"التهدئة" الفلسطينية تسير إلى حافة الهاوية
القدس/مها عبد الهادي
استند التفاهم بشأن التهدئة التي أعلنت عقب قمة شرم الشيخ التي جمعت رئيس
السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون في الأساس
إلى اتفاق بين السلطة الفلسطينية وقوى المقاومة والمعارضة.
وارتأت هذه الفصائل بمجموعها آنذاك أن هناك ما يبرر التوصل إلى اتفاق فلسطيني -
فلسطيني بهذا الخصوص، وأن في هذا الاتفاق مصلحة ما للشعب الفلسطيني، وقضيته
الوطنية. لكن وخلال الأشهر الأربعة التي تلت الإعلان عن هذا التفاهم لم تتوقف
حكومة شارون عن انتهاكه بشتى الطرق، وشهدت هذه الفترة سقوط العشرات من الشهداء
وجرح المئات من المدنيين الأبرياء، واعتقال مواطنين آخرين، لمجرد الاشتباه
بأنهم من الناشطين.
وعلى نفس الصعيد واصلت الحكومة الصهيونية نشاطاتها الاستيطانية، وقد قامت
بالفعل أو هي تخطط لبناء آلاف الوحدات السكنية في مستوطنات الضفة الغربية، في
حين تستمر في هدم المنازل سواء في الضفة أم في القدس العربية، تحت شتى الذرائع
الواهية أو حتى دون أي ذرائع على الإطلاق.
وتشير الانتهاكات الصهيونية المتواصلة إلى فهم مغلوط من جانبها لبنود التهدئة
وشروطها الأساسية، فالمطلوب من طرفهم أن يلتزم الفلسطينيون وحدهم بوقف إطلاق
النار، في الوقت الذي تطلق فيه السلطات الصهيونية يد قواتها لتستمر في نشاطاتها
المنهجية من اغتيال واعتقال، واقتحام للمدن والقرى والمخيمات، وترويع الأطفال
والنساء والشيوخ، وكأن التهدئة غير موجودة أو كأن قمة شرم الشيخ لم تنعقد وهو
ما دعا بعض الفصائل إلى التهديد بالانسحاب من التهدئة.
وبالعودة قليلاً إلى الوراء، وبالتحديد منذ أن أعلن رئيس الوزراء الصهيوني
أرييل شارون عن أول تأجيل لتطبيق خطة ((فك الارتباط)) بحوالي الشهر حذّر اثنان
على الأقل من كبار المعلقين الصهاينة من أن تحركات شارون الأخيرة تقول بأنه ماضٍ
نحو ما من شأنه تأبيد النزاع مع الفلسطينيين، ولا شيء أقل من ذلك مستشرفين بأن
الأشهر القليلة المقبلة ستشهد عملية عض أصابع صعبة حقاً، حيث سيزداد الحنق
الشاروني ويترافق معه زيادة في حدة الاستفزازات الصهيونية العسكرية الهادفة إلى
دفع حركة حماس نحو الرد العسكري.
وعوضاً من أن تقوم نتائج القمة الفلسطينية - الأميركية التي عقدت في شهر حزيران/يونيو
الجاري في البيت الأبيض باحتواء الأزمة، أكدت استمرار حالة الجمود في العلاقات
الفلسطينية – الصهيونية وبدعم أميركي واضح، وعلى الأقل حتى تطبيق خطة ((فك
الارتباط)) عن قطاع غزة، التي من المقرر أن يبدأ تطبيقها في منتصف آب/أغسطس
المقبل، وأن ينتهي في أواخر أيلول/سبتمبر.
معوقات داخلية أيضاً
حماقات شارون العسكرية لم تكن السبب الوحيد المهدد بانتهاء الهدنة، فمما زاد من
حدة الجدل حول إمكانية الوصول إلى هذا المصير هو تأجيل موعد الانتخابات
التشريعية نتيجة ضغطين: أولهما شارون وأركان قيادته الذين أربكتهم مسألة التغير
الأخير الذي حدث داخل حماس وقرارها المشاركة في الانتخابات المقبلة أكثر بكثير
مما أربكتهم عمليات حماس العسكرية في السنوات الأخيرة، وهو ما أربك الولايات
المتحدة أيضاً كما تعكسه تصريحات الطرفين الغاضبة من قرار حماس وخصوصاً تصريح
بوش خلال زيارة أبو مازن لواشنطن بالتأكيد على أن حماس ((منظمة إرهابية)).
