جدل صهيوني داخلي حول الحوار
مع حماس
المعارضون: يضفي شرعية على الحركة
المؤيدون: لا يمكن تجاهلها
فلسطين/إبراهيم السعيد
منذ فوز حماس في الانتخابات البلدية دار جدل في الكيان الصهيوني حول الحوار مع
حماس، وأدى الكشف عن الاتصالات التي أجراها مسؤولون في الاتحاد الأوروبي مع
رؤساء بلديات فلسطينيين ينتمون إلى حركة حماس، إلى احتدام الجدل داخل (إسرائيل)
حول مستقبل تعاطي الدولة العبرية مع الحركة. الذي يفاقم من احتدام هذا الجدل هو
حقيقة إدراك دوائر صنع القرار في الدولة العبرية أن السياسات التي اتبعتها
الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع حركة حماس لم تؤد إلا إلى تعاظمها.
كبار مقدمي البرامج الحوارية في قنوات التلفزة الإسرائيلية الذين حاوروا آفي
ديختر رئيس جهاز المخابرات الداخلية ((الشاباك)) الذي أنهى مهامه مؤخراً احرجوه
تماماً عندما اعتبر أن عمليات التصفية هي إنجاز كبير لجهازه. ديختر لم يفلح في
تقديم تفسير مقنع لحقيقة تعاظم قوة حركة حماس في الشارع الفلسطيني تحديداً بعد
تصفية قيادتها. الإقرار بالعجز في مواجهة الحركة، إلى جانب قيام الاتحاد
الأوروبي بإجراء اتصالات مع حماس، فضلاً عن تنامي قوة الحركة، أوجد في الدولة
العبرية اتجاهين أساسيين في كل ما يتعلق بالموقف من الاتصال مع الحركة،
والتفاوض معها مستقبلاً.
رافضو الحوار
هناك اتجاه يشدد على أنه يتوجب عدم إجراء أي تصالات مع الحركة والتفاوض معها،
على اعتبار أن مثل هذا التعامل مع حماس يضفي شرعية ليس فقط على الحركة، بل أيضاً
على برنامجها ضد دولة الاحتلال. الذين يعارضون إجراء الاتصالات مع حماس يطالبون
بالرجوع إلى ما جاء في ميثاق الحركة. المسؤولون الصهاينة أعدوا نسخاً مترجمة
باللغات الأوروبية المختلفة لميثاق حماس لكي يطلعوا مسؤولي الاتحاد الأوروبي
على ((حجم التطرف)) الذي يعبّر عنه هذا الميثاق، ولا ينسى المسؤولون
الإسرائيليون أن يلفتوا أنظار المسؤولين الأوروبيين إلى ما يعتبرونه ((قواسم
مشتركة)) بين ما جاء في ميثاق حماس وبين برامج النازيين الجدد في أوروبا من حيث
التعرض لليهود. معارضو الاتصالات مع حماس يؤكدون أنه لا يمكن التوصل لتسوية
سياسية للقضية الفلسطينية في حال تولت حماس مسؤولية التفاوض مع (إسرائيل) حول
قضايا الحل الدائم. لكن هناك بعض المنصفين في الجانب الصهيوني من يؤكد أن
المفاوضات في هذه الحالة ستسقط ليس فقط بسبب موقف حماس، بل بسبب رفض الدولة
العبرية لتقديم تنازلات حقيقية. وهناك من المحللين والمعلقين الصهاينة من دحض
ادعاءات الرافضين لإجراء حوار مع حماس بسبب موقفها المتشدد. فمثلاً يقول ألوف
بن المعلق في صحيفة ((هآرتس)) أن (إسرائيل) لا يمكنها أن تحمل حماس المسؤولية
عن فشل أي مفاوضات، لأن (إسرائيل) فشلت في التوصل لتسوية مع ممثلي منظمة
التحرير الذين يطرحون مواقف معتدلة جداً. ويضيف بن ((إذا كانت (إسرائيل) ترفض
الانسحاب من القدس وتصر على إبقاء التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة، وترفض
حق العودة للاجئين، فإنها لن تجد طرفاً فلسطينياً مستعداً للتوصل لتسوية سياسية
معها، بمعزل عن هوية هذا الطرف الفلسطيني)).
ويرى معارضو إجراء الاتصالات مع حركة حماس أنه في حال تم إجراء الاتصالات مع
حماس، فإنه لن يكون بإمكان الدولة العبرية مطالبة السلطة الفلسطينية بضرب
بنيتها العسكرية والتنظيمية، ناهيك على أن هذه الخطوة ستساهم في تشجيع دول
العالم على إجراء اتصالات مع حماس. وسيكون لزاماً على الولايات المتحدة تبعاً
لذلك إجراء اتصالات مع الحركة. ونتيجة لهذه الاتصالات ستقدم دول الاتحاد
الأوروبي في البداية وبعد ذلك الولايات المتحدة على إخراج حركة حماس من ((قائمة
المنظمات الإرهابية)). مع العلم أن الدولة العبرية تعتبر أن أحد أهم إنجازاتها
هو نجاحها في إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بوضع اسم حركة حماس على
((قائمة التنظيمات الإرهابية)).
