غول الاستيطان يأكل الضفّة الغربية
من منطلق توجهاتها لجعل خطة ((فك الارتباط)) المتدرج نقطة
تحول لتعزيز الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، قررت الحكومة الإسرائيلية
بناء آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات لاستيعاب مستوطني قطاع غزة في
مستوطنات الضفة الغربية. وحسمت الحكومة الإسرائيلية الجدل حول المكان الذي
سيستقر فيه مستوطنو قطاع غزة بعد إخلائهم من هناك. وأصدر وزير الدفاع
الإسرائيلي شاؤول موفاز تعليماته إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة
الغربية بإعداد الخطط لإقامة آلاف الوحدات السكنية لهذا الغرض. وأكدت مصادر في
مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون أن الوحدات السكنية سيتم إقامتها
بشكل خاص في المستوطنات التي يتبلور حولها إجماع إسرائيلي على بقائها تحت
السيطرة الإسرائيلية في أي تسوية سياسية مستقبلية، وخصوصاً التجمع الاستيطاني
((غوش عتصيون))، الذي يقع في محيط كل من القدس وبيت لحم، ومستوطنة ((معاليه
أدوميم))، شمال شرق القدس، والتي تعد أكبر مستوطنة في الضفة الغربية، ومستوطنة
((أرئيل))، التي تليها من حيث الحجم، والتي شرعت (إسرائيل) عملياً بضمها إليها
عبر إحاطتها من ناحية الشرق بالجدار الفاصل.
ويمثّل قرار الحكومة الإسرائيلية نسفاً للتعهدات التي قدّمها رئيس الحكومة
الإسرائيلية أرييل شارون للرئيس الأمريكي بوش، حيث تعهد للإدارة الأمريكية بعدم
نقل مستوطني قطاع غزة إلى الضفة الغربية بعد تنفيذ خطة ((فك الارتباط)). وتعتبر
الحكومة الإسرائيلية أن إقامة آلاف الوحدات السكنية في الضفة الغربية هي
المرحلة الثانية في نطاق الاستعدادات التي تقوم بها الدولة العبرية من أجل
تنفيذ خطة ((فك الارتباط)). وخلال جولة قام بها في منطقة ((غوش عتصيون))، أبلغ
موفاز قادة المستوطنين هناك أن عليهم أن يستعدوا إلى ((انطلاقة هائلة)) في
المشاريع الاستيطانية في المنطقة ((كإجراء ضروري لموازنة خطة فك الارتباط)).
وحسب موفاز فإنه في المرحلة الأولى سيتم استيعاب ألف وثلاثمائة عائلة يهودية من
قطاع غزة وشمال الضفة الغربية في ((غوش عتصيون)) و((معاليه أدوميم))،
و((أرئيل)). وقد اتفق موفاز مع شاؤول جولدشتاين، رئيس مجلس المستوطنات في ((غوش
عتصيون))، على خطة لتوسيع المستوطنات في المنطقة، على أن تصدر الإدارة المدنية
التصاريح اللازمة للبناء في غضون تسعين يوماً. وقدّم جولدشتاين طلباً عاجلاً
بإقامة ثلاثة آلاف وخمسمائة وحدة سكنية في منطقة ((غوش عتصيون))، على أن يتم
إقامة ألفين وخمسمائة وحدة سكنية في مستوطنة ((نوكديم))، التي يقطنها رئيس
((حزب الاتحاد الوطني)) والوزير المُقال أفيغدور ليبرمان.
ويعكف مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية بالتنسيق مع مكتب شارون على
الشروع في تنفيذ خطة لإقامة أكبر مدينة للمستوطنين في الضفة الغربية، والتي سبق
لوزارة البناء والإسكان الإسرائيلية أن أقرتها قبل خمس سنوات. وحسب الخطة فسيتم
مصادرة عشرة آلاف دونم من أراضي الفلسطينيين، ويتم بناء سبعة آلاف وخمسمائة
وحدة سكنية في المدينة الجديدة التي سيطلق عليها ((عير جانيم)) (مدينة
الجنائن). وشدد مكتب شارون على أنه لم يضلل أحداً في توجهه لتعزيز الاستيطان
اليهودي في الضفة الغربية، حيث أكد أنه في حال تم تطبيق خطة ((فك الارتباط)) في
غزة فستتم ((تقوية الوجود اليهودي في الضفة الغربية)).
من ناحية ثانية كشفت صحيفة ((يديعوت أحرونوت)) النقاب عن أن العمل في مشاريع
البنية التحتية في مستوطنات قطاع غزة يتواصل بدون أي صلة بقرار حكومة شارون
بمصادقة الحكومة الإسرائيلية على خطة ((فك الارتباط)). وأبلغ وزير المالية
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن المصادقة على الخطة لا يعني إخلاء المستوطنات في
النهاية. وفي برنامج ((مشعال حام)) الذي عرضته القناة الثانية في التلفزيون
الإسرائيلي قال نتنياهو إنه خلال التصويت المنتظر في الحكومة قبل الشروع بتنفيذ
الخطة يمكن أن تتوفر أغلبية ضد تنفيذ الخطة!!
