الانتخابات التشريعية الفلسطينية: إرجاء أم إلغاء!
عدنان أبو تبانه
مدير مركز الخليل للدراسات والتنمية والإعلام
لا زال صدى قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية
إلى إشعارٍ آخر يتفاعل داخل الأطر الفلسطينية سواءً داخل حركة فتح التي اعتبرت
الإرجاء خطوةً في الاتجاه الصحيح لإعادة بناء مؤسساتها وهيكلة تنظيمها من أجل
معركةٍ حامية الوطيس مع حركة حماس أو حركات المعارضة، التي اعتبرت التأجيل
انقلاباً أسود ومتاجرةً بقضايا الشعب الوطنية والمصيرية وتغليباً للفئوية على
المصلحة العامة.
اللافت في هذا التأجيل أنه صدر عن الرئيس عباس الذي كان يؤكد في كل مناسبة أنه
مع الانتخابات في موعدها الرسمي المعلن وذلك في 17/7 /2005، إلا أن المفاجأة
كانت كبيرة للشعب الفلسطيني وللفصائل الفلسطينية، مما يؤكد أن القرار اتخذ بعد
سلسلة ضغوطٍ على محمود عباس من جانب الطرف الأمريكي والصهيوني والعربي.
الجانب الأمريكي وعلى لسان الرئيس بوش أعلن في أكثر من مناسبة أن الإدارة
الأمريكية لن تسمح لحماس بالفوز في المجلس التشريعي في تدخل سافر منه في هذه
الانتخابات، أما (إسرائيل) فقد هدد وزير الخارجية سيلفان شالوم بأن الجانب
الإسرائيلي لن ينسحب من قطاع غزة في حال فازت حماس في هذه الانتخابات.
ويحتدم النقاش في الساحات العربية بين النخب السياسية والثقافية والأنظمة
الحاكمة من أجل اعتماد انتخابات حرة ونزيهة، ولا زالت صورة الشعب الفلسطيني
الخاضع للاحتلال والممارس للديمقراطية مزعجة لهذه الأنظمة حيث استطاع الشعب
الفلسطيني اختيار رئيس من بين أكثر من مرشح وسارت الانتخابات المحلية بصورة
ديمقراطية رغم الاعتراضات التي تلتها من جانب حركة فتح، وشكل التوجه إلى صندوق
الاقتراع إحراجاً لهذه الأنظمة التي مارست ضغوطاً على القيادة الفلسطينية لوقف
هذه الانتخابات، خوفاً من حدوث تغييرات جذرية على مستوى الشارع العربي. ولعل
هذا نتج عن تخوف الأطراف الدولية والإقليمية من فوز الفصائل المعارضة للسلطة
الفلسطينية في هذه الانتخابات.
والمؤشر الأخطر في عملية التأجيل هو عدم الإعلان عن موعد محدد لإجراء هذه
الانتخابات مما يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الشعب الفلسطيني.
بل إن محمود عباس نفسه عاد ليؤكد أنه لن يحدد موعداً جديداً للانتخابات إلاّ
بعد اعتماد القانون الذي ستتم الانتخابات على أساسه، مما يعني جولة جديدة من
المواجهة بين رئيسٍ يملى عليه التأجيل ونواب كانوا يحلمون بهذه الفرصة لإطالة
مكوثهم على كراسي التشريعي، وهذا التوافق الغريب العجيب بين الرئيس المنتخب
وأعضاء المجلس أعطى حركة فتح فرصة جديدة لإعادة النظر وهيكلية البنى التنظيمية
من أجل خوض المعركة بنفَس جديد وثقل جديد، أما عن أسباب هذا التوافق وتداعياته
فنعود بها إلى حالة الاحتجاج والسخط التي سادت أعضاء المجلس التشريعي من حركة
فتح الذين باتت فرصة انتخابهم مجدداً متدنية، هذه الفئة الموصومة بالفساد
والثراء واستغلال المنصب من أجل المصالح الفئوية والشخصية ساهمت في تدمير
الحياة السياسية الفلسطينية وباتت تخشى على مصالحها التي تقاطعت مع المصالح
الإقليمية والدولية والتي شجعت محمود عباس على تأجيل الانتخابات.
إن هذا التأجيل محاولة فتحاوية لدفن الرؤوس في الرمال والاستمرار في حالة أحلام
اليقظة المنسقة مع التفرد في السلطة والتنعم في خيراتها وسلطانها، وحركة فتح لن
تستطيع تحمل خسارةٍ واستحقاقات جديدة تفرضها نتائج المجلس التشريعي تؤثر في بنى
السلطة بل بنية النظام السياسي الفلسطيني برمته، وبالتالي على برنامج التسوية
المدعوم دولياً.
وحركة فتح وبعد النتائج المذكورة لم تعد تحتمل رؤية المواقع المفقودة في كل
المناطق والمواقع، فحركة فتح هي حزب السلطة والسلطة هي صاحبة القرار
والديمقراطية وصندوق الاقتراع هو وسيلة التغيير، والشعب يريد إصلاحاً شاملاً
وتغييراً جوهرياً لا تمتلكه ((فتح)) فلماذا تعطي فتح هذه المواقع لحماس بالمجان؟
ولماذا لا تسلك ((فتح)) الأنماط ذاتها المعتمدة في الأنظمة العربية التي تضمن
للحزب الحاكم البقاء للأبد؟!.. وما الاحتجاج الأخير من قبل حركة فتح على نتائج
هذه الانتخابات إلاّ شعور بالذهول لهول المفاجأة وندماً على فتح صناديق
الاقتراع التي بقيت مغلقة في البلدان المجاورة لعقود طويلة، وما إجراءات القضاء
الأخيرة المستندة إلى كوادر قضائية للحزب الحاكم سوى محاولة من أجل إيقاف الزحف
الهادر لقوى المعارضة.. وتأجيل انتخابات المجلس التشريعي تأتي في هذا السياق.