فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Oct2004
PDF نسخة
درب الانتفاضة
نحو فهم أعمق
قرن من المقاومة
أهم عمليات
محطات الانتفاضة
الأجنحة العسكرية
عائلات فلسطين
نساء الانتفاضة
المقاومة تضرب
الإرهاب الصهيوني
النشطاء الأجانب
حماية الانتفاضة
السلطة والانتفاضة
المجتمع الصهيوني
الاقتصاد الصهيوني
قادة العدو
العنف الصهيوني
مقابلة مع خبير
الجدار الفاصل
الشيخ رائد صلاح
رأي - منير شفيق
مقابلة سياسية
شهادات عربية
العرب والانتفاضة
أوروبا والانتفاضة
الثقافة والانتفاضة
خالد مشعل
لوحة فنية
لوحة فنية
لوحة فنية
لوحة فنية

 

المقاومة الفلسطينية تتجاوز الاستهدافات
وتضرب الاحتلال بمختلف الوسائل


تقف فصائل المقاومة الفلسطينية اليوم، وبعد أربعة أعوام من انتفاضة الأقصى المبارك، أمام أكبر تحد يواجه تشكيلاتها العسكرية، ما بين الحفاظ على البنية الأساسية وقوتها الضاربة، وبين مواصلة الجهاد والمقاومة كخيار استراتيجي لا مفر منة لمشاغلة العدو الصهيوني وتحقيق التوازن الضمني مع ترسانته العسكرية المعتدية، لكفّ عدوانها عن أبناء شعبنا فى فلسطين المحتلة.
صحيح أن هذة التشكيلات تخطت عدة مراحل فى الأعوام الأربعة الماضية، ولقنت الاحتلال دروساً موجعة مستفيدة من الحالة الشعبية العامة التي التفت بكافة فئاتها الاجتماعية والاقتصادية وانتماءاتها السياسية حول المقاومة والعمل الفدائي، فكانت الخلايا والمجموعات العسكرية تتشكل بجاهزية عالية دون جهد كبير من تلك الفصائل ودون عبء بالضربات والهجمات الصهيونية أو التضحيات نتيجة لذلك.
حتى لو لم تنفذ الحكومة الإسرائيلية خطة فك الارتباط أحادي الجانب، فإن إعلان شارون، الذي يعتبر أبا الاستيطان، عن استعداده لإزالة المستوطنات يعتبر انتصاراً كبيراً وتاريخياً للمقاومة الفلسطينية، ويكتسب هذا الإنجاز أهميته كونه يشكل العنوان الرئيس لأي استراتيجية لشعب محتل يريد التخلص من محتليه من جانب، ولما تمثله المستوطنات في قطاع غزة من كابوس قاتل من حيث مصادر المياه والثروة الزراعية والاقتصادية في الجانب الآخر. وبلغت هستيريا الخوف من العمليات الاستشهادية داخل المجتمع الصهيوني، ألا تكتفي حكومة أرييل شارون بتشغيل ألف حارس أمني للتدقيق وفحص ركاب الحافلات، بل وتحويل ملايين الدولارات إلى وزارة الأمن الداخلي وذلك من أجل تزويد الحافلات بأجهزة إنذار خاصة يمكنها اكتشاف منفذي عمليات استشهادية محتملين.
ولكن، هذه الإنجازات لها وجه آخر يجب أن نتطرق إليه بشيء من الموضوعية، ألا وهو فاعلية ومدى نجاح الآلة العسكرية وأجهزة الأمن الصهيونية المختلفة في كسر شوكة المقاومة الفلسطينية، وإن كانت الإحصاءات والأرقام لا تقرر مدى هذا النجاح، ذلك أن الأمر أيضاً يرتبط باستراتيجية وخطط المقاومة نفسها من حيث اختيار فترات للتصعيد وأخرى للسكون والانشغال فى إعادة بناء الخلايا والبنية التحتية ومجموعات الإسناد وغيرها من عمليات الدعم اللوجستي. ومع ذلك، ننقل ملخص تقرير لجهاز المخابرات الداخلية (الشاباك) يشير إلى انخفاض بمعدل النصف لعدد الصهاينة الذين قتلوا جراء العمليات الفدائية عام 2003، حيث قتل (213) خلال 3838 عملية فى مقابل (451) صهيونياً قتلوا عام 2002 فى 5301 عملية. وخلال الشهور التسعة الأولى من عام 2004، فقد أظهرت الإحصاءات الصهيونية أن (91) صهيونياً قد قتلوا جراء العمليات الفدائية المختلفة. ومع أن التقارير الصهيونية تقول بأن معدل العمليات المنفذة قد انخفض إلى 30%، إلا أنها في نفس الوقت تعترف باستمرار بل وارتفاع عدد (الإنذارات) التي ترد أجهزة الأمن والشرطة والاستخبارات حول نيّة ومحاولة فصائل المقاومة الفلسطينية إخراج عمليات كبيرة إلى حيز التنفيذ، بمعدل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف فى الفترة الزمنية ذاتها، عندما وصل معدلها اليومي إلى (40) إنذاراً. وفي نفس السياق، تشير إحصاءات وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن معدل العمليات التي تنجح القوات الصهيونية في إحباطها يوازي ما تم إحباطة في عامي 2002/2003.

