رئيس قسم اللغة العربية في
الجامعة الإسلامية بغزة الدكتور يوسف الكحلوت:
ما زال للشعر دوره الفاعل في إذكاء روح المقاومة
كثير من الشعراء استطاعوا تأريخ الحدث بأشعارهم
حاورته/ ابتسام مصطفى
يشغل الدكتور يوسف شحدة الكحلوت
منصب رئيس قسم اللغة العربية - كلية الآداب في الجامعة الإسلامية بغزة، ولد عام
1961 وتعود جذوره لقرية نعليا قضاء عسقلان، يعمل محاضراً في الجامعة، وقام
مؤخراً بجمع الأشعار التي قيلت بعد انتفاضة الأقصى في مجلد سماه ((مختارات من
شعر انتفاضة الأقصى المباركة - الجزء الأول))، ضم أشعار الكثيرين من شعرائنا
المعاصرين، وقد تمت طباعة الكتاب مرتين في عام واحد ويعدّ الآن لطباعة الجزء
الثاني من هذه الأشعار.
توجّهنا إليه في مكتبه في عمادة كلية الآداب، وكان لنا معه هذا الحوار:
- اضطلع الشعر بدور مهم في إذكاء روح المقاومة على مدى
التاريخ النضالي الفلسطيني، هل ما زال الشعر قادراً على ممارسة دوره في إيقاظ
الأمة ودفعها باتجاه المقاومة؟
• كما كان للشعر دوره في إذكاء ثورة عام 1936 حيث أشعار إبراهيم طوقان، وعبد
الرحيم محمود..
سأحمل روحي على راحتي * * * وألقي بها
في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق * * * وإما ممات يغيظ العدى
ونفس الشريف لها غايتان * * * ورود المنايا ونيل المنى
فإن جذوته ما زالت متقدةً إلى يومنا هذا، فقد اضطلع بدور كبير في الانتفاضة
الأولى والثانية حيث واكب الشعراء الفعل الجهادي، فكانت كلماتهم ترصد رمي الحجر،
وطعنة السكين، وزخات الرصاص، ودوي القنابل، وانطلاق الصاروخ، ورصدت مقاومة
الطفل، وتضحية الاستشهادي، ودور الأمهات الخنساوات، وصنيع كتائب العزّ والفداء،
وقد جمع شعر الانتفاضة الأولى الدكتور عادل أبو عمشة؛ ليبقى جهده هذا سجلاً
يؤرخ لتلك الأيام من تاريخنا الجهادي، وجاءت بعدها انتفاضة الأقصى الثانية،
فتدفق الشعر بلا حدود من أبواب شتى؛ من الإنترنت والصحف والمجلات ودواوين
الشعراء وغيرها، فلم يترك الشعراء حدثاً صغيراً أو كبيراً في هذه الانتفاضة إلا
وعبّروا عنه برؤى مختلفة، وبزوايا متباينة. وقد نجد الحدث الواحد تتقاذف إليه
قصائد عدة من دول مختلفة، ومن شعراء متباينين، وكلها تصب في الحدث الجهادي،
وترفع من روح المقاومة، وتشدّ عضد هذا الشعب، ولو لم يدرك الشعراء والشعب أهمية
هذا الشعر؛ لما كانت له هذه الحظوة عندنا؛ ولما انبرى فريق من الكتاب في جمعه
في مختارات؛ ولما قام الباحثون بعمل دراسات عليه، وليس أدل على قدرة هذا الشعر
على إذكاء روح المقاومة من انتشاره على الألسنة، حتى أصبح يتغنى به الأطفال
والشباب والشيوخ مثل قصيدة المقدّم ماهر عبد الله -رحمه الله– ((فتنت روحي يا
شهيد)) وغيرها من القصائد الحماسية الجهادية.
