نشر أفراد شرطة الحكم الذاتي للتغطية على ما يجري خلف
الكواليس
القدس/مها عبد الهادي
وضعت الأحداث الدامية التي شهدتها الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية في
الآونة الأخيرة الفلسطينيين سلطة وشعباً أمام خيارات صعبة.
كانت فاتحة التطورات الأحداث الأخيرة التي شهدها قطاع غزة والخطوات اللاحقة من
قبل سلطة الحكم الذاتي لتفادي الأزمة، وصولاً إلى قرار إعادة نشر قوات الأمن
الفلسطينية في شوارع المدن بعد طول غياب.
فهذه الأحداث كشفت وبوضوح نقاط الضعف في أُسس الشرعية السياسية التي تستند
عليها المؤسسات السياسية والأمنية القائمة لسلطة الحكم الذاتي، والتي تمثلت
مظاهرها في الفساد الأمني والمالي والإداري والسياسي والتعيينات الشخصانية التي
أفقدت المؤسسات السياسية قوة شرعيتها السياسية، فأحدثت فراغاً سياسياً وتشكيكاً
في مصداقيتها وشرعيتها واستمراريتها، وهو ما يفسر تفجر الأزمة في بعدها
العسكري، ومحاولة كل تنظيم وفصيل أن يحسم أموره بقوة السلاح بعيداً عن الأطر
المؤسساتية، وهو الأمر الذي بات يعرض مؤسسات السلطة كلها للانهيار وهو ما دفع
السلطة حقيقة إلى القيام بعدة خطوات لن تقدم ولن تؤخر كما تقول قراءة الواقع
كان منها القرار بإعادة نشر قوات الشرطة الفلسطينية لضبط الأوضاع.
خطة أمنية جديدة
ففي السابع من تموز/يوليو الماضي أعادت شرطة الحكم الذاتي انتشارها في مختلف
محافظات الضفة الغربية، وذلك كخطوة أولى في خطة أمنية تستهدف أعادة ضبط الأمن
والنظام العام وتطبيق القانون كما أعلنت الحكومة الفلسطينية.
وكان مدير عام الشرطة اللواء صائب العاجز قد قدم خطة أمنية لمجلس الوزراء في
شهر تموز/يوليو تهدف إلى إعادة تطبيق القانون وضبط النظام العام. وتألفت الخطة
من عدة مراحل في مقدمتها انتشار الشرطة في المدن والتجمعات الرئيسة بهدف
((إشاعة الطمأنينة بين المواطنين)).
ويظن المتتبع للقضايا الداخلية الخاصة للشعب الفلسطيني بالضفة الغربية وغزة
ولهذه التصريحات بأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية يراد منها خدمة الشعب
الفلسطيني، وأنه بات من المهم إعادة ترتيبها وتنظيمها لتقدم خدماتها بشكل أفضل
وهو ليس أكثر من وَهم.
فحسب الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني يحق للسلطة الفلسطينية إقامة جهاز شرطة من
أجل حفظ الأمن الداخلي للشعب الفلسطيني وملاحقة ((الإرهابيين)) (المقاومين
الفلسطينيين)، ولم يرد أي نص رسمي معلن حول إنشاء أي جهاز أمني آخر. لكن سرعان
ما تكاثرت الأجهزة الأمنية الفلسطينية فأصبح هناك المخابرات والاستخبارات
والأمن الوقائي والبحرية و((القوة 17)) إلخ..، إضافة إلى عدد وفير من الأجهزة
الأمنية التي يصعب على المتتبع الإحاطة بها.
وكانت قيادة الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية قد أعلنت بأن المرحلة الأولى
من الخطة الأمنية الجديدة تستهدف تنظيم حركة المرور وضمان أمن المواطن وحماية
المؤسسات العامة والخاصة والتأكيد على قرارات المحاكم. وأشار المصدر إلى أن كل
محافظة قدمت ما لديها من أفراد شرطة للمساهمة في هذه المرحلة التي ستعتمد عليها
باقي المراحل اللاحقة.
وتجنب المصدر ذكر المزيد من التفاصيل بشأن المراحل اللاحقة من الخطة، مشيراً
إلى أن أي رفع لمستوى توقعات الناس قد يؤدي إلى نتائج عكسية في حال حدوث تطورات
سلبية!!.
وأبلغت الحكومة الفلسطينية الدولة العبرية بنيتها نشر قوات شرطة مسلحة في المدن
والتجمعات السكانية مطالبة إياها بعدم التعرض لهذه القوات أو أعاقتها، لكن
الحكومة الصهيونية التي أعلنت موافقتها على ذلك اشترطت أن يقدم لها الجانب
الفسطيني مسبقاً اسم كل رجل أمن سيحمل السلاح.
