|
مفكرون ومحللون عرب يقرأون نتائج تقدّم حماس
في الانتخابات البلدية
• د. محمد السيد سعيد: حماس بمؤهلاتها السياسية وبرامجها قادرة
على حكم الفلسطينيين
• المفكر فهمي هويدي: أبو مازن يريد إرسال برقية لواشنطن تؤكد قدرته على الحكم
والسيطرة على الداخل
• د. مصطفى الفقي: على الطرفين عدم الانجرار للمواجهة والحرب الأهلية
• د. عبد الوهاب المسيري: وصول حماس لهذه المكانة ثمرة العمل المخلص والمشروعات
السياسية
• المستشار طارق البشري: هناك محاولات لتصفية حماس حتى لا تتضخم وتمسك بالسلطة
• المحلل السياسي علي الأمين: حماس قادرة على تقديم نموذج لإدارة الصراع الطويل
القاهرة/صلاح حسن رشيد
بيروت/سلوى فاضل
راهنت حركة حماس على إمكانية وصولها لكل المجتمع،
فعملت منذ بدايتها على التطبيق العملي لمبادئها، خاصة في ميدان النضال المسلح
ضد الكيان الصهيوني الغاصب، وراوحت أطروحاتها السياسية على التواجد الفعلي بين
أبناء الشعب الفلسطيني والدفاع عن ترابه ومقدساته وإيجاد آليات للتعاطي مع
السياسة العالمية المنحازة لـ(إسرائيل) والجلوس على مائدة التفاوض وطرح برامجها
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية كشريك فاعل ضمن النسيج
الفلسطيني، وهو ما رسخ أرجلها وكيانها داخل نخاع المجتمع في الداخل والخارج.
والدليل على تغلغل حركة حماس داخل أروقة الشارع الفلسطيني، وبين تياراته ونسيجه
المجتمعي تقدّمها في الانتخابات البلدية الأخيرة، وفوزها بنصيب الأسد ضمن
المقاعد المطروحة الأمر الذي زحزح الكرة من تحت أقدام حركة فتح التي اكتشفت ضعف
رصيدها لدى الناخب الفلسطيني وعدم ثقته في برامجها ومرشحيها.
وهو ما جعل السلطة الفلسطينية وحركة فتح تميل إلى الطعن في الانتخابات ومحاولة
إعادتها من جديد، وهو ما كشف عن خوف العالم والولايات المتحدة وأوروبا
و(إسرائيل) من وصول حماس للسلطة عبر البوابة الشرعية للانتخابات؛ لذلك تم إعداد
سيناريو إعادة الانتخابات البلدية وتأجيل الانتخابات التشريعية لكيلا تصل حماس
إلى مستويات السلطة.
ترى لماذا هذا اللهاث الغربي الأمريكي والأوروبي، الذي صاحب فوز حركة حماس
ولماذا الآن؟ هل عملية إعادة الانتخابات تضمن لفتح التقدّم، أم أن عمليات
التزوير ستتم للحيلولة دون نجاح حماس مرة ثانية؟
وهل تتأثر عمليات الاقتراع برغم مقاطعة حماس لعملية الإعادة؟ وما هو مستقبل
العمل السياسي الفلسطيني في ضوء إجهاض الديمقراطية؟ وكيف يرى المراقبون
والمحللون أبعاد وتفاصيل تلك الأزمة وما هي رؤية واشنطن وأوروبا و(إسرائيل)؟
الدكتور محمد السيد سعيد / نائب مدير مركز الأهرام
للدراسات السياسية والاستراتيجية
إن تضارب الآراء والأقوال بشأن الفوز بعملية الانتخابات ما بين فتح وحماس يدل
على الخلل الذي صاحب عمليات الفرز والتصويت، وإلا لما حدث هذا الخلط والزعم من
الجانبين، لكن المؤكد أن قوة حماس باتت تزاحم فتح في ميراثها واسمها التاريخي
كفصيل رئيسي ومتحكم في الشأن الفلسطيني، وأعتقد أن نجاح حماس في الوصول إلى
الناخب الذي أعطى صوته لها عن اقتناع يؤكد وجودها الشرعي، وإمكاناتها كحركة
سياسية فاعلة ونشيطة، وتستطيع قيادة وحكم فلسطين بمؤهلاتها السياسية وكوادرها
وخبرائها وبرامجها التي استحوذت على عقول الناخبين وأصواتهم. إن أنظار المجتمع
الدولي ترقب ما يحدث لاسيما بعد التصريحات الفلسطينية المنادية بإعادة
الانتخابات من جديد وإصرار حماس على المقاطعة، وهو أمر يدعو للبلبلة والفوضى،
وقد ينذر بالانفلات الأمني من جديد لو حدث تصادم فلسطيني - فلسطيني أو تدخلت (إسرائيل)
والولايات المتحدة لإفشال حماس وتدعيم فتح مادياً ومعنوياً.