العمليات الفدائية خلال انتفاضة الأقصى
المنطقة                   عدد العمليات            النسبة المئوية
الضفة الغربية                8741                          39%
قطاع غزة                     12776                        57%
فلسطين 1948              889                           4%
المجموع الكلي             22406                        100%
المصدر: وزارة الخارجية الإسرائيلية

ويعتبر المعلق العسكري في صحيفة ((يديعوت أحرونوت)) العبرية أليكس فيشمان أن انخفاض معدل العمليات خلال عام 2004 ((لا يعنى أننا انتصرنا أو أن الإرهاب الفلسطيني على وشك الانتهاء))، موضحاً أن تضاعف عدد الإنذارات يعني أن ((جيلاً من الإرهابيين يخلق وينمو فوراً بدلاً من الجيل الذي تم القضاء عليه ويخلفه في الميدان، والجيل الجديد ليس أقل عنفاً)). ويلمح فيشمان بأن الانخفاض في عدد العمليات وما يترتب عليها من قتلى في صفوف الإسرائيليين يعود إلى فترات السكون والهدوء التي تلتزم بها فصائل المقاومة الفلسطينية وبخاصة كتائب الشهيد عزالدين القسام. وينقل فيشمان عن ضابط إسرائيلي كبير فى هذا الصدد: ((لقد نجحنا في تصفية كل الخلايا وبقيت أمامنا خلية واحدة فقط فيها 3.5 مليون فلسطيني)).

لعبة شطرنج عسكرية
يؤكد عدد من المسؤولين والقادة العسكريين الإسرائيليين أن استمرار احتلال أجزاء من الضفة الغربية وتنفيذ اجتياحات مناطق معينة فيها والعمليات الهجومية التي تتعرض لها المخيمات والمناطق في قطاع غزة سواء عبر صواريخ طائرات الأباتشي أو قذائف الدبابات، تأتي لمنع تكرار صورة (الجيش المهزوم) التي رافقت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. ولكن إفادات كبار الضباط الصهاينة الذين تحدثوا عن الأساليب المبتكرة والمتغيرة دوماً من جانب المقاومة في مواجهة الجيش الصهيوني، الذي ما إن يغير تكتيكاته حتى يواجه بأساليب مقاومة جديدة في ((لعبة شطرنج عسكرية مع العدو)) لا تنتهي، أظهرت التوتر وفقدان الأمن لدى المجتمع الصهيوني من جهة، وصعوبة الوضع الذي يواجهه الجيش من جهة ثانية، حتى أن وسائل الإعلام نقلت عن اللواء احتياط غادي شمني قائد القوات الإسرائيلية في قطاع غزة قوله أن العام الماضي مضى وكأنه ((عامان: سنة في النهار وأخرى في الليل)).
وقد أظهرت التقارير الصادرة عن الجهات الصهيونية حول خسائر الكيان الصهيوني البشرية خلال انتفاضة الأقصى تبايناً كبيراً في الأرقام ما يعكس حالة التخبط والارتباك التي يعيشها الكيان الصهيوني جرّاء ضربات المقاومة الفلسطينية المتعاقبة وفي التعامل مع هذا الواقع الذي يعيشه.
