بعد
زيارة أردوغان إلى المنطقة
المبدأ والمصلحة في العلاقات التركية – الإسرائيلية
واشنطن/د. أسامة
عبد الحكيم
انتهت على ما يبدو حالة الفتور التي كانت تسود العلاقات بين تركيا و(إسرائيل)
وبدأ الدفء يدبّ من جديد في العلاقات بين الجانبين. وجاءت الزيارة التي قام بها
رجب طيب أردوغان – رئيس الوزراء التركي في الأول من أيار/مايو الماضي بعد زيارة
عبد الله غول وزير خارجيته في بداية العام لتؤكد ذلك.
أزالت تلك الزيارة الارتباك الذي اعترى المراقبين حول حقيقة الموقف التركي وهل
كان موقفاً استراتيجياً أم تكتيكياً ينتهي بانتهاء مسبباته. ورغم أن تلك الأزمة
لم تكن الأولى في تاريخ العلاقات بين تركيا و(إسرائيل) إلا أنها كانت الأكثر
تأثيراً، لدرجة رأى فيها البعض بداية نهاية شهر العسل بين البلدين.
ويعود تاريخ العلاقات بين الجانبين إلى العام 1949 حين اعترفت تركيا بقيام دولة
(إسرائيل)، وبقيت الدولة المسلمة الوحيدة التي تتمتع بعلاقة مع الكيان الصهيوني
إلى أن أقامت مصر علاقات كاملة معه إثر اتفاقيات كامب ديفيد.
وتطورت تلك العلاقات بشكل تدريجي إلى أن بلغت أوجها في العام 1996 حين وقع
الطرفان اتفاقية تعاون استراتيجي.
وتشمل العلاقات بين البلدين كافة الميادين وأبرزها:
العلاقات العسكرية والأمنية
بدأت العلاقات العسكرية بين الطرفين التركي والإسرائيلي فور إقامة العلاقات
الدبلوماسية بينهما. ويشمل التعاون العسكري كل ما يمكن تصوره من تدريبات
ومناورات مشتركة تقوم بها كافة فروع القوات المسلحة من جوية وبرية وبحرية،
والاستخبارات العسكرية والإنتاج المشترك لأنواع عديدة من الأسلحة الآلية
والصواريخ، وصيانة وتطوير أسلحة تركية قديمة من قبل شركات إسرائيلية. وآخر ما
تم في هذا المجال هو توقيع اتفاقية تقوم بموجبها تركيا بشراء طائرات تجسس دون
طيار وأجهزة رقابة وبناء محطات أرضية للتحكم، بمبلغ يعادل 183 مليون دولار.
أما التعاون الأمني فيشمل تبادل المعلومات وتحليلها بما في ذلك تلك التي تحصل
عليها (إسرائيل) بواسطة الأقمار الصناعية. ولم تستثن الاتفاقيات الموقعة بين
الجانبين إعلام كل طرف الطرف الآخر بموعد هجرة الطيور جنوباً عبر تركيا في
الخريف وشمالاً عبر (إسرائيل) في الربيع كي لا تصطدم الطائرات الحربية بها
أثناء تحليقها. وتزيد قيمة التعاون العسكري بين الجانبين على المليار دولار
سنوياً.
العلاقات الاقتصادية
تطورت العلاقات الاقتصادية بين تركيا و(إسرائيل) تطوراً سريعاً خلال السنوات
الأخيرة ليزيد حجم التبادل التجاري غير العسكري بينهما الآن على 2 مليار دولار،
بعد أن كان لا يزيد عن 363 مليون دولار عام 1995. وتأتي تركيا في المرتبة
الثالثة عشرة من الدول التي تقوم (إسرائيل) بالتصدير إليها، فيما تأتي (إسرائيل)
في المرتبة التاسعة من الدول التي تصدر لها تركيا.
وتأتي مشاريع الزراعة والمياه والطاقة على رأس ميزان التبادل بين الطرفين. فقد
وقّعت (إسرائيل) اتفاقيات لتطوير الزراعة في مناطق جنوب شرق الأناضول وتدريب
الفنيين الزراعيين الأتراك في المركز الدولي للتعاون والتنمية الزراعية،
واتفاقيات لاستيراد 50 مليون متر مكعب سنوياً من مياه نهر منافغات التركي لمدة
عشرين سنة، فيما وقّعت مجموعة شركات زورلو التركية اتفاقية لبناء ثلاث محطات
للطاقة في الأراضي المحتلة تبلغ قيمتها 800 مليون دولار.