- اتسم شعر انتفاضة الأقصى بمضامين جديدة لم تكن متناولة
في الشعر المقاوم ما أهم هذه المضامين؟
• ذكرنا أن الشعراء سجلوا في شعرهم الأحداث التي مرت بها الانتفاضة بكل دقائقها،
سواء ما استحدثه الشعب الفلسطيني بأطفاله وشبابه، ونسائه وشيوخه من أساليب
وأدوات للمقاومة، أو ما تعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتدمير وانتهاك للحرمات
والمقدسات من قبل جيش العدو، وإذا أردنا أن نستعرض بعض هذه المضامين نجد كثرة
الحديث عن الاستشهادي، والحجر، ودور الطفل والأم، والتخاذل العربي، وعملية
السلام، والقمم العربية، وصواريخ البتار والقسام.. وغيرها الكثير من المضامين.
ونذكر مثالاً على ذلك لعبد الرحمن العشماوي حيث يعرض رؤيته لمشروع السلام قائلاً
في قصيدته ((الأمل القادم)):
أنظر إلى لون السلام وطعمه * * * مرّ
مذاقته ولون فاقع
قالوا السلام أتى فتابعنا الذي * * * وصفوا، فبان لنا الكلام الخادع
قلنا لهم أين السلام فما نرى * * * إلا أكفّ الواهمين تبايع
شتان بين مسالم ومتاجر * * * إن المتاجر للكرامة بائع
في كف داعية السلام مَزاهر * * * وبكف تجار السلام مَقامع
أرأيت في الدنيا سلاماً عادلاً * * * تدعو إليه قنابل ومدافع
- بم تفسر تطور الأدوات الشعرية لدى شاعر انتفاضة الأقصى؟
• تطور الأدوات الشعرية جاء مواكباً لتطور الأحداث على الأرض الفلسطينية
وتسارعها، فالشعراء الذين كتبوا شعرهم في انتفاضة الأقصى عايشوا هذه الانتفاضة
وواكبوا أحداثها الملتهبة، سواء كانت هذه المعايشة عن قرب، كشعراء فلسطين الذين
يعيشون الحدث ويتفاعلون معه، ويكونون جزءاً منه في الكثير من الأحيان، أو
الشعراء خارج فلسطين الذين يشهدون الأحداث عبر وسائل الإعلام؛ فيتفاعلون معها
أيضاً ويتحرقون ألماً لما يحدث لإخوانهم، ونتيجة لهذه المعايشة جاءت الأشعار في
لغتها وألفاظها متشحة بثوب الأرض الفلسطينية الزاهي أحياناً بالانتصارات،
والمتهتك أحياناً أخرى بالدمار والقصف والأشلاء، كما جاء إيقاع القصائد منسجماً
مع إيقاع القنابل والرصاص والتدمير وهدير الطائرات وأصوات الثكلى والأيتام،
وجاءت صورهم أحياناً حمراء تقطر دماً، وتمتلئ أشلاءً، وأحياناً أخرى مفعمة
بالأمل ومشرقة بالتفاؤل إذا ما سجل أبناء فلسطين انتصاراً سياسياً أو عسكرياً
على الأرض.
- هل استطاع الشعراء مواكبة الأحداث على الساحة السياسية
وإيصال رسالتهم للجماهير؟
• نعم استطاعوا في الكثير من الأحيان، فقد سجلوا في أشعارهم كل الأحداث
السياسية التي مرت بها القضية الفلسطينية أثناء الانتفاضة، فتحدثوا عن عملية
السلام، واجتماع الزعماء، والقمم العربية: شرم الشيخ والعقبة، وغيرها،
والمفاوضات، وما أحدثه اليهود من دمار، وخراب في ديارنا، وما أحدثته المقاومة
فيهم من إذلال وهوان، ولقد وصلت رسالتهم لشريحة عريضة من الجماهير فتفاعلوا
معها فكانت أشعارهم معبرة عن ضمير الأمة وتطلعاتها في النصر والتمكين.
