بعد مضي عام على مقررات لاهاي:
لماذا لم توضع قضية الجدار الفاصل على المسار السياسي كأولوية؟
القاهرة/علاء
النادي
في تموز/يوليو من العام الماضي صدر عن محكمة العدل الدولية في لاهاي الرأي
الاستشاري الخاص بمسألة جدار الفصل العنصري، وقد احتوى الرأي على إدانة الجدار
باعتباره يشكل خرقًا لكل قوانين ومواثيق الشرعية الدولية، ويمثل اعتداءً فجاً
على حقوق الشعب الفلسطيني، ودعا الرأي الأمم المتحدة بكافة هيئاتها إلى النهوض
بواجباتها، والتي تتركز في إزالة الجدار، وتعويض الفلسطينيين عما لحق بهم من
خسائر جرّاء هذا العمل المُجَرد.
عقب صدور الرأي الاستشاري ظهرت حالة من التباين فى الرؤى، وتقدير المواقف داخل
الصف الفلسطيني والعربي، وقد تركزت المساجلات حول البنية القانونية للقرار، وما
تنضوي عليه من إلزامات للطرف الصهيوني، إضافة إلى البحث فى إمكانات تفعيل الرأي
والمدى الممكن تحقيقه من عطاءات لصالح القضية الفلسطينية.
البنية القانونية للرأي الاستشاري
التعاطي مع قرار محكمة العدل الدولية، وتداول ما صدر بطريقة حرفية أثار حالة من
اللغط واللبس في تكييف معطيات الرأي، فقد ذهب البعض إلى أن ما صدر عن المحكمة
لا يعدو كونه رأياً استشارياً لا يحقق للقضية الفلسطينية سوى كسباً معنوياً
ضعيفاً في ظل البناء القانوني، والذي لا يحمل صفة القرار.
ويبدو أن أنصار هذا الرأي، وهم في الغالب من غير المتخصصين في الشأن القانوني
قد غاب عنهم الكثير من أوجه الإحاطة والتدقيق، فالرأي الاستشاري الصادر من أعلى
هيئة قضائية دولية يفوق في دائرة الإلزام القرار، فالقرار في غالب الأحوال لا
يلزم سوى الأطراف محل التنازع في القضية المعروضة، في الوقت الذي يمتد فيه أثر
الإلزام بالرأي إلى كل أعضاء الأسرة الدولية، وهذا ما نلحظه بشكل صريح في ثنايا
فقرات الرأي، والتي دعت هيئات الأمم المتحدة ودولها الأعضاء ومجلس الأمن، إلى
التصدي لمثل هذا الخرق.
على صعيد آخر يمكن القول أن الآراء الصادرة عن محكمة العدل الدولية تتميز عن
القوانين الصادرة عن الجمعية العامة، ومجلس الأمن بالشفافية المطلقة والعدالة،
وعدم التحيز على خلاف قرارات الجمعية العامة، ومجلس الأمن المرتبطة في التحليل
النهائي بمصالح الدول، وموازين القوى، فيما تصدر آراء محكمة العدل الدولية عن
إطار قانوني يتسم بالحياد والتجرّد، الأمر الذي يعطي لمثل هذه الآراء حجة أكبر
على صعيد الماهية القانونية، ومستوى أكبر من الإلزام القانوني والأخلاقي.
إن ما ثار من غلط حول الرأي نجم في أحيان كثيرة عن تداول الرأي بالنقاش،
والتحليل في ظل غيبة أهل الاختصاص والدراية، إضافة إلى محددات الخبرة التاريخية،
والتي ساهمت بدورها في تشكيل ذهنية لا تثق في القرارات الدولية، وإمكانية إلزام
الكيان الصهيوني بها. إلا أن المحصلة النهائية تقول بأن الرأي الاستشاري توفر
على حجية ووفر ممكنات تشكل أساساً يمكّن الطرف الفلسطيني والعربي من البناء
عليها، والتقدم خطوات بشأن محاولات التفعيل، والحصول على عوائد سياسية لصالح
القضية الفلسطينية.
محدودية التفعيل
الجدل الذي تمحور حول البنية القانونية للرأي الاستشاري امتد ليطال محور
التفعيل، فقد اكتفى البعض بالانتصار القانوني، ورأى أن تجاوز الأمر إلى دائرة
البحث فى إنفاذ الرأي دونه صعوبات كثيرة يأتي في مقدمتها التراتبية الواجب سلك
دروبها لوضع الرأي موضع التنفيذ، فتسلسل الأمور يقتضي العودة برأي المحكمة إلى
الجمعية العامة، والتي عليها أن تحيل بدورها الرأي إلى مجلس الأمن كونه الجهة
المنوط بها تنفيذ القرارات ذات الصلة بالوسائل اللازمة. ولا ريب عند الكثيرين
في أن نهاية هذا الجهد ستبوء بالفشل، فالحصول على قرار من مجلس الأمن يصطدم
بالتعنت الأمريكي، وحق الفيتو الذي طالما استعملته أمريكا في توفير الغطاء
والحماية للكيان الصهيوني، وفيما يخص الجدار تحديداً فقد رفعت الإدارة
الأمريكية يدها، وأشهرت الفيتو ضد مشروع قرار في مجلس الأمن كان يطالب (إسرائيل)
بضرورة التوقف عن بناء الجدار، وهدم ما بني منه، استناداً إلى الرأي السالف.