حفظ وجه السلطة
وكما قلنا فإن خطوة إعادة نشر قوات الأجهزة الأمنية الفلسطينية جاءت مباشرة بعد
سلسلة احتقانات داخل الحكومة الفلسطينية مع مؤسسة الرئاسة. وقد تم نزع فتيل
الانفجار في الأزمة السياسية الراهنة بعد موافقة عرفات على إجراء تعديلات جدية
على الحكومة، وإعطائها صلاحيات جوهرية وفقاً لأحكام القانون الأساسي الذي يعطي
الحكومة صلاحيات أمنية.
وبموجب اتفاق بين الرجلين سحب رئيس الوزراء أحمد قريع استقالته التي قدّمها عقب
الفلتان الأمني الذي شهده قطاع غزة، يوم 16 تموز/يوليو، بعد تلقيه تعهدات من
عرفات بمنح حكومته صلاحيات أمنية، وبقبول تنفيذ وثيقة للإصلاح كان المجلس
التشريعي قد أقرها قبل أكثر من عامين، بما في ذلك السيطرة الكاملة على أجهزة
الأمن الداخلي الفلسطيني التي تضم الشرطة والدفاع المدني والأمن الوقائي.
ويحتفظ عرفات بالسيطرة على جهازي الأمن الخارجي (المخابرات)، والأمن الوطني
(الجيش). وتدار الأجهزة الأمنية من قبل مجلس الأمن القومي الذي يرأسه عرفات
ويضم في عضويته قريع ووزير الداخلية وقادة الأجهزة الأمنية.
يذكر أن وثيقة الإصلاح التي أقرها المجلس التشريعي في أيار/مايو 2002، تنص على
إعادة تنظيم هيكلية قوات الأمن العام والوطني، وتحدد أن ((مهمة قوات الأمن
العام والأمن الوطني تنحصر في حماية أمن الوطن والمواطن، والممتلكات الخاصة
والعامة، والمحافظة على النظام العام وتنفيذ القانون)).
وتطالب الوثيقة ((بإصدار قانون أو نظام يستند لما ورد في القانون الأساسي
والقوانين ذات الصلة من مبادئ وأسس منظمة لعمل الأجهزة الأمنية وشروط الالتحاق
بها وتحديد صلاحياتها واختصاصاتها بشكل يمنع التداخل والازدواجية)).
وتدعو الوثيقة إلى ((تحديد مدة عمل رؤساء الأجهزة الأمنية بأربع سنوات. كذلك
تقليص عدد الأجهزة الأمنية وتوحيد الصلاحيات المتشابهة وإخضاع الأجهزة الأمنية
الفلسطينية لسلطة مدنية (وزير الداخلية) ورقابة المجلس التشريعي)).
ونصت الوثيقة على ((تشكيل لجنة الامن القومي كهيئة عليا للإشراف على المؤسسات
والأجهزة الأمنية برئاسة الرئيس ياسر عرفات)).
ودعت إلى ((منع الأجهزة الأمنية ومسؤوليها من التدخل في العمل السياسي
والإعلامي إلا وفق القانون والاختصاص المنصوص عليه)).
كما دعت إلى ((منع الأجهزة الأمنية ومسؤوليها من القيام بأية جباية مالية إلا
ما يخوّلها به القانون على أن تحوّل مباشرة لوزارة المالية... ومنع الأجهزة
الأمنية ومسؤوليها من العمل في أي مجال اقتصادي أو مدني الا ما يخولها به
القانون)).
وطالبت وثيقة الإصلاح بحظر اتصالات المؤسسة الأمنية مع الجانب الإسرائيلي ((إلا
في حدود التنسيق المتفق عليه في الاتفاقيات المبرمة وبموجب تفويض من القيادة
السياسية)).
وحسب مسؤولين في الحكومة فإن رئيس الوزراء بدأ سلسلة اتصالات مع قادة الأمن فور
خروجه من مكتب عرفات بعد ظهر الثلاثاء 27 تموز/يوليو، في مسعى لإثبات قدرة
حكومته على القيام بمهامها خاصة في مجال فرض النظام العام وتطبيق القانون، وهي
المهمة الأكثر إلحاحاً لدى الشارع الفلسطيني.
وفي ثورة التحركات أعلنت الحكومة الفلسطينة عن قرارها إعادة ضبط الأمن والنظام
العام وتطبيق القانون في جميع الأراضي الفلسطينية، وشرعت بسلسلة إجراءات
تمهيدية منها القيام بسلسلة تنقلات بين صفوف قادة الشرطة وإعداد كادر جهاز
الشرطة لاستئناف مهامه في جميع المدن.