الضمّ
إلى ذلك شرعت (إسرائيل) عملياً في ضم ثاني أكبر مستوطنة يهودية في الضفة
الغربية لها. وبدأت سلطات الاحتلال في إقامة الجدار الفاصل للشرق من مستوطنة
((أرئيل))، التي تعتبر مدينة، وهي ثاني أكبر تجمع سكاني للمستوطنين في الضفة
الغربية بعد مستوطنة ((معاليه أدوميم))، الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة
القدس. ومهدت سلطات الاحتلال لهذه الخطوة بمصادرة أراض زراعية واسعة تعود
للمزارعين الفلسطينيين في بلدة ((سلفيت)) الفلسطينية المجاورة. ويعني إقامة
الجدار الفاصل إلى الشرق من ((أرئيل))، نقل الخط الأخضر إلى عمق عشرين كيلو
متراً في قلب الضفة الغربية.
ويعتبر الإجراء الذي أقدمت عليه سلطات الاحتلال مناقضاً تماماً للاتفاق الذي
توصل إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون مع الإدارة الأمريكية والذي
يقضي بالتوقف عن إقامة الجدار الفاصل في المنطقة. وذكرت مصادر إسرائيلية مطلعة
أن الخطوة التي أقدم عليها شارون تأتي في نطاق الاتفاق الذي توصل إليه مع وزير
المالية الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي اشترط موافقته على خطة ((فك
الارتباط))، بضم مستوطنة ((أرئيل)) إلى داخل الخط الفاصل، وضمها عملياً إلى
(إسرائيل). وتعتبر منطقة ((أرئيل)) من مناطق ((الأظافر)) التي تعني اندفاع
الجدار الفاصل إلى الشرق في عمق الضفة الغربية. ويذكر أن مستوطنة ((أرئيل)) من
المستوطنات القليلة التي يعتبر معظم قاطنيها من اليهود العلمانيين، وتعتبر
معقلاً لليكود، ورئيس بلديتها رون نحمان نائب سابق عن الحزب.
وفي تشديده على أهداف خطة ((فك الارتباط المتدرج)) في
غزة، قال وزير الدفاع الإسرائيلي إن تطبيق خطة ((فك الارتباط)) سيساعد الدولة
العبرية في تشديد قبضتها على الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية التي تمثل
ذخراً استراتيجياً لها. وخلال جولته في مستوطنات ((غوش عتصيون))، التي تحيط
بالقدس وبيت لحم قال موفاز إن تنفيذ الخطة سيساعد (إسرائيل) على الاحتفاظ بهذه
الكتل التي تساهم بشكل كبير في توفير عمق استراتيجي لـ(إسرائيل). واعتبر موفاز
أن تطبيق خطة ((فك الارتباط)) سيعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية،
فضلاً عن تحسين علاقات (إسرائيل) بالعالم. وأشار إلى ما أسماه بتوفر دلائل تؤكد
على تزايد التأييد الدولي لـ(إسرائيل) في الحلبة الدولية. ويذكر أن هناك
إجماعاً بين حزبي العمل والليكود على أن (إسرائيل) في أي تسوية سياسية مع
الفلسطينيين لن تتنازل عن ضم التجمع الاستيطاني في ((غوش عتصيون)) ومنطقة غور
الأردن.
توطين
وقد تبين أن عدداً من القيادات السياسية للمستوطنين تعكف حالياً على تنفيذ خطة
لبناء جيوب استيطانية في قلب مدينة ((بيت لحم))، على غرار الجيوب التي أقيمت
منذ العام 1967 في مدينة الخليل. فقد أعلن حنان بورات النائب السابق عن حزب
((المفدال)) الديني، والذي يعتبر الذراع السياسي للمستوطنين في الضفة الغربية
وقطاع غزة أنه يشرف على تنفيذ خطة لتوطين اليهود في مدينة بيت لحم. وحسب بورات
فإنه قد تم قطع شوط كبير في تنفيذ الخطة، التي تتم بعلم الحكومة الإسرائيلية
وسلطات الاحتلال في الضفة الغربية. وقد شرع في تنفيذ الخطة قبل عدة أشهر عندما
قام عدد من سماسرة الأراضي بشراء بناء فلسطيني كبير في محيط مسجد بلال، أو ما
يطلق عليه اليهود ((قبر راحيل))، عند الطرف الشمالي الغربي من مدينة ((بيت
لحم))، ويضم البناء مطاعم ومنجرة، أقدم أصحابها على بيعها لأن قوات الاحتلال
تمنعهم من فتحها. بدورهم قام سماسرة الأراضي ببيع البناء إلى جمعية يهودية
يتزعمها بورات، وهذا بدوره قام بتهيئتها لاستقبال عائلات يهودية للاستقرار في
محيط ((قبر راحيل)). وحسب بورات فإنه تتم حالياً محاولات لشراء عدد من العقارات
الفلسطينية في المكان من قبل السماسرة الذين يقومون بدورهم بتحويلها
للمستوطنين. وأكد بورات أنه على الرغم من أن المشروع قد بدأ متاخراً جداً عن
المشروع الاستيطاني في الخليل، إلا أنه أكد أنه ستتم مواصلة العمل في المكان من
أجل تكريس الوجود اليهودي في المدينة.
