في
9/7/2004 أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي حكمها في قضية جدار الفصل الذي
يقيمه الكيان الصهيوني في الضفة الغربية، بعدما أحال الأمين العام للأمم
المتحدة كوفي عنان القضية إلى المحكمة وطلب استشارتها.
المحكمة وبعد مداولات ومرافعات مطولة أصدرت قرارها الذي اعتبرت فيه جدار الفصل
مخالفاً للقوانين الدولية ويلحق أضراراً بالفلسطينيين وعملاً غير مشروع تقيمه
سلطة الاحتلال، وطالبت المحكمة بوقف بنائه وإزالته.
القرار من النواحي القانونية والسياسية اعتبر انتصاراً للحق الفلسطيني، لكن
المفاجأة المذهلة كانت أن السلطة الفلسطينية وهي الجهة الرسمية المخولة بمخاطبة
المؤسسات الدولية لم تتابع حكم المحكمة ولم تسعَ لتحويله إلى عمل فعلي لصالح
الفلسطينيين صاغية إلى الضغوط والتهديدات الأمريكية والصهيونية.
في هذا الملف نتلمس أسباب تواطؤ السلطة مع الصهاينة في قضية الجدار.
جدار الفصل يمتدّ ويتوسّع
ويلتهم حقوق الفلسطينيين وأملاكهم
تقوم سلطات الاحتلال منذ مطلع عام 2003 ببناء الجدار العنصري
الفاصل في مناطق جنين، طولكرم، قلقيلية، رام الله، بيت لحم، الخليل وفي محيط
القدس. وقد شهد الجدار منذ ذلك التاريخ عدة تعديلات وتوسّعات نتيجة الأطماع
الصهيونية التي عزّزها العجز الدولي عن تطبيق قراري محكمة العدل الدولية
والجمعية العامة للأمم المتحدة والصادرين في تموز/يوليو 2004 ومطالبة (إسرائيل)
بتفكيك الجدار.
وتقضي التعديلات بإعادة رسم خط الجدار الفاصل في منطقة القدس وجنوب جبل الخليل،
وبناء جدار منفرد حول (أرئيل). والترسيم الجديد يضيف إلى حدود (إسرائيل) سبعة
بالمائة من أراضي الضفة الغربية إلى القدس، أي ما يعادل المساحة التي ستنسحب
منها (إسرائيل) في قطاع غزة، التي تبلغ مساحتها اليوم 126 كلم2. ويأتي استكمال
بناء جدار القدس لمواصلة تنفيذ المخطط الإسرائيلي الخاص بالقدس الشرقية
والمنطقة المحيطة بها والقاضي بإسكان 950 ألف يهودي في شقيها حتى عام 2020، أي
إضافة ما يقارب 250 ألف يهودي لهذه المدينة، حيث سيتم إسكان معظمهم في الشق
الشرقي من المدينة وذلك وفق مخطط بلدية القدس.
وسيضيف الجدار برسمه الجديد مستوطنة ((معاليه أدوميم)) إلى حدود القدس، وتبلغ
مساحة مستوطنة ((معاليه أدوميم)) 35 كلم مربعاً يُستغل منها للبناء 5% و1.5
للمنطقة الصناعية، أما عدد سكانها فيصل إلى 17700 نسمة، ومن أجل المقارنة يذكر
أن مساحة مدينة تل أبيب تصل إلى 52 كيلومتر مربع وعدد سكانها 360400 نسمة.
ومساحة حيفا 58 كيلومتر مربع، وعدد سكانها 270 ألف نسمة.
بالإضافة إلى ذلك تخطط (إسرائيل) لبناء أحياء جديدة في الأراضي المصادرة مثل
إقامة حي جديد على أراضي قرية الولجة وآخر في محيط قبر راحيل يضم مئة شقة
وغيرها من الأحياء الجديدة التي يدور الحديث عنها من غير تحديد مواقع لها.
وسوف يفصل الجدار المذكور عشرات الأحياء والقرى العربية من القدس الشرقية، وفي
الوقت نفسه عن الضفة الغربية ويحوّلها إلى جيوب غير قابلة للتطوّر من الناحية
الديمغرافية نتيجة مصادرة معظم أراضيها خالقة بذلك أرضية لحركة هجرة داخلية
وخارجية طوعية لأكثر من 400 ألف نسمة.
والجدار حول القدس يُتوقع أن يزيد أكثر من 160 كلم إضافة إلى جدران العمق التي
ستفصل قرى شمال غرب القدس وهي بيت إكسا وبيت عنان وبدو والجيب وقطنة وبيت سوريك
والطيرة وخربتا المصباح وبيت سيرا وبيت إجزا وإخرب اللحم وبيت دقو وبيت لقيا
وبيت نوبا والقبيبة. بالإضافة إلى ذلك ستقع قرى شمال القدس مثل الجيب والجديرة
ورافات وقلندية البلد وبير نبالا وبيت حنينا وغيرها من الأحياء العربية
المنتشرة في جيوب عربية داخل محيط (إسرائيل) يتم الدخول والخروج منها عبر
بوابات خاصة. كما تخطط (إسرائيل) لمسح قرية النبي صمويل عن الوجود من خلال منع
منح تراخيص بناء لسكان المنطقة أو تطوير أي مرفق خدماتي فيها وتمنع إدخال أية
إضافات على الأبنية الموجودة في القرية.
