بيت حانون
الصمود تغلّب على الكارثة
غزة/دعاء عمار
واحة خضراء، كانت تسمّى جنّة القطاع وتعتبر سلّته الغذائية، فأطيب الثمار تأتي
من المنطقة الشمالية لقطاع غزّة وأهمها بلدة بيت حانون. معظم سكانها لاجئون،
وبالنسبة لهم فإن للأرض أهمية كبرى، فهي مصدر الرزق والغذاء وكذلك مصدر الثبات
والصمود. كيف لا وقد ضربت جذورهم عميقاً في الأرض بعمق جذور أشجار الزيتون
العتيقة. وعلى مدى السنوات الماضية، وفي انتفاضة الأقصى تحديداً تعرضت بيت
حانون لعشرات الاجتياحات كان نتيجتها تجريف ما يزيد على ثلاثة آلاف دونم من
الأرض الزراعية.
وفي الاجتياح الأخير الذي ابتدأ أواخر حزيران/يونيو الماضي واستمر سبعة وثلاثين
يوماً تعرضت فيها مئات الدونمات الزراعية للتجريف والتخريب، حتى إن الداخل لبيت
حانون لم يعد يلفت انتباهه كثافة الشجر المعهودة فيها بقدر ما يلفت انتباهه
المساحات الواسعة المجروفة والجذوع اليابسة، والأغرب من هذا وذاك هو عدم وجود
الشجر المجرف وكأنه انسحب أيضاً مع الانسحاب المفاجئ لقوات الاحتلال من
المدينة.
أسرة أم رمزي نموذج لمئات الأسر في بلدة بيت حانون، حيث استشهد ابنها حامد أبو
عودة وهو يدافع عن البلدة في تاريخ 8/7، وعن لحظات سماعها خبر استشهاده تقول
((تفاجأت عندما سمعت الخبر لأنه قبل ساعات قليلة كلمني وطمأنني عليه، وما صبرني
بعد استشهاده أن أخيه اتصل من الخارج وأخبرني أنه رآه على التلفزيون، وقال إنه
بدا وكأنه نائم وليس ميتاً والنور يشع من وجهه)). وتضيف أم رمزي التي يقع
منزلها في منطقة السكة أكثر المناطق تضرراً من الاجتياح ((بقينا ثلاثة أيام في
المنزل دون التمكن من الخروج لدفن الشهداء، وبعد تلك الأيام الثلاثة سمح لنا
الجنود بالخروج مدة ساعة فقط لدفنهم، وعند الدفن ألهمنا الله تعالى الثبات فصرت
أردد الأدعية والأناشيد وزغردت له)). رغم ما يحمله الفراق من ألم خاصة في
مفارقة الأم ولدها، إلا أن أم رمزي تقول ((تجريف الأرض ربما أصعب علي من
استشهاد حامد، فحامد شهيد، أما هذه الأرض فنحن نزرعها ونهتم بها من ثلاثين
عاماً، ونأكل من ثمرها)).
وخلال اجتياح بيت حانون استشهد عشرون فلسطينياً إضافة لإصابة أكثر من مئة
آخرين، كما وتعرضت البلدة لخسارة كبيرة، حيث بلغ التقدير المبدئي للأضرار حسب
بلدية بيت حانون أكثر من 34 مليون دولار، واحترقت معظم الأراضي ولم يتبق إلا
10% فقط من الأراضي الزراعية، إضافة إلى تخريب عدد كبير من الآبار الجوفية التي
تعتمد عليها المنطقة، وتجريف ما يزيد عن ثلاثة آلاف دونم من أشجار الحمضيات.
إبراهيم شبات من سكان البلدة يقول ((لن أرتاح حتى أزرع في الأرض جنة أو أموت
فيها)). وأضاف ((رغم ما كان بسبب هذا العدوان من شهداء ودماء فإننا في بيت
حانون صامدون وسنظل نقاتل رغم حجم الدمار والخراب الذي أحدثته قوات الاحتلال)).
أم محمد وصفت ما فعله الجنود بمنزلها فقالت ((من شدة خوفهم حبسونا في غرفة
واحدة أنا وأبنائي جميعاً وأغلقوا علينا الباب من الخارج، ولم يسمحوا لأحد
بالتحرك حتى للذهاب إلى دورة المياه. وضعوا جميع محتويات المطبخ من طناجر وصحون
وكؤوس وحتى فناجين القهوة على درج المنزل وأطفأوا جميع الأنوار ورشوا في الأرض
مادة فوسفورية تمكنهم من الرؤية، والغرض من وضع كل تلك الأدوات على الدرج حتى
يسمعوا أي حركة إن قام أحد المقاومين بدخول المكان عليهم)).
ولم تشهد بيت حانون عمليات التجريف والتخريب فقط بل شهدت مواقف بطولية كثيرة
رغم ما تعرض له العديد من السكان لحوادث مأساوية بسبب صعوبة وصول سيارات
الإسعاف وعدم وجود مستشفى مجهز في البلدة، فالشهيد ناهض أبو عودة يقول عنه أبو
رمزي ((لقد كان قائداً بحق، فقد تصدى لعدد كبير من القوات الخاصة، وقتل منهم
بمفرده حوالي ثمانية إلى أن تمكنت قوات الاحتلال من نصب كمين له مع عدد آخر من
زملائه)).
وبمناسبة الكمائن تحكي غالية شقيقة الشهيدة جميلة حمد كيفية استشهاد شقيقتها
واستشهاد حامد أبو عودة فتقول ((لم يكن جنود الاحتلال يظهرون كثيراً فغالباً ما
كانوا يختبئون خلف سواتر يضعونها على أسطح المنازل أو خلف الشبابيك، بحيث لا
يشعر أحد أن في ذلك المنزل أحد وبتلك الطريقة أصيب عدد كبير من الناس، واستشهد
حامد أبو عودة على مدخل منزلنا فَعَلا صراخ الأطفال وحضرت أم زياد ((جميلة))،
وحاولت سحب الشهيد إلى الداخل، لكن أحد الجنود أطلق النار عليها من منزل مجاور،
واستشهدت بعد ذلك في المستشفى)).