دعا البعض إلى ضرورة انتهاج الواقعية في التعاطي مع ما بعد الرأي الاستشاري،
وعدم التورط في مسلكيات وخطوات ذات ارتباط بالبعد السياسي من شأنها أن تجلب
الضرر على القضية الفلسطينية باعتبار أن هكذا تحرك صوب الجمعية العامة، ومجلس
الأمن من شأنه أن يثير الغضبة الأمريكية مع ما يدعو إليه هؤلاء من ضرورة
الالتفات إلى أن قضايا الإلزام ترتبط في الإطار الإجرائي بحاصل توازنات القوى
والظرف السياسي المهيمن على المشهد السياسي العالمي.
وفي هذا السياق تبرز ملاحظة أن الكيان الصهيوني ظل بمنأى عن كل محاولات إخضاعه
للقوانين الدولية لتمتعه بحماية مستديمة، وفرها له على الدوام الفيتو الأمريكي،
والذي استخدم عشرات المرات ضد الفلسطينيين والعرب ولصالح الكيان الصهيوني.
بخلاف الرأي السابق هناك من دعا إلى ضرورة تحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب
السياسية، والتحرك بالرأي الاستشاري باتجاه الهيئات الدولية، فالوصول بالقرار
إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن من شأنه أن يعيد الزخم إلى الاهتمام الدولي،
كما أن الانحياز الأمريكي الوارد حدوثه دوماً يعتبر في حد ذاته أحد أدوات الضغط
السياسي على الإدارة الأمريكية.
إن حصاد عام مر منذ صدور الرأي الاستشاري عن محكمة العدل الدولية بشأن جدار
الفصل العنصري يؤكد على أن إدارة الأمور لم يكن على المستوى المأمول، وبخاصة
على الصعيد الرسمي فلسطينياً وعربياً، فقد فشلت السلطة الوطنية في وضع الجدار
كأولوية ملحة وضاغطة على المسار السياسي بكل مشتملاته، وقد بدا وكأنه من الممكن
التعايش والتعاطي مع واقع الجدار والاستمرار فى المسار السياسي المتكلّس، رغم
أن الجدار يصادر كل معطيات الحل السياسي، فالأفق السياسي يصبح غير ذي معنى في
ظل بقاء الجدار الذي أُسّسَ لقطع الطريق على إقامة الدولة الفلسطينية من خلال
الاستيلاء على نصف الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وتقزيم البنية
الجغرافية المتاحة، بحيث لا يتبقى لها إلا ممكن واحد يتمثل بإقامة دويلة تابعة
عاجزة عن الاستيعاب السكاني المتزايد، ناهيك عن عجزها عن استيعاب اللاجئين.
حقيقة مصادرة الجدار على أفق الحل السياسي أقر بها الجانب الأمريكي ذاته، فقد
تحدث الرئيس الأمريكي، والكثير من أركان قيادته عن الجدار الذي يتلوى كالأفعى
داخل الأراضي الفلسطينية حيث يحول دون قيام دولة فلسطينية.
دور السلطة الفلسطينية
لقد كان لزاماً على السلطة الوطنية أن تصوغ خطابها السياسي، وترسم استراتيجيتها،
وتضع خططها بجملة من الاشتراطات في طليعتها ضرورة احترام القوانين والمواثيق
الدولية، وما يتعلق بذلك من تقويض الجدار، وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي
لحقت بهم، إلا أن الخطاب السياسي للسلطة الوطنية ودورانها في المسار السياسي ظل
متسماً بهامشية الحضور، وثانوية الإلحاح ما جعل الأمر يظهر في صورة أقرب إلى
الإذعان لسياسة الأمر الواقع، والاستعداد للتكيف والتعايش مع المستجدات.
إن المتابع للأحداث يلحظ حالة من الافتراق، فالعدو الصهيوني لا يمل من تكرار
أراجيفه حول ((التوقف عن الإرهاب))، وتفكيك البنى التحتية كاشتراطات لا محيد
عنها لإعادة الحراك للمسار السياسي، والإدارة الأمريكية لا تتوقف عن ترديد
معزوفة أن إقامة دولة فلسطينية رهن بالتخلي عن الإرهاب والعنف، في الوقت الذي
لا نسمع خطاباً من السلطة الوطنية، ومعها كل الإثباتات والأسانيد القانونية
الداعمة حول ضرورة هدم الجدار كاشتراط موضوعي لا يمكن تجاوزه للانخراط في
المسار السياسي.
لقد أدى تهافت التعاطي السياسي للسلطة مع إشكالية الجدار إلى محدودية الخسائر
السياسية للطرف الصهيوني وظهيره الأمريكي، فليس صحيحاً الوقوع في أسر الحدية،
وإشاعة تصور مؤداه أن مكمن العلة في الظرفية السياسية الموضوعية.