كما أن المخطط الجاري سيتم من خلاله طرد عرب الجهالين لتوسيع مستعمرة معاليه
أدوميم، ووضع الفلسطينيين في جيب يضم قرى السواحرة الشرقية وأبو ديس والعيزرية
ومشارف رأس العامود وغيرها من التجمعات الفلسطينية المحيطة بالقدس.
كما سيخلق الجدار الفاصل في منطقة جنوب القدس جيباً فلسطينياً كبيراً يضم بيت
لحم ومنطقتها بما في ذلك مخيمات اللاجئين، وجيوباً فلسطينية أخرى مثل بتير
وحوسان ووادي فوكين ونحالين وضبعة الذيب. أما القرى التي ستدخل في جدار القدس،
والبالغ عدد سكانها عشرة آلاف نسمة وفق المصادر الإسرائيلية، فهي خلة خلة زكريا
ومراح معالا وخلة عفانة ووادي النيص وخلة البلوط والولجة وغيرها.
وإجمالاً فإن جدار القدس تطلّب، حتى الآن، هدم 353 منزلاً وتدمير عشرات المحلات
وحظائر الأغنام، وهناك مئات الأوامر لهدم ومصادرة أراضٍ يملكها فلسطينيون.
أما القرار الذي صدر عن الحكومة الصهيونية خلال العام الجاري فيتضمن إقامة جدار
فاصل حول مستوطنة (أرئيل) ويسمى إسرائيلياً ((أصابع أرئيل وكدوميم)). وذكرت
صحيفة (هآرتس) العبرية أن رئيس الوزراء الصهيوني أرئيل شارون صرح في الاجتماع
الوزاري الذي أقر فيه المشروع أن مستعمرتي ((بيت أرييه)) و((عوفريم)) سوف تقام
حولهما جدران مؤقتة ومن ثم جدار دائم مع مستعمرة (أرئيل)) والذي سيرتبط فيما
بعد بـ ((إسرائيل)). وسيصادر هذا الجدار في هذه المنطقة 80 ألف دونم من الضفة
الغربية أي ما يعادل 1.5%، مع العلم أن المساحة الحالية لهذه المستعمرات تقدّر
بـ 21 ألف دونم يُستغل منها للبناء ما يقارب 3 آلاف دونم فقط.
ويوماً بعد يوم تظهر الآثار الكارثية التي سيوجدها بناء الجدار الفاصل، خصوصاً
بعد التعديلات التي أجريت على مساره. فعلى الصعيد الصحي فإن 80.7% من الأسر
الفلسطينية الواقعة غرب الجدار شكّل لها الانفصال عن الخدمات الطبية من
مستشفيات ومراكز صحية في مراكز المدن عائقاً في الحصول على الخدمات الصحية،
مقابل 48.6 بالمائة للأسر الواقعة شرق الجدار. كما شكل عدم قدرة الكادر الطبي
من الوصول إلى التجمع عائقاً لـ78 بالمائة من الأسر التي تقيم غرب الجدار
و42.3% من الأسر التي تقيم شرق الجدار.
ويلاحظ أن 86% من الأراضي التي تمّت مصادرتها لخدمة الجدار كانت تُستخدم
للزراعة. وأثّر الجدار على العلاقات الاجتماعية لحوالي 90.7% من الأسر التي
تقيم غربه، فيما دفع نحو 31% من سكان التجمعات التي تأثرت به إلى التفكير في
تغيير مكان إقامتهم. وبلغ عدد الأسر التي هجّرت من أراضيها 1402 أسرة.
كما أن نسبة الأسر التي تمّت مصادرة أراضيها كلياً بلغت 9.1% من الأسر التي
تقيم غرب الجدار و24.9% من الأسر التي تقيم شرقه، فيما بلغت نسبة الأسر التي
تقيم غرب الجدار والتي تم مصادرة جزء من أراضيها 19.9% و20.3% من الأسر التي
تقيم شرقه.
وفي الجانب التعليمي فإن 81.5% من الأسر الفلسطينية في التجمعات التي تأثرت
بالجدار، والتي لديها أفراد ملتحقون بالتعليم العالي اتبعوا طرقاً بديلة للوصول
إلى الجامعة. وأكثر من 80% من الأسر اضطر أفرادها للتعطيل لعدة أيام عن الجامعة
بسبب الجدار. كما ترك نحو 26% من الأفراد الفلسطينيين التعليم في التجمعات التي
تأثرت بالجدار، بسبب الوضع الافتصادي المتردي لأُسَرهم. وهناك 22 تجمعاً تم
فصلها عن المدارس.
وبلغت نسبة البطالة في التجمعات التي اقتطع منها الجدار حوالي 30.9%. فيما يوجد
11 تجمعاً تم فصلها عن بدالة الهاتف، وثمانية تجمعات تم فصلها عن المفتاح
الرئيسي لشبكة المياه، وثلاثة تجمعات تم فصلها عن المحول الرئيسي لشبكة
الكهرباء. أما عدد المباني التي أصبحت داخل الجدار فبلغ 2438 مبنى منها 892
مبنى في محافظة طولكرم.
أما بالنسبة للجانب السياسي فإن بناء الجدار الفاصل يقضي على أي أمل في قيام
دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران في إطار مفاوضات ثنائية. ويؤكّد على
أن التسوية لم تعد ممكنة، وأن المراهنة عليها تدخل في باب الخيال وصنع الأوهام.