التباين لم يقتصر على المؤسسات المدنية والإحصائية بل امتد إلى المؤسسة العسكرية الصهيونية التي تشهد حالة من الاختلال حول أعداد القتلى في صفوفها. فرئيس المخابرات العامة الصهيونية ((الشاباك)) آفي ديختر قال إن ((992 شخصاً من الصهاينة قتلوا في المواجهات))، فيما قال وزير الدفاع شاؤول موفاز في المؤتمر نفسه إن ((عدد القتلى وصل إلى 989 صهيونياً منذ بدء الانتفاضة)).
المفاجأة الكبرى كانت فيما كشفه رئيس مجلس المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة بنتسي ليبرمان أن 1303 صهيونياً قتلوا منذ بدء ((انتفاضة الأقصى)) الفلسطينية المستمرة منذ التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر وحتى الآن، وليس كما ذكر رئيس جهاز ((الشاباك)) حيث قال إن ((نحو 992 صهيونياً فقط قتلوا بنيران الفلسطينيين منذ بدء الانتفاضة)).
ونقلت صحيفة ((معاريف)) العبرية عن ليبرمان قوله ((ما حصلنا عليه (من دعوات اليسار لتقسيم الأراضي من أجل جلب الأمن والسلام) هو الإرهاب (المقاومة الفلسطينية) المنفلت من عقاله بصورة لم يسبق لها مثيل حاصداً حتى الآن أرواح 1303 ضحية))، على حد تعبيره مؤكده أن المقاومة التي وصفها بالإرهاب هي التي انتصرت، وأضاف: ((ذات صباح سننهض ونخرب عشرات المستوطنات في ((يشع)) ونقوم بترحيل عشرات آلاف الأطفال والشيوخ اليهود ونهرب للاختباء وراء جدار إلكتروني، وطوال مسيرة طريق الهروب سنبتهل لله أن يفهم العدو أننا هربنا.. لأننا انتصرنا)).
وقال: ((هذه العبادة والابتهال طبعاً غير مجدية من أصحاب الآنية الظرفية الذين تعبوا في منتصف الطريق ويسعون لجر شعب مرهق ومتعب من ورائهم، لأن قيادته لم توجه له رسالة قوة وتمسك واضح بالهدف)).
من جانبها أوضحت المعطيات المتوفرة لدى وزارة الخارجية الصهيونية أن 1007 صهيونيا قتلوا منذ بدء الانتفاضة فيما تشير معطيات شرطة الكيان الصهيوني إلى 999 قتلى، في حين تشير معطيات مركز المعلومات الصهيوني ((بتسيلم)) تشير إلى سقوط 1028 قتيلاً.
وانضمت الصحافة الصهيونية الى خضم هذا التباين حيث قالت صحيفة ((هآرتس)) إنه قتل 1035 صهيونياً منذ بدء الانتفاضة الحالية في أيلول/سبتمبر 2000.
هذا التباين الكبير في الأرقام والمعطيات الصهيونية دفع بمسؤول كبير في الخارجية الصهيونية أن يقول ويعترف بأنه ((لا يمكن الاتفاق على عدد واحد حول معطى أساسي كهذا)).
إن عدد الجنود الصهاينة في مدينة القدس من قوات حرس الحدود أو الشرطة العسكرية ومن مختلف التشكيلات الأمنية والعسكرية أكثر من عدد المارة في الشوارع. فحين تسير في حواري القدس القديمة وتخرج إلى شارع يافا وتجوب البلدة القديمة وتصعد إلى القدس الكبيرة، تجد جندياً في كل متر، ولكن هيهات أن يجلب ذلك الأمن. إذ إن تركيز العمل الجهادي في القدس هو استراتيجية ثابتة لدى المقاومة وبخاصة ((كتائب الشهيد عز الدين القسام))، صاحبة الحظ الوفير من العمليات التي وقعت في القدس، وهذا يعطي رسالة للصهاينة أن تهويد القدس لا بد أن يكون باهظ الثمن. ففي عام 2004، نفذت ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) عمليتين استشهاديتين في المدينة، الأولى في 29 كانون الثاني/يناير واستهدفت حافلة قرب منزل شارون رداً على مجزرة رفح وأوقعت 11 قتيلاً؛ والثانية يوم 22 شباط/فبراير قرب مركز المدينة وأوقعت ثمانية قتلى.
