المسيرة
الأوروبية على كفّ الإرادة الشعبية:
البحث عن مخرج من أزمة رفض الدستور
بون/نبيل شبيب
حتى اللحظة الأخيرة بقيت آمال أنصار مسيرة الوحدة الأوروبية معلّقة على أن تخطئ
عمليات استطلاعات الرأي في تنبؤاتها وأن تميل نسبة من السكان ممّن لم يتخذ
موقفاً نهائياً قبل التصويت إلى الموافقة على الدستور الأوروبي، وسقطت هذه
الآمال سقطة مريعة، في فرنسا ثمّ في هولندا، وأسقطت معها الاتحاد الأوروبي في
أخطر أزمة عرفتها مسيرة توحيد أوروبا منذ أوّل خطوة لها عقب الحرب العالمية
الثانية.
تعجيل الوحدة يعرقلها
الخطوة الراهنة التي ارتبطت بالدستور الجديد كانت أكبر وأسرع تنفيذاً من سائر
خطوات الوحدة الأوروبية السابقة، فالنقلة من اتحاد صناعة الفولاذ، إلى السوق
الأوروبية المشتركة، فالرابطة الأوروبية، فالاتحاد الأوروبي، لا تقارن من حيث
حجمها ونوعيّتها مع المخطط الذي وُضع في اتفاقية ماستريخت قبل زهاء عشرة أعوام،
وكان من المفروض أن يوصِل الآن إلى توحيد السياسات الخارجية والأمنية بعد توحيد
النقد، وأن يوجد أجهزة إدارية مركزية مشتركة بصلاحيات أكبر –نسبياً- وآليّات
أفضل لاتخاذ القرار الأوروبي ممّا كان حتى الآن. واقترن هذا المشروع الاندماجي
للاتحاد، بمشروع توسعته من 15 إلى 25 دولة عضواً، خلال فترة وجيزة للغاية
بالمقارنة مع عمليات التوسعة السابقة على مراحل رفعت عدد أعضاء الاتحاد من 6
دول إلى 15، ولكن خلال أربعة عقود تقريباً. يضاف إلى ذلك أنّ الفترة الماضية
كانت تشهد انضمام دول أوروبية غربية بأنظمة رأسمالية وديمقراطية مستقرة عموماً،
وبأوضاع اقتصادية جيدة نسبياً، ممّا لا يقارن بعملية التوسعة وضبط حصيلتها
مالياً ودستورياً الآن، ليتألف الاتحاد من مجموعة ضخمة من الدول المتفاوتة فيما
بينها تفاوتاً كبيراً، ما بين دول صغيرة وكبيرة، اقتصادياً وسياسياً، ودول
بتاريخ سياسي متباين، ما بين شرق أوروبا وغربها.
إنّ في مقدّمة ما يفسر الرفض الفرنسي والهولندي للدستور هو المخاوف الشعبية
المتنامية من نتائج هذه الخطوة الكبيرة على الأوضاع الاقتصادية والسياسية داخل
البلدين، ويأتي ذلك في فترة تتنامى فيها اليقظة الوطنية والقومية والدينية في
معظم بلدان أوروبا. ويتّصل بهذه المخاوف الشعبية عدد من الأسباب الظاهرة للعيان،
والتي كانت تشير إليها عمليات استطلاع الرأي، منها الخشية من مركزية أوروبية
أكبر على حساب القرارات الوطنية والمحلية، ثمّ المخاوف من ازدياد حجم تيارات
الهجرة من البلدان الشرقية إلى الغربية، فضلاً عن المخاوف من ازدياد المنافسة
الزراعية، ثم ارتفاع حجم النفقات المالية على الدول الغربية لصالح الدول
المنضمّة حديثاً.
والواقع أنّ معظم هذه المخاوف ليست في مكانها، وأنّ الفوائد الاقتصادية بصورة
خاصة تتحقّق لسائر الدول الأعضاء، فيما بينها ومن خلال ازدياد قوّة الاتحاد
الأوروبي اقتصادياً على المستوى العالمي، وهذا ممّا يشير إلى سبب آخر يتقدّم
سواه على ما يبدو من وراء الرفض الشعبي المتنامي لدستور الاتحاد، فحتى الآن
كانت الجهود الرسمية لتعريف السكان بالخطوة الجديدة وأبعادها ونتائجها المتوقعة،
وبالدستور والتوازن في الصلاحيات المقرّرة فيه ما بين الأجهزة المركزية،
والوطنية، وعلى مستوى المناطق، جهوداً منخفضة المستوى إلى حدّ كبير.