أعتقد أن فتح كحركة سياسية فقدت رصيدها التاريخي؛ لأنها انكمشت على نفسها ولم
تطور آلياتها أو أهدافها أو حتى شخوصها وبرامجها، بل لم تسمح للأجيال الجديدة
أن تحكم وتقود مسيرة النضال؛ لذلك انزعجت كثيراً عندما شاركتها حماس في أصوات
الناخبين واستحوذت على أغلب هذه الأصوات، لدرجة أن حماس أصبحت بالنسبة لها مثل
الكابوس الذي يأتيها فجأة وبدون سابق إنذار.
المفكر فهمي هويدي
إن المجتمع الدولي أصيب بالذعر عندما هزمت فتح أمام عينيه بالضربة القاضية؛
ولذلك تحدثوا فيما بينهم -واشنطن وأوروبا و(إسرائيل)- على ضرورة إعادة
الانتخابات مرة أخرى للوقوف في وجه حماس التي يعني مجيئها دفن المفاوضات
السابقة والاتجاه نحو خيار الانتفاضة والمقاومة، تلك الروح التي تريد (إسرائيل)
وواشنطن أن يقضيا عليها بعد نزع سلاح حماس وتفكيك بنيتها التحتية والقضاء عليها
كحركة عسكرية وسياسية.
الصورة هي تكريس القبضة الحديدية لعباس أبو مازن على الفصائل والحركات
الفلسطينية وإيهام الخارج أنه المتحدث الرسمي فقط باسم شعب فلسطين وأن خيار
المقاومة أحيل للتقاعد والتقادم، وأن شارون باستطاعته أن يثق في فتح وأبو مازن.
تلك هي الصورة التي ربما ستتم بعد ادعاء السلطة بأن الانتخابات ستعاد خوفاً من
وصول حماس للحكم والسلطة.
وهكذا تحكم فتح بعيداً عن شعارات النزاهة والشفافية والديمقراطية، لكن لن تنجح
فتح على طول الخط، وفي جميع الانتخابات القادمة بنفس السيناريو، وتلك المساندة
الغربية والتلفيق الذي تم للانتخابات النزيهة.
وأعتقد أن سيناريو الانتخابات الفلسطينية المزمع إعادته واللغط الذي صاحبه هو
من أفكار اليمين الإسرائيلي ومباركة شارون الذي أراد أن يستريح بعض الشيء وأن
يلمس الداخل الفلسطيني بمشاكله بعيداً عن الانسحاب من غزة، الذي تنصل منه أكثر
من مرة وأن يظهر للعالم أنه لا يجد من يفاوضه فلسطينياً.
الدكتور مصطفى الفقي / مفكر قومي وعضو في البرلمان
المصري
يجب ألا تحدث مواجهة بينية فلسطينية وحرب أهلية بين الفصائل والقوى السياسية
نتيجة تأزم الوضع بعد ادعاء كل من فتح وحماس بأنه اكتسح الانتخابات البلدية
الأخيرة، من هنا فلا بد أن يفطن قادة حماس وفتح إلى أهمية عدم المواجهة المسلحة
وأن يلتزموا بما أفرزته الانتخابات أو يشرعوا في إعادتها، ولكن بعد الجلوس
ومناقشة الأمر وعدم تصعيده. إن مقاطعة الإعادة ليس في صالح حماس؛ لأنه سيؤدي
إلى قطيعة وتناحر بين الطرفين، بدلاً من التعاون لبحث المشكلات الفلسطينية
المعرقلة لإقامة الدولة.
المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري
إن حركة حماس حركة منغمسة بحق في مشكلات الشعب الفلسطينية وذات حضور طاغ ومكثف
في أروقة الشارع وبين المثقفين والسياسيين برغم عمرها القصير نسبياً مقارنة
بحركة فتح، وتعتبر حماس من الحركات القلائل اللاتي جمعت بين القول والعمل،
وأرست أطرها على قواعد متينة داخل البنيان الفلسطيني عبر تاريخها النضالي
الطويل وتقديمها لآلاف الشهداء.