وبهاتين العمليتين تكون القدس هي الهدف الأول للاستشهاديين، إذ تقول الإحصائيات أن 29 استشهادياً فجّروا أحزمة ناسفة في أماكن عدة بالمدينة فقتلوا 206 صهاينة. وتجيء مدينة تل الربيع (تل أبيب) في المرتبة الثانية ووقعت فيها 9 عمليات أدت إلى مصرع 83 صهيونياً ثم حيفا في المرتبة الثالثة إذ شهدت 5 عمليات قتل فيها 69 صهيونياً، تلتها أم خالد (نتانيا) وقتل فيها 42 صهيونياً.
ولولا التنسيق الأمني الذي استأنف بفاعلية بعد عمليتي القدس الاستشهاديتين بين سلطة الحكم الذاتي وسلطات الاحتلال والذي نتج عنه اعتقال الخلية المسؤولة وتسليم جهاز الأمن الوقائي في مدينة بيت لحم كميات كبيرة من المتفجرات عثرت عليها في ورشة لتصنيع المتفجرات، لكانت ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) قد أخرجت العديد من العمليات الاستشهادية في القدس هذا العام. وتبين أيضاً أن الخلية خططت لتنفيذ عملية خطف حافلتين إسرائيليتين بهدف استبدال ركابهما بأسرى ومعتقلين في سجون الاحتلال من ذوي الأحكام العالية.

كتائب القسام: منجزات مهمّة
ضربة تلو أخرى، لا تقلّ الواحدة عن سابقتها من حيث الشدة والألم، تلقتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وجناحها العسكري ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) خلال عامي 2003 و2004، بدأ باستشهاد الدكتور إبراهيم المقادمة فالمهندس إسماعيل أبو شنب ومحاولة اغتيال الدكتور محمود الزهار وإسماعيل هنية وغيرهم من القادة والكوادر السياسية والتنظيمية ثم فقدان أكبر زعيمين للحركة في أقل من شهر. وكل ذلك وضع حركة حماس أمام الامتحان الصعب على مستوى ترتيب الوضع الداخلي وعلى مستوى إدارة الصراع مع الاحتلال. وفي الجانب العسكري، تعرضت الكتائب القسامية لعمليات اغتيال متواصلة باعتبار أنها في دائرة الاستهداف المركّز منذ أكثر من سنة ونصف، وأنها ((العدو الأساسي الذي يجب أن نحاربه)) كما قال موشيه يعلون رئيس أركان الجيش الصهيوني. وطالت يد الاغتيال الصهيونية مجموعة من القادة الأساسيين والميدانيين مثل سهيل أبو نحل وسعد العرابيد في غزة ثم عبد الله القواسمي في الخليل ومحمد الحنبلي في نابلس، وكادت أن تصل إلى الأسطورة إبراهيم حامد في رام الله، ولكنه تمكن من النجاة رغم نسف قوات الاحتلال المبنى الذي كان يتحصن فيه.
كانت حماس أمام مفترق طرق صعب وخيارات أصعب، إما أن تقرر مواصلة حربها مع الاحتلال بشكل أعنف كما كان في السابق، وهذا يعني أن الاحتلال هو الآخر سيصعّد من عدوانه، وإما أن تتريّث وتحافظ على قواها لقناعتها باستمرار نهج المقاومة وليس عمليات رد انتقامية.
وفي صراع مع الزمن لإثبات سرعة تكيّفها وقدرتها على تجاوز المِحن والضربات المتلاحقة، نهضت ((كتائب الشهيد عز الدين القسام))، رغم خسارة القادة الميدانيين خالد أبو حمد في نابلس أسيراً وعبد السلام أبو موسى شهيداً في خان يونس وعبد الناصر أبو شوقة في البريج والمهندس صالح التلاحمة وحسنين رمانة تحت أنقاض بناية الكسواني في رام الله، إلا أن المجاهدين نجحوا في نصب كمين لدورية عسكرية في عين يبرد واستولوا على أسلحة الجنود القتلى قبل أن ينسحبوا بسلام. وفي مستوطنة ((نتساريم))، اخترق أحد الاستشهاديين الموقع العسكري وصرع ثلاثة جنود قبل أن يرتقي للعلا شهيداً في عملية نوعية هزّت أركان الجيش الصهيوني. كما تعدّ العملية الاستشهادية التي نفّذتها ريم الرياشي، أول استشهادية لكتائب القسام وأول استشهادية تخرج من قطاع غزة، قمّة التخطيط العسكري ليس بما أحدثته من خسائر وإنما للحيلة التي استخدمتها الاستشهادية للوصول إلى مركز جنود الاحتلال في المعبر العسكري.
