مجزرة جباليا: الأسباب والأهداف والرد
لماذا تعمدت قوات الاحتلال الصهيوني قصف الاستعراض الذي
نظمته حماس في منطقة جباليا في قطاع غزة بطائرات توجه عن بعد، ما أدى إلى
استشهاد 19 فلسطينياً وإصابة 85 بجروح؟
يبدو أن الحكومة الصهيونية أرادت التشويش على مظاهر الفرح ومشاعر الانتصار التي
عبّر عنها الفلسطينيون في قطاع غزة، والتي تمثلت في اقتحام المستوطنات التي
هدمها الاحتلال قبل خروجه، وإحراق الكنس اليهودية ورفع الأعلام الفلسطينية
والرايات الإسلامية فوق المستوطنات والخروج من قطاع غزة إلى مصر بهذا الشكل
الاحتفالي المثير. كما أن الاحتلال أراد أن ينهي على طريقته مسلسل الاستعراضات
العسكرية التي نظمتها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة احتفالاً بخروج الاحتلال.
وقد لعبت هذه الاستعراضات دوراً مؤثراً في الجانب السياسي – الإعلامي، وبيّنت
فعلاً أن الاحتلال انسحب من غزة بفعل القوة لا غيرها.
بينما، وفي الوقت نفسه، كان الاحتلال يعاني من آثار ونتائج خروجه من قطاع غزة،
فالخلافات السياسية تصاعدت والليكود على أبواب الانقسام، وسط تمسّك بعض
الصهاينة بموقف المخطّئ لسياسة شارون.
ولا يغيب عن بالنا أن هدفاً رئيسياً من أسباب استهداف احتفال شعبي هو محاولة
إسرائيلية لزرع الفتنة بين الفلسطينيين وخلق حالة من الصراع الثنائي بالتحديد
بين حماس والسلطة، وإدخال الفلسطينيين في نزاعات جانبية. والمراجع لتصريحات
ومواقف قادة الاحتلال الصهيوني خلال الأسابيع الأخيرة، يلاحظ أنها ركزت بشكل
أساس على ضرورة جمع أسلحة المقاومة، وتفكيك بنيتها التحتية، والحد من دخولها في
آليات ومؤسسات اتخاذ القرار. وربما تكون النقاط سالفة الذكر من أكثر النقاط
التي أثارها شارون في رحلته إلى نيويورك، ومن أبرز النقاط التي تحركت عليها
الديبلوماسية الصهيونية.
والمتابع لتصريحات المتحدثين العسكريين باسم الجيش الصهيوني بعد مجزرة جباليا،
يلاحظ أنها ركزت على نفي مسؤولية الاحتلال وإحالة أسباب الانفجار إلى عوامل
داخلية، في حين شدد هؤلاء على المواقف التالية: كيف تسمح السلطة بمثل هذه
الاستعراضات؟ كيف تقبل السلطة بجيش مسلح يضاهي قوتها؟ على السلطة التحرك لجمع
الأسلحة وتفكيك بنية المقاومة.
والمراقب لآلية صنع القرار والتنفيذ في الكيان الصهيوني يدرك أن العملية
الصهيونية وترويج المتحدثين العسكرييين لها بمثل هذه المواقف يظهر أن الجريمة
محضرة ومعدّة بعناية وآثارها السياسية تتفوق على آثارها الأخرى. وهو الأمر الذي
لم تستوعبه السلطة بسبب عجزها وقصر نظرها، فقد سارعت السلطة وبعد دقائق قليلة
إلى تحميل حماس المسؤولية وعزت الانفجار إلى أسباب داخلية، وأصرت بيانات وزارة
الداخلية الأربعة على وجود عبوات وصواريخ في سيارة تابعة لحماس انفجرت لخلل ما،
وعادت حركة فتح في قطاع غزة وتبنّت رواية الداخلية، بينما أكد شهود عيان
مستقلون أنهم شاهدوا طائرات صهيونية تطلق صواريخها، وفي حين أظهرت حماس الكثير
من الأدلة حول مسؤولية الصهاينة عن هذه العملية، ظلت السلطة متمسكة بموقفها، ما
يدفع إلى التساؤل حول هذا الموقف.
