تطوير مجتمع اللاجئين
الفلسطينيين في لبنان
يصطدم بمحاولات إفشال تشكيل المرجعية
بيروت/أحمد الحاج
يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حسب إحصاءات الأنروا، حوالي 400000
فلسطيني عام 2005، يعيش أغلبيتهم الساحقة حياة البؤس والحرمان في ظل قوانين
مجحفة انعكست على حياتهم المعيشية، وزاد من هذا الحرمان تقلّص مساعدات الأنروا
في السنوات الأخيرة، وتراجع خدمات مؤسسة الهلال الأحمر الفلسطيني بعد الاجتياح
الإسرائيلي للبنان في العام 1982، خصوصاً أن هذا الحرمان زاد في السنوات
الأخيرة نتيجة التركيز في الخدمات على الأراضي الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو.
حق الملكية العقارية
نصَّ القانون اللبناني على تقييدات شديدة لحجم ملكية الأجنبي من العقارات، وعلى
أن يدفع الأجنبي الرسوم بزيادة 10 بالمائة عن اللبناني، ورغم ما في ذلك القانون
من إجحاف بحق اللاجئين الذين يعجزون عن دفع أدنى التكاليف إلاّ أن الكارثة
القانونية والإنسانية بحقهم كانت في شهر آذار/مارس من العام 2001 حين أصدر
المجلس النيابي اللبناني قانوناً يمنع الفلسطيني من تملّك أي قطعة أرض أو شقة
مهما كان حجمها، وفي حال وفاته تعود ملكية العقار إلى الدولة اللبنانية. وقد
خالفت الدولة اللبنانية بهذا القانون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في
10/12/1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في
16/12/1966. ومن الناحية النفسية فقد قضى هذا القانون على أي طموح فردي للاجئ
الذي يسعى لتحسين ظروفه المعيشية في لبنان، ممّا دفع الآلاف إلى الهجرة، وما
نتج عن ذلك من تفتت أسري وشعور بعدم الاستقرار. إضافة إلى ذلك فقد مُنع سكان
مخيمات الجنوب اللبناني (الرشيدية، برج الشمالي، البص) من إدخال مواد البناء
إلى مخيماتهم منذ عام 1997 ولم يوقف القرار إلا عام 2005 (عاد المنع في الشهر
المنصرم).
الحق في العمل
بالإضافة لحرمان الفلسطيني من العمل في المؤسسات الحكومية، فإن قوانين العمل
جاءت لتشترط استحصاله على إذن خاص من وزارة العمل، مما حمل أصحاب المؤسسات على
رفض تشغيل الفلسطينيين عملياً وأبقوا على استخدام أصحاب الكفاءات عموماً بأجور
زهيدة جداً مقارنة باللبنانيين، ودون أية ضمانات اجتماعية. وخلال الثمانينات
أقفلت المؤسسات الاقتصادية لمنظمة التحرير الفلسطينية (صامد على وجه الخصوص)
مما ترك آلاف الفلسطينيين بلا عمل. وعلى رغم أن اتفاق الطائف ينص على استيعاب
المليشيات في أجهزة الدولة إلا أن ذلك لم يشمل الفصائل الفلسطينية. ويشار إلى
أن الآلاف من الأسر الفلسطينية قد فقدت معيلها خلال الحرب إما بالاستشهاد أو
الاختطاف ممّا تركها عرضة للعوز.
وعلى الرغم أن الأنروا تستوعب حوالي ثلاثة آلاف موظف إلا أن فترة التسعينيات قد
شهدت تخفيضات في كل نواحي عملها وتقديماتها. وقانون العمل اللبناني يمنع
الفلسطينيين من مزاولة أكثر من سبعين مهنة، ومعظم النقابات المهنية تمنع
الفلسطيني من الانتساب إليها (كنقابة المحامين) أو تطبق على من يرغب بمزاولتها
من الأجانب أن يطبق بلد المزاول المعاملة بالمثل وهذا ما ينطبق على مهنة الطب
والهندسة والصيدلة وغيرها.