والضغط الثاني كان تزايد التوجهات لدى صف واسع من قادة فتح، بتأجيل الانتخابات
التشريعية التي كانت مقررة في 17/7 وهو ما كان فعلاً، حيث ادعى هؤلاء أن لا
إمكانية لإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المحدد، بسبب وجود استحقاقات
كبرى مثل: الانسحاب الصهيوني المحتمل من قطاع غزة والبدء بتطبيق خطة الفصل
أحادي الجانب الصهيونية، والمؤتمر العام لحركة فتح، الذي يعتبر محطة مفصلية في
تاريخ الحركة وهو الأمر الذي دفع حماس إلى التلويح بإعلان انتهاء الهدنة،
واعتبار ((تفاهمات القاهرة)) التي جرى التوافق حولها في جولة الحوار الوطني
الفلسطيني الأخيرة لاغية، وقيامها فعلياً بإطلاق عدد من الصواريخ وقذائف الهاون
على المستوطنات الصهيونية بعد أن عمدت الدولة العبرية من طرفها إلى تصفية
مجاهدين من حركة حماس، في غضون أربع وعشرين ساعة، الأول في رفح، كان يقوم
بالمراقبة اليومية على الشريط الحدودي، والثاني في خان يونس أطلقت عليه طائرة
صهيونية صاروخاً، في حين أنه لم يكن يمارس عملاً مقاوماً، خارقاً لاتفاق الهدنة.
مجمل هذه التطورات أجمعت بأن الهدنة القائمة تمر بالتصعيد الأول الجدي لها منذ
نهاية كانون الثاني/يناير الماضي الأمر الذي دفع المصريين إلى التحرك، وإرسال
اللواء مصطفى البحيري نائب وزير المخابرات العامة المصرية إلى غزة لإنقاذ
الهدنة، وعدم السماح بتدهور الموقف بين الحركتين والحفاظ على تفاهمات القاهرة
قائمة.
شارون يدمّر التهدئة
بات من المؤكد بأن شارون مغتاظ من التهدئة ولا يريدها لأنها تبدد المناخ
المتوتر الذي يعتاش فيه وعليه، لكن كما يبدو تحاول الدولة العبرية حالياً
التركيز في هذه المرحلة على الرسائل التحذيرية التحريضية للسلطة الفلسطينية على
حماس فضلاً عن بعض العمليات هنا وهناك، وهذا ما أكده نائب وزير الدفاع الصهيوني
عندما أجاب على سؤال مراسل قناة الإذاعة الإسرائيلية الثانية صباح الخميس
19/5/2005، وقال: بأن لا نيّة لـ(إسرائيل) في توسيع إطار ردة الفعل إلى عمليات
كبرى تنفذ قبل إتمام الانسحاب من غزة.
لذلك ستجهد الدولة العبرية في المرحلة القادمة على الوقيعة بين الفلسطينيين،
وهو ما لا يخفيه الكاتب عاموس هارئيل في ((هآرتس)) 19/5/2005، حين يغمز قائلاً:
الوحيد القادر في غزة، وصاحب القرار هم رجال حماس، وهم الذين يسيّرون دوريات في
محيط المستوطنات، وهم وحدهم المنتصرون من كل التصعيد الذي تم، ويقدم على ذلك
دليلاً:
الصور التي التقطتها بعض الفضائيات 18/5/2005، في خان يونس، وفيها كما يقول
الكاتب الصهيوني: شرطة فلسطينية يدافعون عن أنفسهم أمام جمهور كبير غاضب يلقي
عليهم الحجارة، بينما رجال حماس يطلقون النار، وقد تم جرح ثلاثة رجال شرطة.