موقف السلطة هذا يظهر أنها لا تتحرك وفق المصالح الفلسطينية العليا، وأنها تعمل
وفق أجندة أخرى غير الأجندة الوطنية. وإذا كانت السلطة محرجة من الصهاينة لهذه
الدرجة فبإمكانها الصمت أو طلب التحقق من الأمر والتحري عنه، أما مسارعتها إلى
تحميل حماس المسؤولية فيراد منها: تشويه صورة حماس الداخلية والإساءة إلى
سمعتها، إظهارها بأنها مسؤولة عن كثير من الأخطاء، تشويه صورة سلاح المقاومة،
قطع الطريق على محاولات حماس الرد على المجرزة.
ويبدو أن السلطة الفلسطينية نسيت بالكامل أن هناك تهدئة متوافقاً عليها وهي
تبادلية ومشروطة ومؤقتة، ومحاولات السلطة منع حماس من الرد هي دليل أو خلل في
فهم التهدئة وأهدافها، ومحاولات تكبيل حماس وغيرها من قوى المقاومة وإضعاف
قدرتها حتى على الرد هو قصور في الإدراك السياسي للسلطة وعامل لا يساعد
الفلسطينيين على حرية الحركة.
أما العنصر البارز في موقف السلطة فهو السرّ الكامن في اندفاعها لتبرئة
الاحتلال من دماء الفلسطينيين والإصرار على هذه التبرئة. وحتى لو كانت السلطة
منزعجة من حماس ودورها وعلى خلاف سياسي معها فلا يكون الرد بتبرئة الاحتلال،
لأن من قضى من الشهداء هم من المواطنين الفلسطينيين الأبرياء والأطفال والسلطة
مسؤولة عن دمائهم.
العدوان الأخير على قطاع غزة يجب أن ينظر له من زاوية قديمة أيضاً، وهي أن
الاحتلال وهو يعلن استعداده لإخلاء غزة، توعّد برد عنيف على القطاع وأهله،
وهناك من قادة الاحتلال من طالب بإحراق غزة، ومؤيدو إخلاء غزة من المسؤولين
الصهاينة يريدون قصف غزة لتعزيز وجهة نظرهم بالردع وبأن الخروج كان بقرار
صهيوني، ومعارضو إخلاء غزة يريدون قصف القطاع ليؤيدوا وجهة نظرهم بأن المقاومة
في غزة قوية ويجب الرد عليها، وحتى لو اضطر الأمر إلى احتلال القطاع مجدداً.
لكن أكثر ما أساء للصهاينة ومعهم بعض المسؤولين في السلطة الفلسطينية أن
المقاومة في قطاع غزة أكدت التزامها بنهجها والاستمرار في مشروعها لتحرير
الأراضي الفلسطينية والقدس، والدفاع عن حق العودة، ما يعني أن المقاومة مستمرة،
وخروج الاحتلال من غزة بداية المشوار لا نهايته.
والرد على هذه الجريمة يكون عبر الالتفاف حول المقاومة وحماية مشروعها وتعزيز
الوحدة الوطنية والرد على الاحتلال بشتى السبل وتصعيد المواجهة معه، وتشكيل
قيادة فلسطينية موحدة.
مجزرة جباليا
استشهد تسعة عشر مواطناً فلسطينياً وجُرح أكثر من خمسة
وثمانين آخرين، جراح بعضهم خطرة، وذلك حين أقدمت طائرات الاستطلاع الصهيونية
على إطلاق أربعة صواريخ على مسيرة لحركة حماس في منطقة جباليا حيث كان يجري
احتفال بمناسبة مرور عام على تصدي المقاومة للاجتياح الصهيوني للمنطقة الشمالية
في قطاع غزة، وهو ما أدى في حينها إلى استشهاد 140 مقاوماً معظمهم من كتائب
القسام. وبعد مرور جزء من الاحتفال وبينما كان القيادي البارز في حماس، الأستاذ
إسماعيل هنية، يلقي كلمته ظهرت طائرات الأباتشي والاستطلاع في سماء المنطقة
وقامت بإطلاق عدة صواريخ على إحدى عربات المجاهدين المحملة بمجسمات بلاستيكية
لصواريخ القسام ممّا أدى إلى إصابتها وسقوط هذا العدد الكبير من الشهداء
والجرحى. عُرف من الشهداء: القائد الميداني أسعد عبد القادر ريان، القائد
الميداني هشام محمد الكحلوت، القائد الميداني جهاد محمد شلايل، عصام رجب، خليل
سالم، وسام مسعود، عبد سعيد زايد، فايد الحو، عماد طه رجب، محمد إبراهيم رجب.
