أجّلت الحكومة
الإسرائيلية انسحابها من غزة، لكن النقاش ظلّ قائماً حول هل ينسحب الاحتلال في
الفترة المحددة، أم يؤجل لمرة ثانية. لا شكّ أن هناك عوامل كثيرة دفعت للتأجيل،
لكن دوافع الانسحاب لا تزال موجودة.
وحتى لا ندخل في السجال الإسرائيلي القائم نوضح حاجات المجتمع الفلسطيني
الأساسية في حال الانسحاب وأولويات المواطنين الفلسطينيين كما يرونها مع
تحليلات سياسية للرؤيتين الفلسطينية والصهيونية.
شارون عاقد العزم على
تنفيذ الخطة
وسط مظاهر تصدّع في صفوف المستوطنين
رغم كل الشكوك التي واكبت قرار رئيس الوزراء الصهيوني أرييل
شارون تأجيل تنفيذ خطة ((فك الارتباط)) إلى النصف الثاني من شهر آب/أغسطس
القادم، إلا أن الدولة العبرية على ما يبدو عاقدة العزم على تنفيذ الخطة، على
اعتبار أنها مصلحة استراتيجية لها. وعلى الرغم من تواصل المعارضة الشديدة
لتنفيذ الخطة ليس فقط من قبل قيادات المستوطنين وجماعات الضغط التابعة لهم في
البرلمان، والحكومة، بل من قبل أعضاء التنظيمات الإرهابية الذين على ما يبدو لم
يقولوا كلمتهم الأخيرة في هذا الشأن، فإن حكومة شارون تواصل مخططاتها العملية
لتنفيذ عملية الإخلاء. فشركات البناء الإسرائيلية انقضّت على تلال الرمال التي
تفصل مدينتي أسدود وعسقلان المحتلتين لتدشين المدينة المؤقتة التي ستستوعب
المستوطنين اليهود في قطاع غزة. هناك العديد من الدلائل على أن التصدعات باتت
واضحة في صف المستوطنين، بحيث إن هناك إقبالاً متزايداً من قبل المستوطنين على
دائرة الإخلاء التابعة للحكومة والتي تتولى تنسيق عملية الإخلاء بين الوزارات
الإسرائيلية المختلفة. الحكومة قامت برفع قيمة التعويضات المالية للمستوطنين
الذين سيتم إخلاؤهم بشكل ملحوظ في خطوة قصد منها إغراؤهم، ودفعهم لإخلاء
منازلهم بهدوء، وهذا ما حقّق نتائج على ما يبدو بشكل واضح.
الدور الأمني لمصر
في هذا الوقت بالذات تتضافر جهود الدولة العبرية من أجل إيجاد ضمانة أمنية
توفرها أطراف عربية وبالذات الحكومة المصرية لمرحلة ما بعد خطة ((فك الارتباط)).
من هنا نجد أن أرييل شارون وبخلاف موقف قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية يبدي
استعداداً لتسليم الشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة لمصر، من أجل أن تساهم
القاهرة في حفظ الأمن على طرفي الشريط. الاستعداد الشاروني للتعارض مع موقف
قادة أجهزته الأمنية يرجع تحديداً إلى وثيقة قانونية أعدتها وزارة العدل
الإسرائيلية والتي تؤكد أن إبقاء السيطرة الإسرائيلية على الشريط الحدودي يعني
من وجهة نظر القانون الدولي أن القطاع تحت الاحتلال. وحتى لو انسحبت (إسرائيل)
من الشريط الحدودي فإنه بالنسبة للقانون الدولي يعتبر القطاع تحت الاحتلال، لأن
(إسرائيل) ستواصل السيطرة على أجواء ومياه القطاع الإقليمية. لكن هناك هدفاً
آخر بات يراهن عليه الصهاينة من خلال إقحام مصر في تنفيذ ((خطة فك الارتباط)).