ومع أن هاني أبو سخيلة الشهير بالزعيم الذي خطط وأشرف على تنفيذ العملية الاستشهادية لريم الرياشي قضى شهيداً خلال تصديه للاجتياح الصهيوني، إلا أن رفاقه في ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) استطاعوا أن يخترقوا العمق الصهيوني بوصول استشهاديين إلى ميناء أسدود، الموقع الاستراتيجي الرئيسي، بتخطيط محكم فاجأ الأجهزة الأمنية الصهيونية وأظهر الإخفاقات الكثيرة في نظام الأمن للمواقع الحساسة. وقد عثرت سلطات الاحتلال على مخبأ داخل حاوية شحنت إلى الميناء من معبر المنطار بقطاع غزة صدفة عندما كان عمال الميناء يقومون بتجهيزها للشحن إلى حيفا.
الحرب القسامية ضد العدو الصهيوني خلال عام 2004 كانت ضارية ودموية، ومع كل جريمة اغتيال يقوم القساميون بتنفيذ الرد في المكان والزمان المناسبين وفق الخطة المعدة مسبقاً. فتم استهداف حاجز ((إيريز)) ثلاث مرات، وفي كل مرة بتقنية وأسلوب جديدين. وحتى في مواجهة الاجتياحات الصهيونية، لقنت كتائب القسام العدو دروساً قاسية في الاشتباكات وتفجير الدبابات والآليات المجنزرة، ولعل ما حدث في حي الزيتون في شهر أيار/مايو أبلغ دليل على ذلك حيث اضطرت الحكومة الصهيونية بمناشدة الصليب الأحمر الدولي للتدخل في إعادة أشلاء جثث جنودها الستة بعد أن استدرجت كتائب القسام ناقلة جنود مدرعة ودمّرتها بصاروخ بتار وعبوات ناسفة زرعتها في الطريق الذي سلكته المدرعة. وتكرر الأمر نفسه في صيد أربعة جنود فوق سطح بناية في منطقة محور ((صلاح الدين)) برفح حيث قتل اثنان وأصيب آخران، ووثقت هذه العملية التي جرت بعد يومين من عملية حي الزيتون بتصوير فيديو بثته وسائل الإعلام.
الصياد الصهيوني تحوّل إلى فريسة سهلة في شباك المقاومة، وحققت ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) ما اعتبر الإنجاز الأول من نوعه على صعيد تدمير المواقع العسكرية، وكانت الرسالة الأقوى التي تضمنتها عملية حفر نفق بطول نحو أربعمائة متر أسفل الموقع العسكري عند مفترق أبو هولي المعروف باسم (موقع محفوظة) هي نوعيتها التي أصابت الجيش والعدو الصهيوني في مقتل، ورسمت على وجوه القادة الصهاينة في المؤسستين السياسية والعسكرية ملامح الصدمة والذهول وعدم القدرة على تفسير ما حدث. وهو ما يفسر تدخل مكتب رئيس الوزراء الصهيوني نفسه من أجل التحكم في نتائج هذه العملية وتحديد المسموح منها للنشر. والواضح من الصور التي وزعت أن النفق كان غير عادي وكان مجهز بشبكة كهربائية ومتين بما يكفي، وارتفاعه يمكن الأفراد من التحرك بحرية لزرع أي كمية من المتفجرات.
ولم يكد يمضي سوى ساعات قليلة على سقوط سبعة جنود قتلى في عملية موقع محفوظة إلى ما يزيد عن ثلاثين جريحاً، حتى أعلن العدو عن سقوط قتيلين آخرين في مستوطنة ((سديروت)) نتيجة استهدافها بصواريخ القسام. وكادت هذه الصواريخ أن تصيب أرييل شارون وبعض قادته العسكريين الذي انتقلوا إلى المستوطنة في محاولة لرفع معنويات سكانها، حين سقطت وجبة أخرى على بُعد ما بين 150 و200 متر من مكان اجتماع رئيس الوزراء الصهيوني. وعلى الرغم من استمرار توغل قوات الاحتلال في بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا بذريعة منع إطلاق قذائف الهاون والصواريخ، إلا أن كتائب القسام استمرت في تنفيذ هجماتها الصاروخية على مختلف المستوطنات الصهيونية حيث تشير الإحصاءات والمصادر العبرية أن أكثر من 300 صاروخ تم إطلاقها منذ عام 2001.
