تناقضات في السياسة الأوروبية
هل يجري إقصاء الأوروبيين فعلاً عن الساحة الفلسطينية؟..
بون/نبيل شبيب
أصبح من ((روتين)) العلاقات الأوروبية-الإسرائيلية كثرة الحديث عن توتّرها،
كلّما صدر تصريح أو موقف عن أحد الجانبين يشير إلى نقطة من نقاط الخلاف
القائمة، والملاحظ أنّ المواقف والسياسات والتصريحات الأوروبية وإن كانت
بمضمونها مزعجة للإسرائيليين والأمريكيين عموماً، إلاّ أنّها نادراً ما تمسّ
صلب المشكلة، أو حتّى صلب بعض الجوانب الفرعية لها، ثمّ لا بدّ من ظهورها
متناقضة أشدّ التناقض مع حقيقة التطوّر الإيجابي المطّرد للعلاقات
الأوروبية-الإسرائيلية في ميادين ثابتة، لم تتأثر بالعوامل السياسية والإنسانية
والقانونية الدولية، أثناء الانتفاضة ولا قبلها أو بعدها، وعلى سبيل المثال كان
الاتحاد الأوروبي وما يزال يحتلّ المرتبة الأولى متقدّماً على الولايات المتحدة
الأمريكية نفسها في قطاع التبادل التجاري مع الإسرائيليين، استيراداً وتصديراً،
كما أنّ التعاون في ميادين البحث العلمي والتقني الصناعي يشهد تنامياً مستمراً
واتفاقات جديدة، بصورة تدفع إلى التساؤل في نهاية المطاف، هل تتناقض السياسة
الأوروبية مع نفسها، أم أنّ وراء ما يبدو ((توتّراً متجدّداً)) في العلاقات
الثنائية تفسيراً آخر، قد يكون أقرب إلى توزيع الأدوار في التعامل الدولي مع
قضيّة فلسطين ومع المنطقة بمجموعها!..
بين توتّر المواقف.. وتكامل السياسات
الواقع أنّ التصريحات والمواقف حول ذلك ((التوتّر)) تزداد كمّاً وترتفع وتيرة
حدّتها أحياناً تحت تأثير عاملين رئيسيين، أوّلهما مرور السياسة الأمريكية
المنحازة بفترة ((جمود)) من حيث اتخاذ خطوات مرئية تحت عنوان ((إحلال السلام))
بغضّ النظر عن تقويم ذلك في هذا الموضع، والعامل الثاني هو ازدياد تأثّر الرأي
العام الأوروبي بمجرى الأحداث في الأرض الفلسطينية، وهو ما لا يكاد ينقطع منذ
اندلاع انتفاضة الأقصى ووحشية التحرّك العسكري الإسرائيلي في مواجهتها. وأوّل
ما يتبادر إلى الأذهان هنا أنّ عدم تأثّر العلاقات الثنائية بالتوتّر المعلَن،
يوحي بأنّ التصريحات المثيرة إنّما تستهدف إظهار بعض التجاوب مع الرأي العام
الأوروبي نفسه، كما تستهدف نشر صورة فيها شيء من ((الإيجابيّة)) عن الموقف
الأوروبي في المنطقة العربية، بما يسمح للاتحاد الأوروبي بملء ((الفراغ)) نيابة
عن الأمريكيين، إلى أن تحين الجولة التالية لفرض ((حلول وتنازلات)) جديدة في
المنطقة!..
من أواخر ما يمكن النظر فيه استشهاداً على ذلك ما رافق قضيّةَ الجدار العنصري
العازل، فالاستمرار في بنائه رغم معارضته دولياً، يجعل المواقف الأوروبية
الأخيرة كالترحيب بقرار محكمة العدل الدولية وتأييد قرار الجمعية العامّة للأمم
المتحدة:
1- مواقف منسجمة من جهة مع المعارضة الشعبية الأوروبية والرسمية الدولية
عموماً.
2- وهي مناسِبة من جهة ثانية لبقاء الخيط الواصل للتأثير الأوروبي على الجانب
العربي والفلسطيني
3- وقابِلة بالتالي لتوظيفها للمطالبة بمزيد من التنازلات في واقع ما يجري
التفاوض حوله.