- من هم رواد الشعر الفلسطيني المقاوم وكيف تقيّم أداءهم
الشعري؟
• لقد لمعت أسماء عدد من الشعراء بحسبانهم رواداً للشعر الفلسطيني المقاوم،
منهم: عبد الغني التميمي، خميس، محمد صيام، عبد الرحمن بارود، وكمال غنيم، هشام
غانم، سمير العمري، وعبد الخالق العف، وأحمد الريفي، ومحمد البع، وسهيل أبو
زهير، وغيرهم الكثير.. وقد أدى شعرهم دوراً متميزاً، ومؤثراً في إيقاد جذوة
المقاومة، وفي إثراء الساحة الأدبية بكمّ كبير من الشعر المقاوم؛ مما فتح شهية
النقاد لإخضاع تلك الأشعار للدرس والتحليل.
- لقد برزت في انتفاضة الأقصى ظاهرة القادة الشعراء
الذين خضبوا كلماتهم بالدم، كيف تفسر هذه الظاهرة؟
• نعم، فهؤلاء القادة كعبد العزيز الرنتيسي، وإبراهيم المقادمة، ومحمد طه،
وغيرهم، هم مفكرون ودعاة في الأساس، كما أن من استطاع أن يبدع في مقاومة
الاحتلال، وأن يصبر على الأذى في السجون والمعتقلات، وامتلك حساً مرهفاً رققته
آي القرآن، وأرهفه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أصبح الواحد منهم نبعاً
فياضاً في كل شيء، ليس غريباً عليه أن يكون مبدعاً في الشعر، وفي السياسة وأن
يخضب كلماته بالدم، إنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه فصدقهم الله وعده، وقصيدة
((حديث النفس)) للشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي تظهر صدقه في هذا الميدان:
إن تصبري يا نفس حقا ترفعي
في جنة الرحمن خير المرتع
إن الحياة، وإن تطل، يأت النعي
فإلى الزوال مآلها، لا تطمعي
إلا بنيل شهادة فتُشفّعي
وتبقى كلمات الدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة خير شاهد على نبل الهدف وصدق
المعتقد، حيث يقول في قصيدته ((عام دراسي جديد)):
أنا للجنة أحيا، يا إلهي
في سبيل الحق فاقبضني شهيداً
واجعل الأشلاء مني معبراً
للعز للجيل الجديد
- هناك الكثير من المقولات التي تدعي أن الخطاب الإسلامي
مغيّب من قبل وسائل الإعلام فما مدى صحة هذه الأقوال؟
• هذه المقولة غير صحيحة فقد استطاع الخطاب الإسلامي أن يفرض نفسه على كافة
وسائل الإعلام، بل تحاول بعض وسائل الإعلام عن طريق تبنّيها الخطاب الإسلامي أن
تقترب من الجمهور علّها تجد عنده الحظوة؛ لأنها أدركت ما لهذا الخطاب من تأثير
حتى أننا أصبحنا نجد الأنشودة الإسلامية تتردد في أغلب الإذاعات، فما عادت
الأذن تستطيب الخطاب القديم المنهزم أو ذاك الذي يرتكز على أنغام الحب والعشق
والوصل واللقاء.
- هل تؤمن بضرورة توحيد جهود الشعراء الإسلاميين الذين
يتبنون فكر المقاومة في روابط أدبية؟ وهل استطاع اتحاد الكتاب الفلسطينيين أداء
الدور المطلوب منه في هذا المجال؟
• نعم لا بد من توحيد الجهود ليكوِّنوا عصبة واحدة تخدم الأدب المقاوم وتجذر
أصوله وتنطلق في إطار فكري منبثق من معتقد الأمة الذي يذكي المقاومة، ويمدها
بزادها، ويشعل أوارها، وبذلك نستطيع أن نبني أدباً مركّباً؛ أدباً مقاوماً، وفي
الوقت ذاته أدباً إسلامياً.
للأسف لم يقم اتحاد الكتاب الفلسطينيين بدوره المنشود في خدمة أدب المقاومة،
لأنه يهتم بشريحة معينة من الكتاب تنتمي إلى حزب معين سلك درب السلام، فلم تخدم
منشوراته أدب المقاومة لا شعراً ولا نثراً.