلال، حينما أفاق الناس في
غزة بعد أن هرب النوم من العيون على دوي تفجيرات الاحتلال الذي كان يذبح أيامه
الأخيرة قبل أن تذبح عمره كله بندقية المقاومة.. السادسة صباحاً قامت قوات
الاحتلال على مدار عدة ساعات بتفجير مواقعها داخل ما كان يعرف بمستوطنات (غوش
قطيف) و(كفار داروم) في دير البلح وسط قطاع غزة، ورغم أنها أدت إلى تدمير
منزلين للمواطنين بشكل كلي وإلحاق أضرار جزئية بخمسة أخرى، إلا أن أصحاب البيوت
أعربوا عن فرحتهم لأن قوات الاحتلال فجرت المواقع التي طالما أذاقتهم العذاب
وأرسلت إليهم رسائلها المتفجرة، وتمنى المواطنون العودة لاستنشاق هواء نظيف
يخلو من غبار الدبابات، أو تخترق سكون الفضاء فيه طلقات الرشاش الملعونة.
النهاية
تابع الجميع الجلسة النهائية لحكومة الاحتلال وفوجئ الجميع بقرارها الانسحاب
وترك مسمار جحا الذي أحسن الفلسطينيون فيما بعد بسرعة التعامل معه، وهي المباني
التي كانت تستخدم ككنس للمستوطنين، وفي لحظة تاريخية أنزل المهزومون علم
الهزيمة من فوق سارية غزة ليرفع المواطنون بعدها علم فلسطين وصور الشهداء..
أصحاب الانتصار، حيث أنهى قادة قوات الاحتلال الإسرائيلي رسمياً مراسم نهاية
الاحتلال العسكري عن قطاع غزة وتجمع العديد من جنود الاحتلال حول قائد عسكري
صهيوني كان يتحدث عن خطة الانسحاب، وأكد أن الجيش سيخلي قطاع غزة بشكل كامل بعد
احتلال دام 38 عاماً.
وسائل الإعلام المختلفة نقلت هذه المراسم مباشرة على الهواء، بعد أن تم إلغاء
مراسم التسليم الرسمية في معبر بيت حانون (إيريز) في وقت سابق، بعد إعلان
الجانب الفلسطيني مقاطعته لها.
دخول الفاتحين
مع تسلل الليل بدأ الاحتلال يتسلل هارباً من مستوطنة تلو أخرى، والمواطنون
ينتظرون، ترقص قلوبهم فرحاً.. سيدخلون المستوطنات مهللين ((الله أكبر الله
أكبر))، دخلت الألوف المؤلفة، بعضها ساجداً.. بعضها مكبراً والآخر مهللاً،
بعضهم أخذته الصدمة لما يرى ولم يستطع إلا التجول مندهشاً، لقد كان اللصوص
يعيشون في جنة بينما أصحاب الأرض يعيشون بين الركام وتحت أسقف ((الزينكو))
المثقوبة.
الحاج محمود ضهير (63 عاماً) رغم شيخوخته جاء إلى مستوطنة (موراج) يتعكز على
حفيده وجلس فوق تراب الأرض وأخذ يتحسس أرضه بيديه المرتعشتين ويبكي ويقول: ها
هو اليوم الذي عدت فيه إليك يا أرضي الحبيبة، الحمد لله الذي تكحلت عيناي بك
قبل أن أموت، الحمد لله ينصر من يشاء ويعز من يشاء.
أما محمد أحمد صقر (60 عاماً) الذي يعيش إلى جوار مستوطنة (تل قطيف) وسيطر
الاحتلال على الطابقين الثاني والثالث من منزله وتركه وعائلته يعيشون في الطابق
الأرضي، أخذ يوزع الحلويات ويرمي بها على المواطنين ويصرخ بصوت مرتفع تحررنا،
بيتي تحرر وكانت دموع الفرح تنهمر من عينيه وهو يعانق ابنه الذي وصل إلى المنزل
للمرة الأولى منذ خمسة أعوام بعد أن أخرجه أبوه وأخوته السبعة بسبب سيطرة
الاحتلال على المنزل وخوف والدهم عليهم من بطش الجنود الإسرائيليين وإرهابهم.
وقال محمد صقر بعدما جلس وتمالك نفسه ((أنا أولد اليوم من جديد، هذا أحلى يوم
في حياتي كلها، كنت أتمناه وأدعو الله عزّ وجلّ أن يريني إياه، لقد خرجوا من
أرضنا وتطهر بيتي من نجسهم))، وأضاف ((تصور كنا إذا أردنا الخروج من البيت
نستأذن من أحد الجنود وكثيراً ما كان يمنعنا، وهو أصغر من ابني، يتحكم في
حركتي))، مشيراً إلى أنه كان ممنوعاً عليه مغادرة البيت بعد الساعة الخامسة
عصراً حتى السابعة صباحاً، ووصل إلى منزل صقر العشرات من أقاربه إضافة إلى
أبنائه وزوجاتهم وأبنائهم للمرة الأولى منذ خروجهم إلى البيت والتمّ شمل عائلة
فرقها الاحتلال.