فقدر كبير من الإخفاق ومحدودية الإنجاز يعود إلى القناعات والإرادة الذاتية،
فإذا كانت السلطة الوطنية غير قادرة على حيازة النفاذ الإجرائي للرأي الاستشاري
بالنظر إلى الإعاقات الموضوعية، فإنها تبقى مسؤولة عن محدودية النجاح في
استثمار مفاعيل الرأي الاستشاري ووضعه في قلب المسار السياسي كاشتراط لا يمكن
حلحلة الأمور من دونه.
على الصعيد العربي فإن الأداء شهد حالة من التدني، وعدم الفاعلية إلى الحد الذي
يمكن معه القول إن الأمور قد بدت وكأن رأياً استشارياً من أعلى هيئة قضائية لم
يصدر.
لقد فشلت الأطراف الرسمية العربية في استثمار الرأي الصادر عن محكمة العدل
الدولية، وهذا الفشل لا يرتبط بالقدرة على وضع الرأي فى مساحة النفاذ بقدر ما
يرتبط بالعجز عن تحقيق عوائد سياسية إجرائية لصالح القضية الفلسطينية، فلم تفلح
الأطراف الرسمية العربية في الضغط السياسي على الجانب الصهيوني، ولم تتحرك
بالشكل الكافي والمطلوب لعزل (إسرائيل)، بل إن عكس ذلك هو ما حدث فقد عادت إلى
الظهور مرة أخرى موجات الهرولة، وأفكار التطبيع، وسياسات توثيق الصلات، وكأن
جدار الفصل العنصري يُبنى على المريخ.
إن الترهل الرسمي والعجز عن الاستفادة من الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية
قد يجد أحد تفسيراته، ربما في عدم الوعي لدى البعض بأن الأخطار والمخاطر
المحدقة بالحقوق الفلسطينية. فجملة من الثوابت والمفاصل الحقوقية الفلسطينية
يتهددها استمرار هذا الجدار واستقراره، بل إن معظم قضايا الحل النهائي يبدو من
السذاجة التباحث في تفعيل التفاوض بشأنها في ظل بقاء الجدار، فالموارد الطبيعة،
وحقوق اللاجئين، ووضعية القدس، كل تلك القضايا المصيرية تبدو في مصاف الحقوق
المصادر عليها في حال بقاء الجدار.
إن محدودية الإفادة من الرأي الاستشاري وممكنات تفعيله لا يمكن عزوها بالكلية
إلى ضعف الإلزام المتولد من البناء القانوني، وظرفية المشهد السياسي، فقدر كبير
من المسؤوليات يقع على الطرف الفلسطيني والعربي، والذي اتسمت مواقفه بقدر كبير
من الاتكالية والسلبية، وعدم القدرة على صياغة الخطاب ورسم السياسات بما يمكن
في خاتمة المطاف من تحصيل أكبر العوائد الممكنة لصالح القضية الفلسطينية.
إذا تجاوزنا الدائرة الرسمية وصرفنا أبصارنا باتجاه حركيات المجتمع الأهلي
يمكننا ملاحظة أن قضية الجدار وما يرتبط بها من فعاليات ظل تنشيطها يدور في
فضاء المجتمع الأهلي الفلسطيني والدولي في الوقت الذي لم تستحوذ فيه القضية
بالاهتمام، ولم يستثمر الرأي بالقدر الكافي لدى قطاعات المجتمع الأهلي العربي
والإسلامي.
استشراف مستقبل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية استناداً إلى مجمل
المعطيات والظروف يؤشر إلى صعوبة تصور مبارحة الرأي لفضاء التجريد القانوني
نزولاً إلى النفاذ العملي على أرض الواقع، إلا أن التعاطي مع الرأي على هذا
المنوال يُضِيع الكثير من الفرص، ويعاظم من المخاطر، فإذا كانت إزالة الجدار
فرضية يتعذر تحقيقها في المدى القريب، فإن الأمر يؤشر إلى فوائد كثيرة يمكن
تحقيقها من خلال الرأي.
فلا بد من استثمار الرأي في المسار السياسي، كما يستلزم الأمر إدارة حملات
واعية ومنظمة للضغط على الكيان الصهيوني وتكريس عزلته باعتباره يشكل نتوءاً غير
متجانس مع الشرعية الدولية، وخارجاً عن سياقها، إضافة إلى ذلك فإن الرأي يمنح
مزيداً من الشرعية للمقاومة للرد على ذلك العدوان والخرق الجسيم للقوانين
والمواثيق الدولية، ومن البديهي أن كل هذه العوائد وغيرها لا يمكن تحقيقها إلا
بتوفر القناعة والإرادة، فالحقوق التي يسكت عنها أصحابها ويستنيمون إزاءها تظل
في دائرة التجاهل والنسيان، وإن توفرت لها كل مسوغات الإلزام القانوني
والعدالة.