فتل أبيب تتعاطى مع الدور المصري في هذه الخطة كبديل عن الدور الفلسطيني الرسمي،
الأمر الذي يضفي صدقية على مزاعم (إسرائيل) بأن هذه الخطة ((أحادية الجانب)).
الدولة العبرية تعي أن انضمام الطرف الفلسطيني كشريك في هذه الخطة يعني الربط
بينها وبين خطة ((خارطة الطريق))، التي تلزم (إسرائيل) –لو من ناحية نظرية-
بإخلاء مزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، وصولاً لإقامة الدولة الفلسطينية.
اللافت للنظر أن الحكومة المصرية تواصل التنسيق مع تل أبيب في تنفيذ خطة ((فك
الارتباط)) على الرغم من أن المسؤولين الإسرائيليين يواصلون الإعلان عن أهدافهم
من تنفيذ هذه الخطة. فقد سمع العالم، كله، ومن ضمنه المسؤولون المصريون، دوف
فايسغلاس كبير مستشاري شارون الذي أعلن أن ((فك الارتباط)) جاء للقضاء على أي
فرصة لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية في المستقبل.
وهناك توظيف آخر للدور الأمني المصري، يقضي بأنه سيساعد بشكل غير مباشر في عزل
حركات المقاومة الفلسطينية ومحاصرتها في العالم العربي. فالنائب عومري شارون
نجل شارون يقول إن الدور الأمني لمصر يدفع باتجاه تكريس التطبيع مع العالم
العربي، بحيث إن ذلك سيساهم في عزل حركات المقاومة الفلسطينية وتقليص حجم
الفضاء الذي تستفيد منه هذه الحركات في العالم العربي. ويشير شارون الابن إلى
أنه بفعل الاتصالات مع بعض الدول العربية فقد تقلصت قدرة حركات المقاومة
الفلسطينية على تجنيد الأموال اللازمة لمواصلة عملياتها ضد (إسرائيل). في نفس
الوقت فإن (إسرائيل) تستفيد من أجواء التطبيع في محاولة التأثير على ما يجري في
الساحتين السورية واللبنانية. ولعل أقل ما يذكر هنا هو التأكيد الإسرائيلي على
اتصالات أجراها مسؤولون إسرائيليون مع قيادات لبنانية من أجل العمل على أن يصدر
البرلمان اللبناني عفواً عن عناصر جيش عملاء لحد الذين فروا لـ(إسرائيل) في
أعقاب انسحاب (إسرائيل) من جنوب لبنان في العام 2000.
وصفة لتفجر الانتفاضة
الملاحظ أن الكثيرين في الدولة العبرية باتوا يحذرون من أن شارون يقود الدولة
إلى انتفاضة ثالثة. وقد قال القيادي اليساري النائب يوسي ساريد ((قبل أن ندعو
إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أسباب اندلاع الانتفاضة الثالثة مع كل ما سينجم
عنها من قتل وإراقة دماء، على شارون أن يعي أن (إسرائيل) وحدها هي التي توقد
نيران هذه الانتفاضة، عن طريق الإصرار على توظيف فك الارتباط من أجل تجميد
عملية التفاوض والتعامل مع سجن غزة الكبير بعد فك الارتباط على اعتبار أنه دولة،
هذا ببساطة لن يمر)). ويشن ساريد هجومه على شارون قائلاً ((يستحسن برئيس
الوزراء ألا يبدو متذاكياً إلى هذا الحد، لقد اعتقدنا ردحاً من الزمن أنه
بالإمكان تعايش الفلسطينيين مع الاحتلال، ما العمل إذن؟ لقد تبين أننا مخطئون،
هم أناس تحركهم مشاعر طبيعية، هم مصممون على نيل حريتهم، لا يمكن مصادرة الحق
منهم في البحث والعمل على تحقيق الحرية، بإمكاننا أن نهاجم وسائلهم التي
يعتمدونها في الوصول للحرية، لكن هذا لن يفيد ما دمنا وفّرنا الأسباب لذلك)).