ويبقى الجانب الأخير والمهم جداً من ناحية اقتصادية بين الجانبين وهو المجال
السياحي، ويقدر الخبراء السياحيون عدد السياح الإسرائيليين الذين يزورون تركيا
سنوياً بـ360 ألف سائح، ينفق هؤلاء السياح في تركيا مبلغاً يزيد على 600 مليون
دولار، إضافة إلى مبلغ 2،5 مليار دولار يخسرونها في كازينوهات تركيا.
أما أسباب الأزمة الأخيرة في العلاقات بين تركيا ودولة الكيان الصهيوني فيمكن
إرجاعها إلى ما يلي:
التصريحات التي أطلقها الساسة الأتراك ضد سياسة (إسرائيل) تجاه الشعب الفلسطيني
وخاصة بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي واجتياح مدينة
رفح، حيث صرح رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أن ما تقوم به (إسرائيل) ما هو إلا
أرهاب دولة. كما صرح بعد ذلك بأن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية ضد الشعب
الفلسطيني هو السبب المباشر لانتشار ظاهرة العداء للسامية على حد قوله. كما
امتنع أردوغان عن استقبال شارون خلال توقفه في مطار إسطنبول في طريق عودته من
موسكو وامتنع عن استقبال نائبه إيهود أولمرت خلال زيارته لتركيا صيف العام
الماضي.
رفض (إسرائيل) لكافة عروض الوساطة التي تقدمت بها تركيا للعب دور في حل الصراع
بين سوريا والسلطة الوطنية من جهة و(إسرائيل) من جهة ثانية، الأمر الذي اعتبرته
تركيا إهانة لها، رغم الدور الذي توليه (إسرائيل) للدور التركي عموماً.
وجاءت القشة التي قسمت ظهر البعير في العلاقات بين الطرفين بعد ما تردد من
أخبار حول الدور الإسرائيلي في العراق عموماً ومناطق الأكراد خصوصاً. فقد أشارت
تلك الأخبار إلى قيام فنيين إسرائيليين بتدريب الأكراد عسكرياً وإقامة قواعد
تجسس في كردستان العراق تشمل مجالاتها تركيا وإيران وسوريا إضافة إلى العراق.
فقد شعر الأتراك على أثرها أن الموس الإسرائيلية قد وصلت إلى ذقنهم، لذلك سارعت
الحكومة التركية إلى الاتصال بالجانب الإسرائيلي مستوضحة الأنباء تلك، في ظل
حملة إعلامية كبيرة شنّتها الصحف المحلية التركية على سياسة الحكومة
الإسرائيلية في تلك المنطقة الحيوية جداً للأمن التركي. وانضم كبار جنرالات
الجيش –على غير عادة– لتأييد موقف الحكومة من المخاوف التي تثيرها تلك الأخبار.
وتعود مخاوف الحكومة التركية من أخبار مساعدة الإسرائيليين للأكراد إلى إمكانية
قيام دولة كردية على حدود تركيا بمساعدة (إسرائيل) وخطورة الأمر على الأمن
التركي، ولإمكانية استفادة أعضاء حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل الحكومة
التركية من تلك المساعدات. وقد كبّد الحزب الحكومة التركية خسائر كبيرة في
الصراع القائم بين الطرفين حيث سقط ما يزيد عن 35 ألف تركي ضحايا لهذا الصراع
منهم خمسة الآف عسكري، إضافة إلى خسائر مادية قاربت ثمانية مليارات دولار سنوياً.
كما أن هناك عاملاً آخر يثير ريبة الأتراك من التواجد الإسرائيلي في العراق
ويتمثل في محاولة إعادة ضخ النفط العراقي إلى ميناء حيفا في الأراضي الفلسطينية
المحتلة، الأمر الذي يعرّض خط نقل النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي للشلل.
ويبقى سبب لا يمكن لأي محلل أن يتخطاه وهو موقف القاعدة الشعبية لحزب العدالة
والتنمية الحاكم في تركيا والتي تؤيد الحق العربي في الصراع مع (إسرائيل). لذلك
يحرص الحزب بشكل عام على إرضاء قاعدته الشعبية من خلال إطلاق تصريحات يعتبرها
البعض نزولاً عند رغبة الجماهير، فيما يراها البعض الآخر تصريحات للاستهلاك
الشعبي فقط. فقد نادت قطاعات واسعة من الشعب التركي بمقاطعة المنتوجات
الأمريكية والإسرائيلية تضامناً مع الشعب الفلسطيني وما يتعرض له من قمع على يد
جيش الاحتلال الصهيوني. وأيد 81% من الأتراك الذين جرى استفتاؤهم تصريحات رئيس
وزرائهم التي اتهم فيها (إسرائيل) بانتهاج إرهاب الدولة وفق استطلاع أجرته
صحيفة ((راديكال)) التركية.