الحق في التعليم
تراجع عدد المدارس في الأنروا من 87 مدرسة في العام 1987 إلى 73 في العام 1999.
وكانت الدراسة مجانية ويصرف للطلبة من اللاجئين الكتب والقرطاسية، أما اليوم
فقد توقف تقديم القرطاسية للجميع. كما تراجع مستوى التعليم في مدارس الأنروا
عموماً، وهذا يظهر من خلال النسبة المتدنية للناجحين في الشهادات الرسمية. هذا
فضلاً عن تراجع أعداد المتعلمين الملتحقين في مدارس الأنروا في العام 75-76
والذي بلغ 47526 طالباً، غير أن عددهم في في العام 98-99 تراجع إلى 30540 طالباً.
ممّا يشير بشكل واضح إلى حجم التسرّب.
الحق في العلاج
لا يحق في لبنان للاجئين الاستفادة من خدمات القطاع الحكومي على خلاف اللاجئين
في الأردن وسوريا. أما بالنسبة لخدمات الأنروا فهي محدودة للغاية ومحصورة
بأمراض محدّدة. والمبلغ المرصود لدائرة الصحة في الأنروا لا يزيد عن 14 مليون
دولار، فإذا حسمنا الأجور يبقى رقم لا يتجاوز الثلاثة ملايين دولار. أما وزارة
الصحة اللبنانية فإنها لا تقدّم أي علاج أو دواء على الإطلاق للاجئين
الفلسطينيين حتى لو كانت أدوية مكافحة الأوبئة وتوفير تطعيم للأطفال الذي يقع
على عاتق الأنروا واليونيسف.
المخاطر السياسية
يضاف إلى المآسي الاجتماعية التي أوردناها باقتضاب المخاطرُ السياسية التي بدأت
إرهاصاتها تظهر شيئاً فشيئاً من خلال مخططات ترسم للاجئين من توطين وتهجير. فكل
المعلومات المتداولة تشير إلى أنه وخلال زيارة رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن
الأخيرة إلى واشنطن، تباحث مع الرئيس الأميركي جورج بوش بقضية اللاجئين
الفلسطينيين بشكل عام وقضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بشكل خاص. ومما زاد
من المخاوف أن أبو مازن، ومنذ تسلّمه رئاسة السلطة الفلسطينية لم يعلن أي موقف
يؤكد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وإنما كان يتحدّث
دائماً عن حل دولي عادل دون أن يحدّد طبيعة وماهيّة هذا الحل، وهو ما يتوافق مع
وثيقة جنيف، وهذا ما أثار الخشية أن يكون الحل المقترح هو التهجير أو التوطين.
وجاءت تسريبات لقاء أبو مازن-بوش في أعقاب ما أعلنته النائبة في البرلمان
الكندي عن نية كندية لتوطين قسم من اللاجئين في كندا. وكشفت النائبة كارولين
بيرش عن نية عدد من أعضاء البرلمان الكندي إعادة تفعيل مشروع لتوطين الآلاف من
اللاجئين الفلسطينيين في كندا. وقالت بيرش إنها ستعمل مع زملاء لها على مطالبة
حكومتها بتوطين نحو 75 ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وبمعدل 15 ألفاً
سنوياً نظراً لاستمرار سوء أوضاعهم المعيشية والاقتصادية. وقيل أن هذا المشروع
يحظى بدعم أميركي وأوروبي، وهناك خشية من أن توافق السلطة الفلسطينية على هذا
المشروع في ظل الضعف والخلافات الداخلية التي تعانيها.
وفي السياق ذاته عيّنت وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) مديرة للإدارة
أميركية الجنيسة وأخذت على عاتقها منذ وصولها إلى بيروت إجراء إحصاء مفصل حول
عدد اللاجئين الفلسطينيين وأماكن إقامتهم.
