ماذا جرى في لقاء الرئيس السوري بقادة الفصائل
الفلسطينية؟
اكتسب اللقاء الذي استضاف فيه الرئيس السوري بشار الأسد
الأمناء العامّين للفصائل الفلسطينية المقيمين في دمشق أهمية استثنائية في
توقيته ومضمونه والرسائل الموجهة من خلاله.
فقد أرادت دمشق من هذا اللقاء تأكيد تمسكها بالحقوق العربية وبالدفاع عن الشعوب
العربية ضد ما تتعرض له من تهديدات ومشاريع هويتها ودورها وحاضرها ومستقبلها.
وأن يجيء هذا اللقاء بطلب من الرئيس السوري بشار الأسد له اعتبار خاص لما تمثله
قضية فلسطين وشعبها ومقاومته وحقوقه وصموده لدى القيادة السورية والشعب السوري،
وهو ما حرص الرئيس السوري على تضمينه في ثنايا حديثه أمام قادة الفصائل
الفلسطينية.
لكن ماذا جرى في اللقاء؟
لقاء الرئيس بشار الأسد بقادة الفصائل الفلسطينية هو الثاني خلال ما يقارب
الشهر، وجاء الأول مع حفل عشاء أقامه الرئيس الأسد وحضره قادة الفصائل أثناء
زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى دمشق. وفي هذا اللقاء حرصت دمشق
على إبلاغ الحضور بدعمها للقضية الفلسطينية وحثّتهم على الوحدة.
لكن اللقاء الثاني كان حافلاً بالأحاديث والمعاني السياسية، فقد هنّأ الرئيس
الأسد الشعب الفلسطيني بالانتصار الذي تحقق بخروج الاحتلال من قطاع غزة واعتبره
نصراً للفلسطينيين وثمرة نضالهم وصمودهم. ودعا القوى الفلسطينية إلى الوحدة
وحذّر من انتشار الخلافات والمشاكل الداخلية. وتوقف الرئيس الأسد عند موضوع
اللاجئين الفلسطينيين فأكد أن لجوء الفلسطينيين إلى الدول العربية المجاورة جاء
بحكم الأمر الواقع والاضطرار، وهو قصد بسبب سياسة الإرهاب الإسرائيلي ضد
المدنيين، لكنه أشار إلى تمسك الشعب الفلسطيني بالعودة إلى وطنه ودعا إلى تفعيل
قضية ومطلب حق العودة، ولفت إلى أن من حق الفصائل أن تناضل من أجل الحفاظ على
حق العودة.
وحول موقف سوريا من قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، أكد
الرئيس الأسد أن سوريا ليس لها علاقة بالاغتيال، وتوقف عند التحقيقات التي
يجريها رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي الألماني ديتليف ميليس، فقال إن ليس
هناك ما يدين سوريا جرمياً.
لكن رغم عدم إدانة سوريا جرمياً أوضح الرئيس الأسد أن الخشية قائمة من تسييس
الموضوع. ويعكس موقف الرئيس من محاولات إلصاق تهمة اغتيال الحريري بالسوريين
كما تحاول واشنطن لنيل غايات سياسية. ولم يفُت الرئيس الأسد الإشارة إلى احتمال
تشكيل محكمة دولية في قضية اغتيال الحريري، فيما يظهر أنه نهج مدروس لجرجرة
سوريا وابتزازها.
لكن الرئيس الأسد رد على هذا الاحتمال بالقول إن سوريا أبلغت جميع الأطراف
المعنية رفضها لسياسة الابتزاز ولكل محاولات تحييد سوريا عن موقفها السياسي
ودعمها للقضايا العربية، وأكد الأسد أنه لو اتهمت سوريا بدون حق فإن لها موقفها
وخياراتها في التعامل مع كل الاحتمالات.
بماذا ردّت الفصائل؟
الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي أثار جلوسه إلى جانب
الرئيس الأسد أسئلة المراقبين والمتابعين أكد وقوف حماس والقوى الفلسطينية
والشعب الفلسطيني إلى جانب سوريا والأشقاء السوريين في صمودهم وفي مواجهة كل
التحديات والضغوط التي يتعرضون لها، وأشاد الأستاذ مشعل بموقف سوريا الداعم
للحق الفلسطيني واعتبر أن مسألة الدفاع عن سوريا واجب على كل القوى الحيّة في
الأمّة.
وتوقف رئيس المكتب السياسي لحماس عند اندحار الاحتلال الإسرائيلي عن قطاع غزة،
فاعتبره نصراً للمقاومة وإنجازاً للشعب الفلسطيني الصامد المقاوم. وتوقف مشعل
عند كل الأخطار والتهديدات المحيطة بالقضية الفلسطينية وبحقوق الشعب الفلسطيني
فأكد على تمسك الشعب الفلسطيني بالوحدة والمقاومة مشدداً على خيار الحوار
الداخلي لحلّ كافة الإشكاليات. ولم يغب عن بال مشعل التوقف عند التداعيات
السياسية الكثيرة لما بعد خطة فك الارتباط خصوصاً فيما يتعلق بالضفة الغربية.
اجتماع لقادة الفصائل الفلسطينية
يقرّ تشكيل لجنة عليا
تعددت اللقاءات التي جمعت قادة الفصائل الفلسطينية في دمشق،
لكن اللقاء الأخير الذي عقد في الخامس من أيلول/سبتمبر الماضي كان أهمها
وأكثرها تقدماً، لأنه أدى إلى اتفاق قادة الفصائل على آلية عمل تمثلت في تشكيل
لجنة عليا للأمناء العامّين.