وجاء رفض السلطات التركية السماح لحراس طائرات شركة العال بحمل أسلحتهم على
الأراضي التركية واستدعاء السفير التركي في (إسرائيل) فريدون سينيرلي أوغلو
والقنصل العام حسين أفني بيتشكالي من الأراضي المحتلة ليزيد في تأزيم الوضع
خاصة بعد أن رفعت تركيا مستوى ممثليها لدى السلطة الوطنية الفلسطينية لرتبة
سفير.
سياسة الحزب الحاكم في تركيا
تنظر (إسرائيل) بعين الشك لسياسة حزب العدالة والتنمية تجاه العلاقات بين
الجانبين رغم تصريح رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء الذي قال فيه بأن الأزمة التي
اعترت العلاقات بين الطرفين هي أزمة مع الحكومة الإسرائيلية وليست مع الشعب
الإسرائيلي. فالحزب وطاقمه الحاكم يعودان إلى أصول إسلامية، وهو ما يعني أن
الخطر داهم طال الزمن أم قصر. ويخشى الإسرائيليون أن يتمكن حزب العدالة
والتنمية من ترسيخ جذوره في الحكم وسحب البساط من تحت أرجل العسكريين المهيمنين
على رسم السياسة التركية وعرّابي الاتفاقيات العسكرية والأمنية مع (إسرائيل)
والضامنين لهذه الاتفاقيات. ولن ينسى الإسرائيليون أن رجب أردوغان وعبد الله
غول قد رفضا ارتداء القبعة اليهودية لدى زيارتيهما لنصب ضحايا ما يسمونه
بالهلوكوست ورفضا رفع العلم الإسرائيلي على سيارتيهما لدى دخولهما القدس
الشرقية خلافاً لما يقتضيه البروتوكول، وإقراراً بعدم اعترافهما بسيطرة
(إسرائيل) عليها. وازدادت ريبة المسؤولين الإسرائيليين من تصريحات أردوغان التي
قال فيها بأن الشعب الفلسطيني يعيش في سجن كبير وبأنه سيفعل ما في وسعه لتغيير
الوضع. ويرى الإسرائيليون أن التقارب التركي مع إيران وسوريا والسلطة الوطنية
الفلسطينية والعرب عموماً موجّه ضدهم وأن ما يقوم به الأتراك من غزل للجانب
الإسرائيلي ينبع من دائرة ضيقة جداً من المصالح التركية بالدرجة الأولى.
فأردوغان على أبواب زيارة للولايات المتحدة وهو بحاجة (لتـأشيرة مرور) صادرة من
(إسرائيل)، وإلى ضغط الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة لصالح بلاده،
وتركيا على أبواب الدخول في الاتحاد الأوروبي وهي بحاجة لتلميع صورتها في وسائل
الإعلام التي يسيطر عليها عادة اليهود، خاصة بعد ارتفاع أصوات الأرمن المطالبة
باعتراف تركيا بالمجازر المزعومة التي ارتكبت ضدهم خلال الأعوام 1915 – 1923.
كما ويرى الجانب الإسرائيلي أن طلب انضمام تركيا لجامعة الدول العربية بصفة
مراقب معناه تحول السياسة التركية لجانب الحق العربي في قضية الصراع الشرق
أوسطي.
ورغم ذلك وفي ظل لعبة المصالح المشتركة يرى فريق من صناع القرار الإسرائيليين
أن العلاقات مع تركيا تعود على بلادهم بالفائدة. فتركيا بوابة عبورهم إلى آسية
الوسطى التي يعود أصول سكانها إلى القومية التركية، وتركيا عرّابة المباحثات
السرية بين باكستان وأفغانستان من جهة و(إسرائيل) من جهة ثانية، وهي بوابة عبور
نفط بحر قزوين والنفط الروسي إلى البحر المتوسط ومن ثم إلى (إسرائيل). وتشكل
تركيا بنظر هؤلاء المسؤولين مركزاً جيوسياسياً مهماً في الاستراتيجية الأمنية
الإسرائيلية كونها تقع على حدود دولتين ما زالتا على عداء مع (إسرائيل) وهما
إيران وسوريا. كما أن تركيا شريك اقتصادي مهم ولاعب أساسي على خارطة الشرق
الأوسط الجديد ومثال لدولة يحكم فيها حزب إسلامي معتدل يتعايش مع الآخرين دون
أي خلفيات عقدية.
حزب العدالة والتنمية ومن قبله حزب الرفاه حوّلا العلاقة بين بلادهما
و(إسرائيل) من علاقة زواج كاثوليكي لا انفصام له إلى علاقة زواج مصلحة ستنتهي
يوماً ما، والشارع التركي يتساءل متى يحين ذلك الوقت؟