وأشارت بعض الصحف العربية، نقلاً عن مصادر موثوقة أنه بعد الجولة الثالثة من
الانتخابات في لبنان، عقد اجتماع في فرنسا ضم سفراء الولايات المتحدة وفرنسا
وبريطانيا في لبنان وتيري رود لارسن، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة. وتناول
هذا الاجتماع قضية اللاجئين في لبنان وتقرّر تحسين ظروف خمس مخيمات فلسطينية في
لبنان، وهناك خشية أن يكون هذا المشروع مقدمة للتوطين.
المرجعية
كل هذه المعطيات فرضت على الفلسطينيين في لبنان البحث عن مرجعية تمثّل جميع
اللاجئين للتعاطي مع الحكومة اللبنانية بشكل رسمي ووضع استراتيجية مشتركة
لمواجهة الأخطار المحدقة، خاصة وأن الدولة اللبنانية لم تعترف للفلسطينيين
بمرجعية تمثلهم، وتتحاور معها فيما يخص مشاكلهم. ولكن بعد سلسلة الاجتماعات
التي عقدتها الفصائل والقوى الفلسطينية في لبنان، توقف الحوار حالياً عند
نقطتين لهما علاقة بآلية اتخاذ وصلاحيات هيئة التنسيق وأمانة السرّ، حيث عارضت
حركة فتح أن تكون رئاسة أمانة السرّ دورية بين الفصائل الفلسطينية كل ثلاثة
أشهر، وأصرّت على احتكار الرئاسة متجاهلة الثقل الذي تمثله الفصائل الأخرى.
وطرأ خلاف آخر حول صلاحيات هيئة التنسيق وأمانة السرّ حيث ترى فتح أن أمانة
السرّ هي الهيئة القيادية العليا لهيئة التنسيق، بينما ترى الفصائل الأخرى أن
أمانة اسر هي هيئة تنفيذية تنفذ ما تقرّره هيئة التنسيق الموسّعة. وقدّم تحالف
القوى الفلسطينية والجبهتان الشعبية والديمقراطية لحركة فتح وثيقة سياسية تعبر
عن موقف التحالف والجبهتين مما يجري على الساحة اللبنانية فيما يخص اللاجئين،
وتنص الوثيقة على أن حق العودة هو حق أساسي وطبيعي، فردي وجماعي للشعب
الفلسطيني. وطالبت الوثيقة لبنان بدعم ومساندة حق العودة ورفض كافة المشاريع
الهادفة لإسقاطه وفي مقدمتها رفض التوطين. وبالنسبة لحقوق اللاجئين في لبنان
طالبت الوثيقة بالحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للشعب الفلسطيني ومن
بينها حق العمل والتملّك وغيرها. واعتبرت الوثيقة أن مسألة السلاح قضية سياسية
مرتبطة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ويجب أن لا يُستخدم في النزاعات
الداخلية. وأكّدت الوثيقة على التزام الفلسطينيين بالقانون اللبناني بما لهم
وما عليهم.
كما قدّم التحالف والجبهتان الشعبية والديمقراطية وثيقة تنظيمية تنظم عمل لجنة
المتابعة. ووعدت حركة فتح بدراسة الوثيقتين السياسية والتنظيمية دون أن يظهر ما
يشير إلى إمكانية تغيير موقفها فيما يتعلّق بمداورة رئاسة أمانة السرّ، بينما
تصرّ الفصائل الأخرى على مشاركة الجميع تحت شعار ((شركاء في الدم، شركاء في
القرار)). وهناك خشية لدى بعض الفصائل من وجود ضغوطات تُمارس على منظمة التحرير
الفلسطينية من أجل إفشال الحوار وتمرير مشاريع لا تحقق مصالح الشعب الفلسطيني،
خاصة في ظل وجود توقّعات تشير إلى أن الحكومة اللبنانية وبعد الانتخابات
النيابية ستتعرّض بدورها هي الأخرى لضغوط مماثلة من أجل توطين بعض الفلسطينيين
وتهجير البعض الآخر.