4- بينما لا ينبني على الموقف الأوروبي المضادّ للإسرائيليين إجراء تنفيذي
عملي!
لا يبدّل من ذلك ما صدر عن الإسرائيليين معبّراً عن الانزعاج الشديد من
الأوروبيين، كما جاء في بيان حكومي إسرائيلي وفي تصريحات السفير الإسرائيلي
شيمون شتاين لدى ألمانيا، فالأهمّ من ذلك بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي -وهو
يمضي على أيّ حال في بناء الجدار العنصري رغم الاعتراضات- الأهمّ هو أنّ
الأوروبيّين لعبوا دوراً لا بأس به -وبمشاركة مصرية- في دفع السلطة الفلسطينية
إلى القبول بالمطالب الأمريكية والإسرائيلية على صعيد الأجهزة الأمنية، بحيث
يتحوّل الانسحاب من غزة إلى صيغة ((المقايضة)) التي يريدها شارون وحكومته.
تبرئة.. بلا ثمن!!
التحرّك الأوروبي لهذا الغرض ((الأمريكي-الإسرائيلي)) لا يجد
((تنديداً واعتراضاً ورفضاً)) على المستوى الشعبي الفلسطيني والعربي مثلما يجده
التحرّك نفسه بلباسه الأصلي، الأمريكي-الإسرائيلي.. وهذه الصورة ((الإيجابية))
الأوروبية، هي التي يصنعها مثلاً ما صدر مؤخراً عن ((لجنة مكافحة الاحتيال))
التابعة للمفوضيّة الأوروبيّة في بروكسل، بإعلانها أنّ تحقيقاتها المبدئية لم
تكشف عن إثبات صحّة الاتّهامات الإسرائيلية حول سوء استخدام المساعدات المالية
الأوروبية، أي أنّ السلطة لم تستخدمها –في حدود ما توفّر من معلومات- في مجالات
((غير مشروعة))..
والكلام في الأصل صحيح، فلا أحد يقدّر بصورة عقلانية أنّ السلطة تموّل
بالمساعدات الأوروبية أعمال المقاومة، وهي المقصودة بتعبير المجالات غير
المشروعة (ولم يرتبط الإعلان بالفساد المالي مثلاً..) ولكنّ توقيت إعلان هذا
الموقف وما حفل به من ((استثناءات)) تسمح بتغييره مستقبلاً، أمرٌ يلفت النظر،
فالاتهامات الإسرائيلية قديمة ولم تنقطع، ولكن مؤخرا فقط جاءت التصريحات
الأوروبية بصدد العزم على التحقيق في الموضوع، واقترنت بتحرّك عملي على عكس ما
كان في الماضي، واقترن التحرّك بالحديث عن ((الجانب الأمني)).. أي أنّ
التصريحات الرافضة للاتهامات الإسرائيلية نفسها اتخذت واقعيّاً صيغة ضغوط على
السلطة الفلسطينية لتقبل بالتصوّرات ((الأمنية)) المطروحة عليها، وجاء إعلان
((التبرئة)) من استغلال الأموال، بعد أن أقدمت السلطة على بعض التغييرات في
تشكيل الأجهزة الأمنية وقيادتها، وهذا بغضّ النظر عن خلفيات الحدث المرتبطة
بالنزاعات في حركة فتح.
قد يسري شبيه ذلك على تفسير الموقف الأوروبي على صعيد الاتصالات بياسر عرفات،
فما يزال الطرف الإسرائيلي يكرّر مطالبة الأوروبيين بتعديل مواقفهم على هذا
الصعيد، وبالمشاركة الأكبر في ((عزل عرفات))، وهو ما ورد على لسان السفير
الإسرائيلي شتاين في ألمانيا مؤخّراً، مؤكّداً على وزير خارجيتها أن يمارس
نفوذه لدى زملائه الأوروبيين على هذا الصعيد، في إشارة للقاء الأخير الذي تمّ
بين وزير الخارجية الفرنسي ميشيل بارنير وياسر عرفات في رام الله.