هذه التصريحات والتحليلات الصهيونية الخطيرة تنطوي على الكثير من معاني التحريض
ضد حماس التي يحذر الكاتب بأنها باتت قوة يجب على السلطة الفلسطينية خشيتها
أكثر من خشيتها (إسرائيل)، لأن حماس لا تعمل من أجل التهدئة، ومن أجل الاستقرار،
وسلامة المجتمع الفلسطيني، فإن لم تقم السلطة بتصفية حماس، أو إضعافها، فإن (إسرائيل)
ستقوم بذلك في أسوأ الأحوال، وعلى السلطة الفلسطينية أن تتحمل المسؤولية.
وتظهر النوايا الصهيونية بشكل أكثر وضوحاً بالنقمة المتزايدة جرّاء ((تسييس))
حماس والتحرش الصهيوني بها باغتيال بعض نشطائها الميدانيين، لتوريطها ودفعها
للعدول عن خطها السياسي الجديد.
وتتوازى تلك التحرشات مع سياسة أخرى تبنتها الدولة العبرية ضد أبو مازن تجرده
من خلالها من أي أوراق سياسية أو شعبية يمكن أن يلوح بها أمام شعبه. ومن ذلك
عدم نجاح زيارة أبو مازن لواشنطن وحرمانه من العودة بأي إنجاز سياسي واضح
المعالم.
وهدف شارون النهائي بين استمرار إضعاف أبو مازن وجرجرة حماس نحو التورط بإنهاء
التهدئة هو إفشال الانتخابات الفلسطينية المقبلة لأنها ستربكه أكثر كونها ستؤهل
حماس سياسياً وستمنحها موقعاً مركزياً في قلب عملية صنع القرار الفلسطيني.
فاستراتيجياً وتكتيكياً، يريد شارون حجة فلسطينية دائمة يختبئ وراءها ويسوّغ
بسببها رفضه لأي حل أو تقدم على المسار السياسي وينفذ برنامجه الخاص به القائم
على مقولة ((الوقائع على الأرض)) ومنها ما كشفت النقاب عنه صحيفة ((معاريف))
يوم 16 أيار/مايو الماضي، بشأن قرب البدء بأعمال ضم مستوطنة (معاليه أدوميم)
إلى القدس بواسطة بناء قسم آخر من الجدار.
كما أنه من الواضح الآن أن شارون يعد العدّة للحؤول دون أي تحرك إضافي بعد
الانفصال المتوقع في قطاع غزة، وذلك بتشديده المتكرر على أن التقدم إلى الأمام
في تطبيق ((خريطة الطريق)) لن يكون أوتوماتيكياً وإنما هو منوط بالتطبيق الكامل
من جانب الفلسطينيين لالتزاماتهم المتعلقة بالمرحلة الأولى، والتي تعني في
قراءة الصهاينة ((التفكيك التام لبنى الإرهاب التحتية)). ومن نافل القول أنه في
مستطاع الجانب الصهيوني أن يدعي دائماً ومتى يشاء أن الفلسطينيين لم يفوا بهذه
الالتزامات، التي يستحيل الوفاء بها وفق الشروط الصهيونية التي هي أقرب إلى
التعجيز.
وإضافة لذلك جاء تأكيد شارون أكثر من مرة خلال الأيام الماضية على أنه بعد
الانسحاب من قطاع غزة لن يكون هناك أي تحرك مشابه في الضفة الغربية وأن الوضع
سيبقى على ما هو عليه لمدة طويلة.
وخلاصة الموقف الصهيوني تقول إنه وبالرغم من هشاشة التفاهمات التي تمّت في
مؤتمر شرم الشيخ، والتي لا تتعدى في أقصاها الأبعاد الأمنية، وإيقاف العنف أو
التهدئة بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني فإن الدولة العبرية لا تزال تتلكأ
وتتباطأ في تنفيذ ما اتفق عليه في المؤتمر، الأمر الذي بات يهدد الهدنة، ويفقد
السيطرة عليها وهو ما تسعى الدولة العبرية للوصول إليه، لإيجاد ذريعة لإيقاف
أية محاولة للسير قدماً في المسيرة السلمية وإنهاء وتسوية الصراع.
