|
تكتبها جهاد الرجبي
في المرآة صور!
تحترق الأرض من تحت أرجلنا ونحن الحفاة!
على جمر غضبها نمضي.. لا ندري أتقذف بنا حمماً من قهر، أم بشهيق الوجع تبتلعنا!
ونحن الضحايا فيها ونحن الجناة! ونحن مرايا الموت وإن تنفّست في عروقنا
الحياة.. فأي حياة لمن تمزّق عرضه؟ وأي حياة لمن احترق في أسواق النخاسة ظله؟
وأي حياة لمن باع جوعاً أمّه، وتجرّع بيده الآثمة سمّه؟
تتناثر في أسماعنا الكلمات، نطردها، غير أنها تعود إلينا بأحرف جديدة، فنعترف
مرغمين بأن الكلمات لا تموت، وبأننا وحدنا من يموت! لتظل الكلمات من بعد موتنا
حيّة تشيّعنا بالرثاء..
فتجوّلي يا مرآة الصبر في شوارع العرب، تجوّلي ليلاً، وارصدي الأقدام المترنّحة
على أبواب اللهو والسلطان، خبّريهم عن رجال من حدقة القهر خرجوا بالبصيرة،
فكانت من أشلائهم القنابل، وكانت من حبات أعينهم الذخيرة!
خبّريهم عن عرق الرجال وهم يحفرون الأرض لتفور بالغضب، خبّريهم عن صواريخ تطلق
باسم الله وتتفجّر بقول (الله أكبر!)
قولي لهم عن صواريخ القسّام في غزّة المجاهدين! وكيف صار الموت يتحرّك في شوارع
العدو وفي عمق مستوطناته، ليعرف قبل غيره بأن الأرض فلسطينية الأنفاس.
وخبّرينا عمن علّمتهم (السلطة) لعبة التظاهر بالهيمنة، فصاروا يتنافسون فيما
بينهم على قذارة الأوسمة! يلوّحون بدم الشعب الذي صافح الموت حين لاحت من سماء
الصبر تباشير المقاومة.. يمنحونه الموت والجوع وفتات الكرامة، ويسلبونه الحلم!
يمزّقون خريطته، ينتزعونها من صدره، ولا حصة لهم سوى كلمة سوداء في ذاكرة طفل،
عرف كيف يقبض على السلاح، كما كان يقبض في الصغر على دفء الحجر.
غائر الطعن في خاصرة المقاومة، ودمها النازف يعلن في صمت المتفرّجين: (عربي نصل
السكين!).
أتراهم جيران البحر تنصّلوا من دمهم، وأنكروا خبزهم وماءهم، وصاروا جزءاً من
المؤامرة، وارتدوا طائعين أقنعة الوجوه الغادرة!
كنا بمرارة الشوق نبكي فلسطين، واليوم نبكي أنفسنا.. كثرت أحزان العرب! كثر
الدم والأشلاء، وتعالت صرخات الفجيعة من حناجر النساء، غير أن أمتنا أسعفها
الصمم فما عادت تحفل بالنداء!
في عراق المجاهدين اهتزّت الأرض بأزيز الطائرات.. تبعثرت أشلاء القنابل بين
الجدران المهدّمة، وقريباً من الأجساد الصغيرة التي فقدت غيمة الطمأنينة
فالتحفت نيران الرشاشات.
قولي لهم يا مرآة الصبر المفجوعة ببشاعة الظلم أن رحيق بغداد للعراقيين، قولي
لهم فلسطين أحرف من نار تحرق بلهبها عدو الله وتهب الدفء للساجدين.. واحملي
تكبيرات الأقصى على جناحيك، لعلّهم ينصتون لمسرى رسول الله إذ ينادي: (جرّدوني
من أهلي، ومن تحتي يحفرون!!).
فيا مرآة الصبر سيري لا تتوقّفي! واجهيهم بوجوههم لعلّهم يهتدون!
|