والواقع أنّ شارون ندّد بحدّة بهذا اللقاء، قائلاً إنّه في الوقت الذي يقلّص
فيه الزعماء العرب اتصالاتهم مع رئيس السلطة الفلسطينية، ترتكب وزارة الخارجية
الفرنسية خطأ فادحاً في الاتجاه المعاكس، أو بتعبير آخر لا يمكن للأوروبيين أن
يتخذوا من مجرى التطوّرات السياسية موقفا يتجاوز الموقف المصري نفسه، ناهيك عن
غياب الموقف العربي، بل يوجد من يفسر تحريض اليهود الفرنسيين على الهجرة عن
فرنسا بأنّه ردّ على السياسة الفرنسية..
ولكن.. عند التأمّل الأعمق في تلك الزيارة، يبدو أنّ الهدف من اللقاء المشار
إليه قد ارتبط –وفق التصريحات الرسمية الصادرة عن الوزير الفرنسي- بالعمل على
إقناع عرفات بما يوصف بإصلاح الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى الحديث عن الجانب
المالي، ورغم إشادة الضيف الفرنسي آنذاك بما وُصف بالإصلاح ((الجزئي)) من جانب
السلطة الفلسطينية على الصعيد المالي، يتّضح من أسلوب التعبير أنّ المطلوب أكثر
ممّا تحقّق حتى ذلك الحين.. أي قبل أن يُعلن لاحقاً عن التغييرات الجديدة في
القيادات الأمنية الفلسطينية، يلي ذلك إعلان المفوضية عن تبرئة السلطة من إساءة
استخدام المساعدات!..
وقد يكون لقاء بارنير بعرفات يمهّد لخطوة أبعد مدى، تتمثّل في أن يكون إنهاء
حصار عرفات في مقرّه برام الله، ورقة إضافية يطرحها الجانبان الفلسطيني والمصري
لتكون جزءاً من ((خطّة الفصل)) وثمناً لتلبية الرغبات الإسرائيلية على صعيد
ضمانات ((الأمن الإسرائيلي)) بعد الانسحاب، وكان الأصل أن تُطرح مسألة إنهاء
حصاره في اتجاه معاكس تماماً، فانتقال عرفات من رام الله إلى غزة، يعزّز في
حصيلته صيغة مشروع شارون القائمة على تثبيت احتلال الضفة الغربية، والتخلّص من
قطاع غزة وبالتالي من عنصري ((السكان)) و((الأمن)) الأبرز من سواهما في تطوّر
المواجهة على الأرض الفلسطينية مستقبلاً.
المدخل الدولي المغلق!..
على صعيد آخر يدرك الساسة الأوروبيون أنّ تجديد الحديث عن الخطة المشتركة مع
الأمريكيين والروس والأمم المتحدة، لا يعني تغييراً حقيقياً في السياسة
الأمريكية التي ابتعدت عن هذه الخطة، وزادت من حجم تأييدها الفاضح لمشاريع
شارون تحت عناوين خطّة الفصل أو الانسحاب من غزة، ولا يخفى أن مشاورات اللجنة
الرباعية منذ استئنافها بعد جولة بوش الأوروبية ولقاء قمة الدول الثمانية، لم
تتجاوز حدود الكلام، ولم تطرح إجراء عملياً واحداً أو موقفاً جادّاً في اتجاه
تطبيق مشروع ((خارطة الطريق)) بغضّ النظر عن ضحالة محتواه. وبالمقابل يظهر
للعيان جلياً مدى مواصلة العمل الفعال لدفع خطّة الفصل باتجاه التطبيق على أرض
الواقع، جنباً إلى جنب مع محاولات تحويل ((الانسحاب)) من غزة تحت ضغوط
المقاومة، إلى فرض ((قيود أمنيّة)) عليها.