وتقضي الخطة بعدم استجلاب اليهود للسكن في المنطقة إلا بعد أن يتم الانتهاء من
بناء الجدار الفاصل في المكان والذي يعني اقتطاع منطقة قبر راحيل إلى جانب
المباني الفلسطينية التي سيطر عليها المستوطنون وضمها عملياً لـ(إسرائيل).
ويذكر أنه حسب كل الاتفاقيات التي تم توقيعها بين السلطة الفلسطينية و(إسرائيل)
بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، فإن منطقة ((قبر راحيل)) يجب أن تقع تحت
السيادة الفلسطينية. وبخلاف الجيوب الاستيطانية في الخليل أو في أي منطقة من
مناطق الضفة الغربية، فإن الذين يبدون حماساً كبيراً للاستيطان في منطقة بيت
لحم، هم أتباع التيار الديني الأرثوذكسي الذين يدينون بالولاء لحركتي ((شاس))
و((يجودات يسرائيل)). وينضم هذا المخطط الذي يتواصل تنفيذه إلى خطة أخرى وافقت
عليها الحكومة الإسرائيلية وهي إقامة أكبر مدينة للمستوطنين في الضفة الغربية.
وقد أكد قادة التجمع الاستيطاني في منطقة بيت لحم، والذي يطلق عليه ((غوش
عتصيون))، أن إقامة المدينة التي سيطلق عليه ((عير جانيم)) أو ((مدينة
الجنائن))، سيكون تطبيقاً لقرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية في العام 1967
بقيادة بنيامين نتنياهو بهذا الخصوص. وأكد قادة المستوطنون أن رئيس الورزراء
الإسرائيلي الحالي أرئيل شارون عندما كان وزيراً للبنى التحتية في حكومة
نتنياهو هو الذي دفع باتجاه إقامة المدينة الاستيطانية الأكبر. وتهدف إقامة
المدينة إلى تعزيز سيطرة (إسرائيل) على القدس، إذ إنها ستكون قريبة من المدينة،
وستعمل على منع الزحف العمراني الفلسطيني باتجاه القدس المحتلة. ويذكر أن وزير
الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز صرّح مؤخراً أن تطبيق خطة فك الارتباط في قطاع
غزة سيعني انطلاقة هائلة في المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.
زراعة للاستيلاء
وفي إطار مواصلة الحكومة الإسرائيلية إحكام سيطرتها على أراضي الضفة الغربية
وتوسيع الاستيطان وجّـه وزير الزراعة الإسرائيلي يسرائيل كاتس تعليمات بزراعة
72 ألف شجرة زيتون في محيط المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية في إطار ما
أسماه ((عملية سيطرة على الأراضي ومنع نقلها إلى الفلسطينيين))، فيما تستعد
((دائرة أراضي إسرائيل)) لتسويق 1815 قطعة أرض من أجل بناء وحدات استيطانية
جديدة عليها في عدد من المستوطنات حتى نهاية 2004.
وذكرت مصادر إسرائيلية مطلعة أن وزارة الزراعة ستبدأ قريباً بالتعاون مع قسم
الاستيطان في الوكالة اليهودية بزراعة مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية في
محيط المستوطنات اليهودية القائمة بآلاف أشجار الزيتون يسمح ((لليهود فقط
بزراعتها ورعايتها وقطف ثمارها)).
ونُقل عن كاتس أن ((هذه عملية سيطرة على الأراضي ومنع نقلها لفلسطينيين))،
وأشارت المصادر إلى أن وزارة الزراعة الإسرائيلية ستقدّم ((حوافز اقتصادية))
لكل من يزرع ومن يعتني بالحقول التي ستزرع. وتحتل المستوطنات اليهودية القائمة
ما نسبته واحد في المئة من أراضي الضفة الغربية، إلا أن مساحة الأراضي التي
يحرم الفلسطينيون من الاقتراب منها تقدر بمئات آلاف الدونمات.
وبالتوازي كشفت صحيفة ((هآرتس)) العبرية عن خطة لتوسيع الاستيطان اليهودي حتى
نهاية العام الجاري، تقضي ببناء وحدات سكنية استيطانية على 1815 قطعة أرض سيبدأ
تسويقها في الفترة المقبلة، وأشارت الصحيفة إلى أن معظم هذه الوحدات ستقام في
مستوطنات ((هارحوما)) المقامة على جبل أبو غنيم ومستوطنة ((جيلو)).