ولعبت حركة حماس دوراً في الدفع باتجاه التقدم الذي حصل، نتيجة حرص الحركة على
الوحدة الوطنية واجتماع القوى وحماية الحقوق والمنجزات الفلسطينية.
وسبق لقادة الفصائل الفلسطينية وبينهم أمين سرّ حركة فتح فاروق القدومي أن
اجتمعوا أكثر من مرة في العاصمة السورية دون الاتفاق على آلية عمل مشتركة.
وكانت الاجتماعات تتوقف عند تطورات القضية الفلسطينية ومتابعة المواقف
الصهيونية وتفاصيل الحوارات الجارية بين الفصائل في غزة والقاهرة.
وهناك أسباب كثيرة منعت القوى الفلسطينية في السابق من التوافق على آلية عمل
مشتركة، منها تصلّب بعض الفصائل في موقفها وانتظار آخرين استحقاقات معينة سواء
داخلية أو خارجية أو إصرار البعض على استبعاد فصائل أخرى بذريعة أنها منشقة.
لكن هناك تطورات كثيرة دفعت إلى هذا التشكيل منها الاستمرار في النقاشات
الفلسطينية بعد تفاهم القاهرة في آذار/مارس الماضي، والتباطؤ المتعمّد في سياسة
رئيس السلطة تجاه دعوة قادة الفصائل إلى اجتماع من أجل مناقشة سبل إدخال
إصلاحات سياسية وتنظيمية على منظمة التحرير الفلسطينية، وتداعيات خروج الاحتلال
من قطاع غزة على القضية الفلسطينية ومستقبل المقاومة، والضغوط التي تتعرض لها
سوريا.
ولا شك أن التوافق على تشكيل لجنة عليا للأمناء العامّين لا يعني نهاية المطاف،
فهذه اللجنة أمامها الكثير من القضايا والعناوين التي ستكون محلّ نقاش وبالأخص
حول آلية العمل وكيفية اتخاذ القرار وصلاحياتها ودور السكرتاريا التنفيذية أو
أمانة السرّ، وانعكاسات القضايا الثنائية على آلية العمل، وأثر محاولات استبعاد
هذا الفصل أو ذاك عن التشكيلة، ودور هذه اللجنة أو مستوى تأثيرها في الحوارات
التي جرت في القاهرة، وبالأخص إذا ما ظلت السلطة مصرّة على المماطلة في دعوة
الأمناء العامّين والتي إلى اليوم لم تقم بأي خطوة في هذا الاتجاه إلا الزيارة
اليتيمة التي قام بها سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني إلى دمشق.
ما تأثير ما يجري داخل حركة فتح على هذه اللجنة؟
لا شك أن أعمال هذه اللجنة ستتأثر بالترتيبات التنظيمية داخل حركة فتح. ومستوى
التقدم في حلّ الخلافات الداخلية أو اتساع رقعة التباينات سوف يلعب دوراً
بارزاً في مدى فاعلية هذه اللجنة.
ولا يخفى أن هناك أوساطاً في حركة فتح لم تكن سعيدة بالأخبار التي سمعتها عن
تشكيل هذه اللجنة وهي تعتبرها استباقاً لاستحقاقات كثيرة، كما لا يخفى أن
أوساطاً أخرى داخل فتح أيضاً تحاول الاستقواء بهذه اللجنة في مسائل داخلية.
أما بخصوص موقع ودور حركة فتح–الانتفاضة بقيادة العقيد أبو موسى، فلوحظ أنها
غابت أو لم تُدعَ في الأساس إلى الاجتماعات، وذلك فيما يبدو أنه تحفّظ من طرف
فاروق القدومي على حضورهم. وإذا كان عدد من الفصائل المشاركة متمسكاً بحضور
فتح–الانتفاضة هذه الاجتماعات ودورها في اللجنة العليا، فإن جهات كثيرة داخل
حركة فتح–اللجنة المركزية ترفض ضمّ فتح-الانتفاضة بحجة أن هؤلاء انشقوا عن فتح
التنظيم الأساسي وهم لا يمثلون نهج أو خط فتح ولا يخضعون لقيادتها.
وأمام الدعوة إلى الوحدة والحوار الهادئ وتجميع الصف، وإصرار القيادات
الفلسطينية على ذلك، دعت حركة فتح-اللجنة المركزية حركة فتح-الانتفاضة إلى
تغيير اسمها والمشاركة لاحقاً كفصيل مستقل في كل الفاعليات.
قيادات فلسطينية حاولت التوسط بين الجانبين لكنها لمست إصراراً من
فتح-الانتفاضة على انتمائها الفتحاوي وتمسكها بنهج فتح، وأعرب قادة
فتح-الانتفاضة عن صعوبة تخلّيهم عن اسم فتح، وأقصى ما لمسته القيادات
الفلسطينية من موقف فتح-الانتفاضة هو استعدادهم للتعامل بإيجابية مع كل ما من
شأنه تفعيل الحوار الفلسطيني. أما مسألة الاسم فهو أساسي، وليس من المستبعد أن
يتفق طرفا فتح على تمييز اسم فتح-الانتفاضة كصيغة ترضي الجانبين، طالما أن لا
جهة يمكنها احتكار الاسم.
وقبيل اجتماع قادة الفصائل عُقد لقاء بين الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب
السياسي لحركة حماس والسيد فاروق القدومي أمين سرّ حركة فتح جرى فيه التباحث في
كافة القضايا الفلسطينية المطروحة.