لا للهدنة المجانية
أما عناصر الهدنة الفلسطينية الرئيسية، فصائل المقاومة، فلا تزال متفقة على أن
لا تكون الهدنة مجانية وبلا ثمن على الأرض يخفف من معاناة الفلسطينيين، وعلى
ضرورة أن تكون الهدنة ملزمة للجانب الصهيوني.
وانطلاقاً من هذه المواقف بدأت أصوات فلسطينية تطالب بإعادة النظر في مصير
ومستقبل تفاهمات القاهرة وتحديداً التهدئة في ضوء التصعيد الصهيوني المستمر
وعدم التزام الدولة العبرية بالتهدئة وبعد إعلان الرئيس أبو مازن تأجيل
الانتخابات، وفي هذا الصدد قال عدة مسؤولين في حركة حماس بأن حركتهم لا يمكن أن
تغض الطرف عما يجري خاصة الخروج الفلسطيني عن تفاهمات القاهرة، التي كانت
عبارة عن رزمة من المسائل تضمنت عدة قضايا أهمها مسألتان، أولها يتعلق بالجانب
الصهيوني والعلاقة معه والتي اشترطت إعلان التهدئة مقابل وقف العدوان وإطلاق
سراح الأسرى وهو ما لم ينفذ منها شيء -على حد قول هذه التصريحات- فالعدوان
مستمر والأسرى يطلق سراحهم بانتقائية ومعايير صهيونية ظالمة تحت عنوان ابتزاز
للسلطة.
وهذا الأمر –حسب قولهم- يمكن أن يدفع بحماس إلى إعادة النظر في مجمل تفاهمات
القاهرة، وهذا لا يعني انهيار التهدئة لكن إعادة النظر ممكن أن يكون فيها علاقة
بمجمل التفاهمات وعلى رأسها التهدئة. وهو ما يؤيده ممثل الجهاد الإسلامي الذي
يقول إن الخروقات لتفاهمات القاهرة في تصاعد مستمر من الاحتلال من جهة والسلطة
الفلسطينية من جهة أخرى.
ويضيف قائلاً ((نحن ندعم بكل قوة ضرورة الجلوس مجدداً على طاولة الحوار لبحث كل
التطورات الجديدة وبلورة مواقف جديدة في ضوء الواقع الفلسطيني، فالتهدئة
يستغلها الاحتلال للاستمرار في عدوانه وجرائمه، والسلطة تتلكأ في التغيير
وتحقيق الإصلاح الداخلي والاستمرار في الانتخابات وتعزيز الديمقراطية، لذلك
نطالب وبالحاح بإعادة النظر في التهدئة)).
ورغم الضغوط الثلاث التي تتعرض لها حماس كما يقول بعض المحللين: الدولة العبرية
وتحرشاتها، وفشل السلطة في الوفاء بوعودها في شأن الانتخابات، وكذلك المخاطر من
عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات البلدية التي فازت فيها الحركة، والتي تهدف
جميعها إلى وضع حماس في منتصف الطريق فلا هي ترد عسكرياً على الدولة العبرية،
ولا هي تشارك سياسياً في صياغة القرار الفلسطيني، إلا أن موقف الحركة كان حكيماً
في التعامل مع موضوع التهدئة وعدم إيصالها إلى درجة الانهيار الكامل.
وعموماً، تؤشر القراءة الموضوعية للواقع الفلسطيني إلى ولوج مرحلة جديدة تفتح
أبوابها على المجهول: ودولة الكيان تعمل جاهدة كي تحول تفاهمات شرم الشيخ من
وقائع تجري على الأرض إلى فقاعات وبالونات هواء تتطاير في الجوّ يستحيل جمعها
وتنقشع وحدها متناثرة في الهواء متذرعة بأي شيء، والفلسطينيون تتجاذبهم مشاريع
عدّة تتقاطع في تخوفها من المستقبل القادم فإلى أين تقود الأيام القادمة؟