وهناك داخل الدولة العبرية من يرى أن إجراء المفاوضات مع حماس يحمل رسالة هدامة
بالنسبة لـ(إسرائيل)، مفادها أنه بإمكان حركات المقاومة حمل السلاح ضد الدولة
العبرية وبعد ذلك يتم مكافأتها بالسماح لها بالتفاوض. وإن كان الذين يرفضون
الحوار مع حماس في الجانب الصهيوني ينتمون بشكل أساسي إلى أحزاب وحركات يمين
الوسط أو المتطرف، فإن هناك أيضاً عدداً من الساسة في الوسط واليسار من يعارض
التفاوض مع حماس على اعتبار أن ذلك يسدل الستار نهائياً على إمكانية إجراء
مفاوضات مع منظمة التحرير. وهؤلاء الساسة يدركون مدى المرونة الذي يميز ممثلي
منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. الجنرال عاموس جلبوع، الذي كان يشغل منصب
مدير قسم الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ويحمل أفكاراً
يمينية، يرى أنه مخطئ من يرى في دخول حماس معترك السياسة أمراً جيداً، بل هو في
الحقيقة تطور سيئ يعني عدم إمكانية الوصول إلى مصالحة سياسية.
مطالب الرافضين
الساسة الصهاينة الذين يرفضون الحوار مع حماس يضعون شروطاً يرون أن تلبيتها
ضرورية لكي يغيروا مواقفهم من التفاوض مع الحركة. وقد عبّر عن ذلك رئيس الوزراء
الصهيوني أرييل شارون الذي وضع شروطاً لذلك عندما طالب بأن تفكك حماس بنيتها
العسكرية وتسلم أسلحتها وتعترف بـ(إسرائيل) وتتخلى عن ميثاقها. لكن شارون لم
يفصح عن القضايا التي من الممكن أن يتفاوض حولها مع حماس، مادام يقدم خطة ((فك
الارتباط)) على اعتبار أنها ((أنجح وصفة لتصفية القضية الفلسطينية))، كما
يتباهى في مجالسه الخاصة. الكاتب اليميني بوعاز جانور يرى أنه يتوجب على
(إسرائيل) ألا تجري أي اتصال مع ممثلي حركة حماس الذين نجحوا في الانتخابات
المحلية أو الذين من المنتظر أن ينجحوا في الانتخابات التشريعية إلا في حال
أوقفت الحركة عمليات المقاومة، أو على الأقل أن يعلن ممثلو حماس في المجالس
المحلية أنهم مستقلون، ويقطعون أي اتصال لهم مع حماس. جانور يرى أن على
(إسرائيل) أن تجري اتصالاتها مع المجالس المحلية المنتخبة والتي تسيطر عليها
حماس عن طريق طرف ثالث مثل الصليب الاحمر، بدعوى أن ذلك مهم في عدم إضفاء شرعية
على الحوار والتفاوض مع الحركة.
مؤيدو الحوار
في مقابل الرفض الصارم لأي اتصال مع حماس، هناك تيار متنامٍ داخل الدولة
العبرية يرى أنه بالإمكان إجراء اتصالات مع الحركة، بل ويرى أنه من الواجب
إجراء هذه الاتصالات. اللافت أن عدداً من الذي يتبنون هذا الطرح هم في الأساس
من قادة الأجهزة الأمنية السابقين. النائب السابق لرئيس جهاز المخابرات
الداخلية ((الشاباك)) ألقى مؤخراً قنبلة مدوية عندما أكد على أن (إسرائيل)
ستكون مضطرة لإجراء اتصالات مع حماس في غضون عامين من الآن. وإلى مثل هذا
الاستنتاج وصل الجنرال شموئيل زكاي قائد قوات الاحتلال في قطاع غزة الذي تسرح
قبل شهر. وهناك الساسة من الوسط واليسار من أمثال رئيس حركة ((ياحد)) يوسي
بيلين من يرون أنه على (إسرائيل) أن تجرى مفاوضات مع حماس.
يقدم الذين يؤيدون التفاوض مع حماس عدة مسوغات لذلك، منها:
1- العجز عن حسم المواجهة مع الشعب الفلسطيني بالقوة العسكرية سيما بعدما تبين
قدرة المقاومة الفلسطينية على موائمة نفسها بشكل متواصل. وأن هناك حاجة لإجراء
اتصال مع واحدة من أهم حركات المقاومة التي وعت (إسرائيل) دورها في الانتفاضة.
2- ليس بالإمكان تجاهل حجم حركة حماس وامتداداتها الشعبية والجماهيرية، كما
عكستها نتائج الانتخابات المحلية، وأن مشاركة حماس في التوصل لتسوية سياسية
للصراع يضفي شرعية كبيرة جداً على هذه التسوية، أفضل بكثير من التسوية التي يتم
التوصل اليها عن طريق التفاوض مع ((فتح)) فقط.
3- يرى هؤلاء أن دخول حماس الانتخابات المحلية والتشريعية وإجراء التفاوض معها
سيدفعها إلى الاعتدال والتراجع عن بعض مواقفها الأيديولوجية الثابتة.
4- يؤكد مؤيدو الاتصالات مع حماس أن التفاوض مع الحركة إلى جانب توليها
المسؤولية عن إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني سواء عن طريق إدارة المجالس المحلية
أو المشاركة في المجلس التشريعي وحتى في الحكومة سيؤدي حتماً إلى تراجع تركيز
الحركة على العمل المسلح، وسيجد نشطاء الحركة وأعضاؤها متسعاً للعمل والمشاركة
في إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني.
5- يرى مؤيدو التفاوض مع حماس أنه حتى لو ظلت حماس مصرة على مواقفها
((المتطرفة)) بزعمهم، فإن هذا سينفع (إسرائيل)، حيث إن (إسرائيل) ستقول للعالم
أنه لا يوجد في الجانب الفلسطيني شريك يمكن التوصل معه لتسوية سياسية.
بغض النظر عن حجج المؤيدين والمعارضين للحوار مع حماس، فإن هناك حقيقة مفادها
أن دور الحركة الريادي في العمل المقاوم هو الذي رفع أسهمها وجعل منها مادة
أساسية للحوار والجدل الإسرائيلي الداخلي.