إلا أن هذه القرارات لم تكن لتنهي الأزمة.. لأن عواملها وجذورها ستفجرها لاحقاً
بصورة أكبر. فالأزمة لم تكن أزمة حكومة وإنما أزمة نظام سياسي كامل. نظام لا
يعمل فيه سوى مؤسسة واحدة، وتعمل على أساس سياسة انتظارية محكومة بردود الأفعال
دون رؤية استراتيجية متكاملة، وباستخدام كافة السياسات والأوراق على تناقضها،
بصورة أدت إلى غموض المشهد السياسي الفلسطيني، بحيث لم يعد معروفاً ماذا يريد
الفلسطينيون بالضبط؟ وكيف سيحققون ما يريدونه؟
تخريب من الداخل
لذلك فإنه من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن الأزمة الراهنة ترتبط بمجرد إصلاح
النظام الفلسطيني السائد، لأن الجهة التي سعّرتها هي أصلاً من أهل النظام ولها
مصلحة في استمراره، فهي تستمد شرعيتها ووجودها منه، فضلاً أنها تتحمل قسطاً من
المسؤولية بحسب موقعها عن تدهور أحواله، وبالذات عن تفاقم الفساد بنوعيه
السياسي والمسلكي فيه.
وربما كانت تقف هذه الأسباب خلف تحركات لعناصر داخل حركة فتح وداخل ((كتائب
شهداء الأقصى)) في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة احتجاجاً على ما يجري، كان
آخرها قيام مقاتلين من ((كتائب شهداء الأقصى)) بإضرام النار في مقرَّي
المخابرات العامة ومحافظة جنين، فجر السبت 31 تموز/يوليو، وذلك في رسالة احتجاج
للسلطة الفلسطينية على تجاهل مطالبهم بالإصلاح.
وخلال هذه الاحتجاجات المصورة أوضح قائد كتائب الأقصى في محافظة جنين زكريا
الزبيدي أن إضرام النار في مقر المحافظة جاء لإرسال رسالة احتجاج للسلطة
الفلسطينية على تجاهلها لمطالب المقاتلين المطاردين، وأوضح أن مهاجمة مقر
المخابرات جاء إثر قيام جهاز المخابرات بتجنيد عناصر لمراقبة مقاتلي الكتائب
والمطاردين من باقي الفصائل. وقد أدت عمليات المراقبة هذه، وفق ((كتائب شهداء
الأقصى))، إلى اعتقال خمس فتيات من مخيم جنين على يد الجيش الصهيوني خلال شهر
تموز/يوليو حيث كان أفراد المخابرات يستخدمون الهاتف لنقل المعلومات مما مكن
الصهاينة الذين يتنصتون على الاتصالات الهاتفية من الحصول على تلك المعلومات.
وقال الزبيدي في تصريحات للصحفيين بأن قادة الأجهزة الأمنية ومسؤولي السلطة لا
يوصلون المعلومات والهموم والمعاناة الحقيقية للشعب الفلسطيني ومناضليه إلى
الرئيس عرفات المحاصر والمحاط بشخصيات بعضها يحيك عليه المؤامرات. وأضاف: هذه
الشخصيات لا تكتفي بالفساد والتقصير، وإنما تقوم بتعيين مندوبين لرصد تحركات
المناضلين.
ولنأخذ مشهداً آخر على ما يجري، وهذه المرة في الجانب الاقتصادي الذي أثير بشكل
واسع في العديد من المحافل، منها ما نشر خلال لقاء نظمه مركز تطوير القطاع
الخاص حول مديونية السلطة الفلسطينية وآليات إدارتها، أقيم في جامعة النجاح في
نابلس خلال شهر تموز/يوليو الماضي، وأشير فيه إلى أن إجمالي مديونية السلطة
أصبح اليوم 1875 مليون دولار، منها 555 مليون عبارة عن قروض وديون داخلية
والباقي حصلت عليه السلطة من دول ومؤسسات مالية عربية وأجنبية رغم أنها تسلمت
ملفاً نظيفاً من الديون لدى إقامتها قبل نحو عشر سنوات.
وأوضح القائمون على المؤتمر -استناداً لهذه الأرقام- أن كل فرد فلسطيني بات
يحمل على كاهله ما معدله 500 دولار مرشحة للزيادة كديون مما يضعف بصورة بالغة
فرص تحسين الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
إن ما يمكن قوله نهايةً أن الاختبار الأصعب الذي ستواجهه سلطة الحكم الذاتي هو
مع الشارع الفلسطيني المتلهف لسيادة القانون، بعد شيوع حالة غير مسبوقة من
الانفلات الأمني في التاريخ الفلسطيني الحديث مهدت لحدوث التدهور الأخير في
قطاع غزة وما حدث في الضفة الغربية، والتأكيد على أن الاكتفاء بنشر قوات أمن
فلسطينية -هدفه الأساسي يبتعد كثيراً عن مطالب الشارع وهمومه- لم ولن يأتي
بالاستقرار المطلوب وإنما سيبقى فتيلاً للانفجار.