أبو هولي وقصة الحاجز
المختار أبو صلاح أبو هولي (84 عاماً) والذي يحمل أهم وأخطر حواجز الاحتلال
اسمه والمعروف باسم حاجز أبو هولي، تنفس الصعداء بعدما ((رحل المحتلون من أرضه
التي أقاموا عليها حاجزهم اللعين))، وقال ((في كل مرة كان الاحتلال يغلق الحاجز
أشعر أن جسمي يقشعر والناس تنتظر ويقولوا متى يفتح حاجز أبو هولي متى نرتاح من
أبو هولي، وهذه العبارات التي كنت أسمعها ولا أستطيع أن أفعل للناس شيئاً حتى
تمنيت لو أن أرضي لم تكن في هذه المنطقة)).
وتذكر أبو هولي يوم أن صادر الاحتلال أرضه وقال ((تمنيت من الله أن يحييني لأرى
يوماً يتركون فيه غزة، وكنت أشعر أن هذا اليوم قادم حتى أنني قلت للحاكم
العسكري يوماً إنكم راحلون فقال لي أنت ستموت قبل أن نرحل، لأننا لن نرحل
ويومها دعوت الله أن يطردهم من أرضنا وأرى ذلك اليوم وقد رأيتهم بالفعل من
مجلسي هذا وهم يفككون جسرهم الذي بنوه ظلماً على أرضي ويطأطئون رؤوسهم ويخرجون،
وتمنيت لو أني أرى الحاكم العسكري لأقول له أنا لم أمت بعد ولكنكم أنتم من
خرجتم من أرضنا صاغرين جمعتم ظلمكم ورحلتم بحقدكم وأرضنا عادت لنا ونتمنى أن
تعود كل فلسطين)).
السابقون السابقون
مشاهد الدموع وفرح المحزونين كانت هي الحاضرة، حينما أسرع أهالي الشهداء الذين
سبقهم أبناؤهم في اقتحام المستوطنات ودكّ حصونها واقتحام الأسلاك والجدران، كان
من بين هؤلاء خنساء فلسطين، التي وجدت أنّ قطعةً من جسدها لا زالت في الأراضي
المحرّرة في مغتصبة (عتصمونا).. إنها والدة الشهيد محمد فرحات أم نضال فرحات.
حول تلك اللحظات تقول أم نضال: ((منذ أنْ وطأت قدماي مستوطنة عتصمونا، المكان
الذي استشهد فيه ولدي محمد، انتابتني مشاعر فياضة وجياشة وبكيت كثيراً، إنّه
يومٌ مشهود في حياتي ولو أريد أنْ أحسبه بالزمن لحسبته بنصف عمري))، وتصف أمّ
نضال الساعات التي قضتها في المستوطنة بالشيء الرهيب ((فمن يسمع عن الاقتحام
والمستوطنات ليس كمن يرى وينفذ)). أضافت: ((نحن نسمع اقتحام مستوطنة وعملية
استشهادية داخل مستوطنة ولكن لا ندرك عظمة الموقف لأنّ هذا الموقف لا يدركه إلا
مَن عاشه، وعندما رأيت الفتحة الصغيرة التي صنعها ولدي بكلّ ثقةٍ واطمئنان
والتي تسلّل منها إلى داخل مستوطنة عتصمونا لتنفيذ عمليته الاستشهادية، لم
تسعفني مشاعري حتى الآن من عظم هذا الموقف)).
وتابعت والدموع تتفجر من عينيها ((أشعر في كلّ لحظةٍ أن هناك في مستوطنة
عتصمونا أصبحت قطعة من جسدي وروحي معلقة فيها ولا يفارقني مشهدها، لم أتوقّع
أنْ يأتي هذا اليوم، فهو يوم خيالي بالنسبة لي أنْ أدخل المستوطنة وأرى مكان
استشهاد ابني.. إنّه حلم كبير)).
آية من آيات الله
أقام الفلسطينيون احتفالات كبيرة ميّزتها استعراضات رجال المقاومة الذين أرادوا
إيصال رسالة قوية إلى العدو أنهم لا يزالون جاهزين للرد على أي اعتداء، وفي
أرجاء المستوطنات المحررة أقاموا احتفالاتهم، كان من أجمل المشاهد حينما صدعت
صيحات التكبير والتهليل من مستوطنة (نفيه كاليم) غرب مدينة خان يونس، حينما داس
الدكتور محمود الزهار، أحد أبرز قادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) العلم
الإسرائيلي بقدمه، ورفع العلم الفلسطيني فوق أحد المباني في تلك المستوطنة
المحررة.