وتكشف عمليات استطلاع الرأي في هذه الأثناء أنّ آثار الرفض الفرنسي والهولندي
واسعة النطاق على المستويات الشعبية في بلدان أخرى، كالدانمارك وبولندا
وبريطانيا وإيرلندا والبرتغال، ففي هذه البلدان وسواها ترتفع نسبة الرافضين
وتنخفض نسبة الموافقين على الدستور بصورة ملحوظة وباطّراد، وهذا ما يدفع إلى
استبعاد اكتمال عملية التصديق على الدستور، لا سيّما حيث كان مقرراً إجراء
استفتاءات، وقد أظهرت الحكومات المعنية تردّداً عن هذه الخطوة، وقد أصبحت دون
فائدة ما دام سريان مفعول الدستور مشروطاً بإجماع الدول الأعضاء في عملية
التصديق عليه، علاوة على عدم رغبة هذه الحكومات في إجراء استفتاءات من المرجّح
أن تكون نتائجها مناقضة لسياساتها الرسمية.
احتجاج على الضغوط الاجتماعية
ولا تنقطع التحليلات الجارية عن الأسباب البعيدة التي ساهمت في الرفض الشعبي
الأوروبي عموماً تجاه خطوة حاسمة في المسيرة الأوروبية، لا سيّما وأنّ انخفاض
نسبة المعرفة بنصوص الدستور الجديد نفسه، وبأبعاد سريان مفعوله، يرجّح أنّ وراء
الرفض أسباباً أخرى، ومن أبرزها وفق التحليلات الأوروبية الغضب الشعبي المتزايد
إزاء سياسات الحكومات الأوروبية تحت تأثير العولمة، وتحوّل الأحزاب اليسارية في
الائتلافات الحكومية وفي المعارضة إلى أحزاب يمينية بصورة تدريجية ومتصاعدة منذ
سقوط الشيوعية، وهذا ما ينعكس في اتباع سياسات اقتصادية متشدّدة وفق ما يُسمّى
الليبرالية الجديدة، والتي باتت أهدافها الرئيسية تحسين الوضع الاقتصادي بتحسين
أوضاع أصحاب المال والأعمال، على حساب الضمانات الاجتماعية، وبالتالي عن طريق
تقويض مكتسباتٍ كانت قد تحققت في حقبة الحرب الباردة، عندما كانت الحكومات
الغربية تخشى من إغراءات الشيوعية للفئات الأفقر من سواها، وتعمل على توفير حدّ
أدنى من مستويات المعيشة لها عبر الضمانات الاجتماعية. بينما باتت الإجراءات
الجديدة تحت عنوان الإصلاح على حساب هذه الضمانات وبما يمثّل ضغوطاً معيشية
متزايدة على تلك الفئات بالذات، وهو يزيد هوّة الثراء والفقر داخل كلّ بلد على
حدة عاماً بعد عام. ويضاعف من أثر هذا التطوّر ما يجري من تطوّر متزامن على
صعيد الهرم السكاني، بارتفاع نسبة المتقاعدين وانخفاض نسبة القادرين على العمل،
عاماً بعد عام أيضاً.
ليس أمام الناخبين فرصة لاختيار البديل ما بين الأحزاب اليمينية سابقاً، وتلك
اليمينية حديثا تحت عناوين يسارية واشتراكية قديمة. وينعكس ذلك في اتساع نطاق
ظاهرة العزوف السياسي، الذي ينعكس بازدياد نسبة المنسحبين من الأحزاب القائمة،
وفي الامتناع عن المشاركة في التصويت، بالإضافة إلى ما يسمّى الأصوات
الاحتجاجية، ومن ذلك ما ترك أثره في التصويت على الدستور الأوروبي، ويسري هذا
على فرنسا، ولا يسري على هولندا، التي تُعتبر الأوضاع الاقتصادية فيها أفضل
نسبياً.
وهنا يمكن القول إنّ ازدياد حرص المسؤولين الأوروبيين على النهوض بالاتحاد
الأوروبي إلى مستوى قوّة دولية منافسة للولايات المتحدة الأمريكية ولمواجهة
سياسات الهيمنة التي تتبعها عالمياً دون مراعاة حلفاء الأمس، جعل الدول
الرئيسية في الاتحاد، لا سيما فرنسا وألمانيا الموصوفتان بمحرّك سياساته، تدفع
دفعاً إلى الإسراع في عمليتي التوسعة والاندماج، وكان الدستور هو المحطة
الرئيسية على هذا الطريق. وتضمنّت السياسة المعنيّة ممارسةَ ضغوط كبيرة على
الدول الأصغر في الاتحاد، وهو ما ضاعف الانطباع بأنّ اكتمال خطوات تطوير وضعه
الدستوري سيكون لحساب الدول الأكبر فيه.