بدا واضحاً للعيان أن تحسينات أدخلت على القذائف الصاروخية مكنتها من إصابة أهدافها بدقة بالمقارنة مع الفترات السابقة، وهو ما أقرت به وأعلنته الجهات الأمنية والعسكرية الصهيونية، وسجل هذا العام سقوط ثلاثة قتلى وستة عشر جريحاً نتيجة عمليات القصف التي نفذتها كتائب القسام.
ولهذا حذرت مصادر أمنية صهيونية من محاولات حركة حماس المستمرة إنتاج وتطوير صواريخ القسام في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن المسألة مسألة وقت فقط قبل أن تمتلك كتائب عز الدين القسام مثل هذه الصواريخ في الضفة. وجاءت هذه التحذيرات بعد المزاعم عن كشف جهاز المخابرات ((الشاباك)) عن اعتقال خلية في منطقة رام الله كانت على وشك تصنيع صواريخ القسام وقذائف الهاون. واعتبر العدو هذه المحاولة تصعيداً ملحوظاً يثير القلق، حيث نشرت صحيفة ((معاريف)) في ملحقها الأسبوعي تقريراً يتناول صواريخ القسام ووصولها إلى مرحلة توازن القوى، ومما جاء في التقرير: ((بعد دخول مستوطنة حفات شكيم في عسقلان لمرمى قذائف الهاون فإن حماس تنتقل إلى مرحلة أخرى في بناء الذراع الاستراتيجية لها، والهدف مدن غوش دان. والتهديد يكمن فيما لو بدأت (إسرائيل) بالعمل ضد حماس فإن مئات صواريخ القسام ستنطلق في لحظة واحدة ومن عشرات الأمكنة إلى عدد كبير من المستوطنات مما سيتسبب بهزة أرضية وهذا ما تعتقده الأجهزة الأمنية، فمن المعلوم أن الدراسات الاستخبارية تفيد أن حماس أصبحت قريبة جداً من التوصل إلى مدى بعيد في مراحل تطويرها لصواريخ القسام)).
أما في الضفة الغربية، فإن ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) عانت شديداً من استمرار احتلال المدن والاعتقالات المتواصلة إلى جانب الضربات المركزة التي طالت في البداية قيادة المنطقة الوسطى وفقدت حماس ثلاثة من خيرة كوادرها في منطقة رام الله ثم القائد مازن محمود ياسين، مهندس العبوات الموجهة ورفيق الشهيد يحيى عياش بعد مسيرة حافلة بالعطاء ومطاردة طويلة استمرت لأكثر من خمسة أعوام. ولكن مثلما حدث في مرات سابقة، فإن جولة جديدة بين القساميين والعدو الصهيوني قد بدأت بعد إعادة ترميم وتنشيط الخلايا في منطقتي رام الله والخليل. وهذا الأمر تجسد في عملية تفجير العبوة الناسفة في محطة الحافلات بمدينة تل الربيع (تل أبيب) في 11 تموز/يوليو أسفر عن مقتل مجندة وإصابة أربعين آخرين، في حين ضربت خلايا كتائب القسام في جنوب الضفة الغربية بقيادة عماد القواسمي مدينة بئر السبع بعملية استشهادية مزدوجة فاجأت كافة الأوساط والمحللين بقوتها وبما أوقعته من خسائر تعدت 16 قتيلاً و85 جريحاً. وقد اعتبرت سلطات الاحتلال هذه العملية الأقوى والأكبر من نوعها التي تهز قلب العدو منذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي.

سرايا القدس: تحدي الاغتيالات
أصابت العملية الاستشهادية التي نفذتها هنادي جرادات في مطعم مكسيم بمدينة حيفا وأوقعت (21) قتيلاً وعشرات الجرحى المؤسسة الأمنية الصهيونية بالذهول، فأخذت تتخبط جرّاء الصفعة الموجعة، فاجتاحت جنين ومخيمها من جديد في محاولة لتفكيك البنية الأساسية لسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي التي تبنت العملية وأخرجتها إلى حيز التنفيذ. واستمرت هذه الهجمة الإرهابية بشكل جنوني حتى تمكنت قوات الاحتلال من اعتقال قائدي السرايا أمجد عبيدي وسامي جرادات اللذين كانا يخططان لأربع عمليات أخرى. وقد أصدرت المحكمة العسكرية الصهيونية على الأول حكماً بالسجن المؤبد 23 مرة والثاني 21 مرة. ولم تكن سرايا القدس لتفيق من هذه الضربة حتى تمكن العدو من اعتقال أحمد بسيس قائدها في مدينة نابلس وشمال الضفة الغربية، وتبعه اعتقال شريف طحاينة المطارد منذ اندلاع الانتفاضة.