وكما سبقت الإشارة، لا يصحّ الحديث عن ((جمود)) حقيقيّ في السياسة الأمريكية،
ففعاليّة تحرّكها لم تنقطع في الاتجاه المعاكس للتحرّك الدولي، ويمكن اعتبارها
من وراء دفع حكومة مصر إلى تلبية الرغبة الإسرائيلية-الأمريكية فيما يسمّى
((المجال الأمني))، أي القطاع الرئيسي الذي لا يملك شارون القدرة على ضبطه وفق
ما يريد، منفرداً أو بمشاركة السلطة الفلسطينية وحدها، رغم كلّ ما ارتكب من
جرائم عدوانية حتى الآن. كذلك تظهر الفعالية الأمريكية في مواصلة التنسيق
والتعاون مع الإسرائيليين، بمعزل عن الأوروبيين وسواهم، كما توحي المواقف
المتباينة غربياً إزاء القرار الصادر عن محكمة العدل الدولية حول جدار الفصل
العنصري، والتعاون الأمريكي يجري على حساب الأراضي الفلسطينية من جهة، وعلى
حساب ((خارطة الطريق)) من جهة أخرى، وهو ما يعني تلقائياً إقصاء الأوروبيين بعد
أن بات مدخلهم الرئيسي –أو هم يقولون ذلك- هو المدخل الدولي عبر مشروع ((خارطة
الطريق))!..
بالمنظور الأوروبي لا ينتظر المسؤولون في الاتحاد الأوروبي تعديلاً ما في
السياسة الأمريكية قبل انتخابات الرئاسة على أي حال، وهو ما يسري على السلطة
الفلسطينية كما يؤخذ من تصريح قريع بشأن الامتناع عن عرض مسألة الجدار على مجلس
الأمن الدولي قبل تلك الانتخابات.
إقصاء.. أم توزيع أدوار؟
بالمقابل يبدو من التحرّكات الإسرائيلية –وهذا ما لا يخفى على الأوروبيين- أنّ
شارون يريد أن يقطع على طريق ((خطّة الفصل)) من جانب واحد، أكبر شوط ممكن خلال
الشهور القليلة المقبلة، لتصبح من قبيل الواقع القائم بديلاً عن ((خارطة
الطريق)) بغضّ النظر عن نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية، أي ليصبح ((إقصاء
الأوروبيين)) أيضاً جزءاً من الواقع القائم!.. تحت هذا العنوان مثلاً كان
إلغاءُ شارون عقدَ لقاء مباشر مع اللجنة الرباعية، وهو ما أتى على الأرجح
باتفاق أمريكي-إسرائيلي، وكذلك الرفض الإسرائيلي للعرض الأوروبي بشأن المشاركة
الأمنية العسكرية بعد الانسحاب من غزة؟..
على ضوء ما سبق تبدو السياسة الأوروبية الراهنة متناقضة مع نفسها، إذ يؤكّد
الأوروبيون رسمياً تمسّكهم بخارطة الطريق وبوصف الانسحاب من غزّة خطوة أولى على
صعيد تنفيذها، ولكنّهم يدعمون من جهة أخرى، وبصورة مباشرة، بالضغوط المالية
وسواها، وبدفع السلطة في اتجاه التصوّرات الأمنية الإسرائيلية-الأمريكية..
يدعمون الخطوات المؤدّية إلى تنفيذ مشروع شارون بالشكل الذي يحرص عليه، والذي
من شأنه أن ينسف البقية الباقية من الخطّة الرباعية!..
ولكن ينبغي التساؤل: هل المطلوب فعلاً إقصاء الأوروبيين وغيرهم عن التحرّك إلى
جانب الأمريكيين؟..
أو بتعبير آخر: أليس الدور الأوروبي الراهن.. هو ما يريد الأوروبيون القيام به
في المرحلة الراهنة، ولا يريدون التعرّض لما هو أبعد منه؟..
علام يضع الأوربيون أنفسهم في موقع من يطالب الطرف الإسرائيلي بأكثر ممّا يريد
هو ويريد الأمريكيون ((تثبيته)) بلغة القوّة؟.. أم يوجد فلسطينياً وعربياً ما
يمكن أن يُغري الأوروبيّين مصلحياً بدور من هذا القبيل؟..