ويتردّد ذكر أسباب إضافية للرفض الشعبي، كالخشية من تيارات هجرة من الدول
الشرقية، والمعارضة المتزايدة لمفاوضات الانضمام مع تركيا، وهي أسباب تعزّزها
مظاهر اليقظة القومية والدينية، ولكن من العسير القول إنّها تسري على الغالبية،
وقد تكون من العوامل الإضافية فحسب من وراء رفض الدستور الأوروبي.
هذا التنوّع الكبير في دوافع الرفض، والذي اجتمعت على الدعوة إليه قوى سياسية
واجتماعية متباينة فيما بينها إلى حدّ كبير، يضاعف صعوبة المهمّة أمام الساسة
الأوروبيين للخروج من الأزمة الجديدة. ويظهر ذلك في الحديث المتضارب حول تعديل
الدستور نفسه، وهو ما لا يمكن تحقيقه بسهولة، بعد أن استغرقت المفاوضات على
صيغته الحالية عدّة سنوات، وشهدت صعوبات جمّة قبل الوصول إلى حلول وسطية. كذلك
فالاقتراح النمساوي بصدد إجراء استفتاء شعبي شامل للأوروبيين، لا يمكن تحقيقه
بسهولة على ضوء المعطيات الدستورية في كلّ بلد على حدة، فضلاً عن قابلية أن
يثير ارتفاع نسبة الرفض بالذات في الدول التي يبدو وكأنّه من أجل تجاوز الموقف
الشعبي فيها على حدة.
استراحة بالإكراه
ويضاعف خطورةَ الأزمة أنّها وقعت في توقيت بالغ الصعوبة على الدول الرئيسية في
الاتحاد، فألمانيا تقف على أبواب انتخابات جديدة وتبدّل في السلطة على الأرجح،
وقد اضطرت حكومة شرودر إلى تقريب موعدها بعد أن سجّلت الانتخابات المحلية في
معظم الولايات هبوط تأييدها إلى الحضيض، وفي فرنسا يعتبر كثير من المحلّلين
الأوروبيين أنّ رفض الدستور الأوروبي ينطوي في الدرجة الأولى على رفض سياسات
الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وفي بريطانيا رافق بقاءَ بلير في السلطة بعد
الانتخابات الأخيرة هبوطُ نسبة تأييد حزبه العمالي هبوطاً كبيراً ممّا يؤكّد
استحالة قدرته على الاحتفاظ بزعامته له إلى نهاية الدورة النيابية الحالية، وفي
إيطاليا بلغت أزمة الصراع المكشوف بين رئيس الوزراء الإيطالي والأجهزة القضائية
مستوى يجعل بقاءه في الانتخابات المقبلة على رأس السلطة مشكوكاً فيه إلى حدّ
كبير.
على ضوء هذه الصعوبات بدأ الحديث عمّا يوصف باستراحة سياسية في المسيرة
الأوروبية، والمقصود تأجيل اتخاذ خطوات جديدة فترة من الزمن واستغلالها لتواصل
أكبر بين المسؤولين والناخبين. على أنّ هذا يطرح مشكلات أخرى في المسيرة
الأوروبية، إذ سيبقى على الاتحاد اتخاذ قراراته بالإجماع، وهو ما لا يسهل بوجود
25 دولة عضواً فيه. وقد بدأت المشكلة بالظهور منذ الآن على ضوء مناقشة
الميزانية المالية القادمة للاتحاد الأوروبي.
في سائر الأحوال يبقى أنّ الأزمة الدستورية تعود بمسيرة الاتحاد الأوروبي عدّة
سنوات إلى الخلف، وهذا في فترة كان الحرص فيها كبيراً على مسارعة الخطى لتكوين
قوّة دولية تثبت وجودها على المسرح الدولي في مواجهة التحرّكات الأمريكية التي
تزيد من قلق الأوروبيين بوضوح. ولا يعني ذلك أنّ الاتحاد الأوروبي قد أضاع هذه
الفرصة نهائياً، فما يزال العنصر الرئيسي في تحديد مكانته الدولية مركّزاً على
قوّته الاقتصادية، وهي قوّة متنامية، ولا يُنتظر أن تؤثّر النكسة السياسية
والدستورية عليها، إنّما من المرجّح أن تكون فترة الاستراحة المنتظرة فرصة
لتوثيق عملية الاندماج بين الدول الأعضاء عموماً، بينما لا يُستبعد أن تعمل
الدول الرئيسية في الاتحاد على توثيق التعاون فيما بينها وتحقيق تنسيق أكبر على
صعيد السياسات الدولية، بحيث تتخذ مواقف جماعية وإن لم تحمل عنوان الاتحاد
الأوروبي.