إضافة إلى عدد من الشهداء ما زالت أسماؤهم مجهولة.
حماس تتوعد الاحتلال
وتدين دفاع السلطة
رأت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن الكيان الصهيوني ومن
خلال جريمته في جباليا يؤكد أن الانسحاب من قطاع غزة ليس ناجزاً، وأن يد
الاحتلال ما زالت طليقة في اعتدائها على أبناء شعبنا، تستهدف من تشاء وساعة
تشاء، وما زال يعبث في أمن شعبنا. وأشارت حماس إلى أن ((هذه الجريمة البشعة
وحجمها يدحض كل حجج الداعين لنزع سلاح المقاومة، فهذا السلاح هو الذي دحر
الاحتلال عن أرض غزة، وهو وحده القادر على حماية أبناء شعبنا والتصدي
للعدوان)).
وأكدت حركة حماس على أن ((الجريمة الصهيونية لن تمر دون رد، وأن المقاومة ستثأر
للدماء الزكية التي سقطت في هذه المجزرة البشعة)). واستهجنت الحركة مسارعة بعض
المسؤولين في الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى تبرئة الكيان الصهيوني من
المسؤولية عن هذه الجريمة البشعة دون تحرٍّ ودون دراية بحقيقة الموقف في تطابق
غريب مع الرواية الصهيونية، ورغم آلاف الشهود، بل وإظهار بعضهم الشماتة بما
حصل. وشدّدت حماس على أن محاولة الادعاء بأن وجود صواريخ أو عبوات كانت السبب
في العدد الكبير من الإصابات يكشف كذب المدعين، فكل الصواريخ التي كانت في
العرض هي مجسمات غير حقيقية.
ريان: ما عُرض مجسمات
وليس أسلحة
أكد المسؤول السياسي البارز في حماس الدكتور نزار ريان أن
أسلحة كتائب عز الدين القسام التي عرضت في مخيم جباليا أثناء وقوع الانفجار هي
مجسمات لا تقتل ولا تنفجر. أضاف ريان ((عسكرنا حريص على جيشه وعلى الناس، ولا
يخرج بمثل هذه الأسلحة، ونحن نقول الحقيقة ونعلمها ونعلم أصولها)). كلام ريان
جاء خلال مؤتمر صحفي عقده بعد انفجار جباليا وعرض خلاله قطعة إلكترونية وجدها
الأطباء في جسد أحد الشهداء، مما يثبت تورط الاحتلال الصهيوني بالعملية الآثمة.
كما حضر المؤتمر القائد الميداني في كتائب القسام أحمد الغندور والذي سرت
إشاعات حول استشهاده.
وقال ريان إن من بين الشهداء شقيقه القائد المجاهد أسعد عبد القادر ريان. وأشار
إلى أن ((العدو الصهيوني يعلن عدم مسؤوليته اليوم عن الجريمة في حين أنه ينفي
أيضاً المسئولية عن قتل الشهيد أبي جهاد، وينفي قتل الشهيد عز الدين خليل في
سوريا، في حين أن عدونا المجرم هو الذي قتل أبناءنا حيث شاهدنا خلال المهرجان
طائرات الأباتشي تحوم حولنا)). واستهجن ريان إصدار وزارة الداخلية أربعة بيانات
بعد الجريمة مباشرة دون الوصول إلى موقع الحادث وجمع الأدلة. من جانبه ذكر أحمد
الغندور أن ((هناك اتفاق القاهرة والتزمنا به، فإن كان هناك التزام سنلتزم، وإن
وقعت خروقات سنرد في الزمان والمكان المناسبين)).
ردّ أولي للمقاومة
في ردّ أولي على المجزرة الصهيونية في جباليا تمكنت ((كتائب
الشهيد عز الدين القسام)) من قصف مستوطنات الاحتلال بثلاثة عشر صاروخاً من طراز
((قسام)). فقصفت مستوطنة (سديروت) بخمسة صورايخ، ومستوطنة ناحال عوز بأربعة
صواريخ، أما موقع ((أبو مطبيق)) العسكري شرق البريج فتم قصفه بأربعة صواريخ.
وأدّى هذا القصف إلى جرح خمسة صهاينة. ألوية الناصر صلاح الدين من جهتها أعلنت
المسئولية عن قصف مستوطنة (سديروت) بصاروخين من طراز ((ناصر)).