ووصف الزهار، بعد رفعه للعلم الفلسطيني هذه اللحظات بالتاريخية، مؤكداً أن آية
من آيات القرآن الكريم قد تحققت في هذا الانسحاب، تلك التي تتحدث عن ظن اليهود
أن حصونهم ستحميهم، قائلاً إن كل الحصون التي كانوا يبنونها الآن تتهدم. أضاف
((هذه هي رمزية اللحظة التاريخية الهامة، التي نقف فيها بأقدامنا، نطأ العلم
الصهيوني، ونرفع العلم الفلسطيني على هذه الأرض، لنقول لكل الدنيا إن الدولة
النووية لم تستطع أن تهزم دماء الشهداء)).
ومضى إلى القول: ((هذه لحظة تاريخية، لحظة ترتفع فيها راية الإسلام والمسلمين،
وتهزم فيها أعمدة الكفر والمشركين، وهنا نموذج واضح لمن يريد أن يقاوم أعتى
دولة، وهو على قناعة أنه سينتصر)). وتابع ((في هذه اللحظات التي تختلط فيها
مشاعر الفرح والحزن لغياب قادتنا وأبنائنا إما شهداء أو خلف السجون، نجدد عهدنا
أننا سنعمل كل جهدنا على إخراجهم من السجون، إذا لم يخرجوا بالوسائل المعروفة،
فسيخرجون من خلال عمليات الخطف)).
وفتح البحر أبوابه
المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة دخلوا كل شبر من أراضي المستوطنات سابقاً،
غير أن أبرز منطقة لاقت إقبالاً لم يشهده من قبل كانت منطقة البحر في مدينة
خانيونس، حيث منع المواطنون على مدار سنوات الاحتلال من دخوله.
لهفة المواطنين لدخول البحر كان لها آثار ألقت بظلالها على احتفالات أهل القطاع
بالاندحار الصهيوني، حيث استشهد تسعة مواطنين من مدينة خان يونس غرقاً في بحر
المدينة بعد أن اجتاحت جموع المواطنين شاطئ البحر.
((مكثت في الماء أكثر من خمس ساعات متواصلة بالأمس وجئت اليوم لأكمل السباحة))
هكذا عبر أحمد القرا ابن الثلاثة عشر عاماً وهو يلهو بماء البحر في خان يونس
الذي حرم منه لأكثر من خمسة أعوام مضت.
ويقول أحمد ((إننا نسكن في حي الأمل المجاور لمجمع مستوطنات (غوش قطيف) أصيب
منزلنا بعشرات الأعيرة النارية طوال الأعوام الماضية، كانت أمي تخاف علينا
كثيراً وتمنعنا من الذهاب الى اللعب حتى مع الجيران، ويمنعنا الاحتلال من
الوقوف على سطح المنزل، أما البحر فلا يمكننا الوصول اليه، وحتى المدرسة لم
تسلم من الرصاص الإسرائيلي، كانت حياتنا جحيماً)).
أضاف أحمد وهو لا يريد الخروج من الماء ليشبع رغبته في اللعب طوال الأعوام
الماضية ((إن أمنيتي أن أصل إلى البحر وأن ألعب كما يلعب الأطفال في سني، كانت
تسليتنا الوحيدة مشاهدة التلفزيون ولكن بسبب كثرة انقطاع التيار الكهربي بسبب
إطلاق النار من المستوطنات كنا نقضي أوقاتنا مللاً وخوفاً ورعباً من الاحتلال
ورصاصه، ولكن الآن بإمكاننا أن نسبح ونسبح ونفعل ما نريد لقد رحل الاحتلال)).
زالت الحدود
أما المفاجأة التي أسعدت الفلسطينيين فهي خروجهم عبر الحدود لأول مرة بحرية،
ودخولهم لدولة مصر الشقيقة عبر حدود قطاع غزة، حيث التحم لأول مرة شقّي مدينة
رفح وتعانقت البيوت المدمرة بعد أربعة عقود. وانتهز الفلسطينيون الفرصة ودخل
الآلاف منهم إلى مدينة العريش، فيما دخل المصريون إلى غزة وشاركوا أهلها
احتفالاتهم وعلامات الفرح تبدو واضحة على وجوههم البسيطة.
ويستعد الفلسطينيون الآن لخوض معارك مهمة تبدأ بمعركة البناء ولا تنتهي إلا
بزوال الاحتلال عن كامل فلسطين، مروراً بتحرير الأسرى وعودة اللاجئين، واستعادة
كامل الحقوق.