إن السلطة الفلسطينية منزعجة جداً من تنامي نفوذ حماس وتجذرها أفقياً ورأسياً
وهرمياً، وتغلغلها في عقلية الشباب الفلسطيني، لذلك لم تستطيع حركة فتح أن
تجاريها في فتوتها وشبابها ونضجها اللافت للانتباه، ولا في حيويتها ومقدرتها
على الحضور برغم الضربات المهولة التي تعرضت لها من الجانب الإسرائيلي لكنها
نهضت وطورت من أدائها وقاومت الظروف المعاكسة لها، وهو ما شاهدناه عندما فاجأت
العالم وتفوقت على حركة فتح سياسياً وتنظيمياً وفكرياً، وأظن أن عملية إعادة
الانتخابات هي هاجس عربي إسرائيلي لزعزعة نفوذ حماس وامتصاص انتصارها المدوي،
بزعم وجود انتهاكات وتزوير وخروج، وهو شيء لا يعقل إذ كيف تحدث الخروقات
والتعديات على الاقتراع، وهو بحماية فلسطينية من أنصار فتح؟
أفهم أن تشتكي حماس لا العكس؟ وعلى أبي مازن كرجل دولة أن يحترم رأي الشارع
الفلسطيني، وألا ينتهك حرية رأيه وألا يجهض بوادر الإصلاح السياسي الداخلي
بالاستماع لنصائح وتوجيهات واشنطن التي لا تريد لحماس أي حضور أو مشاركة في
السلطة، وهو مطلب إسرائيلي، لذلك كانت هوجة الإعادة لإحداث بلبلة داخلية وصرف
الأنظار عن شارون الذي لن يصدق في كلامه حول الانسحاب من غزة وتصفية المستوطنات
هناك، وهكذا أصبحت الكرة بدلاً من أن تدخل المرمى الإسرائيلي بين عشية وضحاها
في حِجْر المواطن الفلسطيني الذي لا يدرك حجم الكارثة الناتجة عن التلاعب بصوته
ورأيه، وأعتقد أن التصعيد من قبل فتح والسلطة إزاء حماس مؤشر خطورة على الأوضاع
الفلسطينية داخلياً وبداية إزعاج حماس المتنامية وتصفية وجودها السياسي الواقعي
بمماحكات وأفاعيل باطلة سياسياً.
المستشار الدكتور طارق البشري
هناك ربط وضعية حماس الآن وبين السيناريوهات التي أعدتها واشنطن و(إسرائيل)
للحد من قوتها وقدراتها السياسية والتنظيمية. تعاظم حماس شعبياً واستطالتها
انتخابياً، وعلو صوتها بين القوى والفصائل ومبايعة الشعب الفلسطيني لها، وعلو
كعبها فوق فتح أوجد للقوى الغربية محاولات وأد حماس وتصفيتها قبل أن تتضخم أكثر
وتصل إلى السلطة.
فضلاً عن الترهل الحاد والفظيع في بنية السلطة، والفساد الذي طاول شخصيات كبيرة،
كما تشير الأوساط الإعلامية والتناحر السياسي والأمني بين القادة، كل هذا مهد
الأرض لحماس لكي تغرس شجرتها المباركة الإيمانية والفكرية المنظمة بين
المواطنين، وأن تقدم أطروحاتها وبرامجها الواقعية القريبة من آمال وآلام
الفلسطينيين، والرافضة لابتزاز (إسرائيل) والولايات المتحدة.
علي الأمين / محلل سياسي لبناني
قرار مشاركة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات البلدية، في قطاع
غزة وقبلها في بعض المجالس البلدية في الضفة الغربية، هو قرار يتصل برؤية تبدو
جديدة لدى البعض، وامتداد طبيعي لمسار نضالي ممتد منذ نشأت هذه الحركة قبل
عقدين من الزمن تقريباً كما يرى البعض الآخر. هذا القرار المتصل بالمشاركة
بالانتخابات التشريعية المقررة خلال شهور الصيف يعني أن حماس قررت الدخول في
هيكليات السلطة وفي الحكومة وفي المؤسسات التابعة لها، وإن كان هذا الدخول ذا
سمة تدريجية سيبرز مع الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة. ولا يمكن تخيّل أن حماس
تخطو هذه الخطوة من دون رؤية استراتيجية ترى إلى التسوية السلمية مع (إسرائيل)
سبيلاً من سبل النضال في المدى المتوسط والبعيد، ومن حق حماس أن تشارك في
العملية السلمية بالحجم الذي تبيحه مساهماتها النضالية في الانتفاضة والمقاومة
ضد الاحتلال، ضمن رؤية فلسطينية موحدة. إن حماس التي قدّمت في طريق الجهاد
والاستشهاد الكثير هي اليوم أمام تحدٍ يمكن إدراجه تحت عنوان الجهاد الأكبر في
القدرة على استعادة الألق الفلسطيني والتوهج النضالي لقضية فلسطين في العالم
ولدى الشعوب الحرة.
تحتاج القضية الفلسطينية اليوم إلى هذا الملمح المفتقد في نقل الاهتمام بالقضية
الفلسطينية من الحيّز الوطني إلى الحيّز العالمي، هذا المسعى يتطلب رؤية جديدة
لسياقات التحرير، تبدأ من نضال حماس من أجل إزالة اسمها عن لائحة الإرهاب، وهو
مسعى يستحق أن تبذل من أجله الجهود أو تستثمر كل العلاقات الدولية لتحقيق هذه
المهمة.
إن انخراط حماس في الانتخابات وفي المؤسسات المدنية التابعة للسلطة محطات في
طريق مليء بالعقبات، وهو بالفعل نضال تستحق حماس أن تحقق من خلاله إنجازات
للشعب الفلسطيني على أرض فلسطين وفي العالم.
إن حماس أثبتت جدارة في إدارة وتوجيه النضال الفلسطيني خلال المرحلة الماضية،
وهي اليوم قادرة على تقديم نموذج لإدارة عملية الصراع الطويل والممتد على جبهات
قد تكون الجبهة العسكرية هي الأقل خطراً فيها؟؟
|