هذه الاعتقالات وغيرها نالت من مقدرة حركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، بحيث لم تتمكن سرايا القدس رغم كل المحاولات المستمرة لإخراج عمليات استشهادية كبيرة، فعوضته الحركة عبر العمليات البطولية انطلاقاً من قطاع غزة. ومع أن سرايا القدس في قطاع غزة نالت نصيبها هي الأخرى من الحملة العسكرية الصهيونية، ففقدت القادة محمود جودة و ياسر أبو العيش وعزيز الشامي اغتيالاً، إلا أن مجاهدي سرايا القدس تمكنوا من تنفيذ عدة عمليات نوعية وجريئة، من أبرزها الهجوم الاستشهادي الكبير الذي نفذته بالتعاون مع كتائب القسام وكتائب شهداء الأقصى ضد حاجز ((إيريز)) واستخدمت فيه نصف طن من المتفجرات، وتولت وحدة التصنيع والهندسة في السرايا تصميم وتجهيز جيبات عسكرية وذلك بعد دراسة نظرية وعملية لهيكلية الجيبات العسكرية الصهيونية التي جرى تصفيح إحداها ضد الرصاص، وهو الجيب الذي نقل الوحدة الخاصة المكونة من أربعة مجاهدين إلى داخل الموقع الصهيوني.
وفي عملية مشتركة مع ألوية الناصر صلاح الدين الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية، تمكن استشهاديان من نصب كمين لدوريات الاحتلال ومستوطنيه على طريق ((كيسوفيم)) أسفر عن مقتل خمسة إسرائيليين وإصابة عدد آخر. ولم يكن الكيان الصهيوني يستفيق من الضربة الموجعة والقوية التي تلقتها قواته على أيدي أبناء القسام في حي الزيتون بمدينة غزة حتى ضربت سرايا القدس من جديد وبالطريقة نفسها في مدينة رفح فقتلت خمسة جنود صهاينة قرب الشريط الحدودي مع مصر.

كتائب شهداء الأقصى: ضربات موجعة
تقف كتائب شهداء الأقصى اليوم وبعد أربعة أعوام من انتفاضة الأقصى أمام أكبر معضلة تواجهها منذ تاريخ الإعلان عنها كجناح عسكري لحركة فتح، أي ما بين الحفاظ على جسم السلطة الفلسطينية التي تشكل جزءاً رئيساً منه، ومواصلة الكفاح المسلح كخيار لا مفر منه في ضوء فشل تجربة سلطة الحكم الذاتي في تحقيق الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
ولم تكن العقبة الوحيدة التي واجهت كتائب شهداء الأقصى في العام الرابع من انتفاضة الأقصى المبارك، إذ إن الجناح عسكري لحركة فتح، أسوة بما تعرضت له التشكيلات العسكرية لحركت حماس والجهاد الإسلامي، نال هو الآخر نصيباً وافراً من الحملة الصهيونية أربكت محاولته في النهوض من جديد والاستمرار في النهج الذي اتسمت به مسيرة العمليات النوعية خلال عامي 2002 و2003. فقد تمكنت سلطات الاحتلال من اغتيال عبد الهادى النتشة قائد كتائب شهداء الأقصى في مدينة الخليل ثم نايف أبو شرخ القائد العام في الضفة الغربية ومعه أربعة من الكوادر في مدينة نابلس. كما اغتال المستعربون، فرق الموت الإسرائيلية، خمسة كوادر في جنين بعد أن اعترضوا سيارة كانوا على متنها. وفي طولكرم أيضاً، استشهد ستة من قادة وكوادر كتائب الأقصى في عملية مشابهة.
ومثل سابقتها، كتائب القسام وسرايا القدس، تمكنت كتائب شهداء الأقصى من تجاوز هذه المحن بتنشيط عملياتها المنطلقة من قطاع غزة، وبخاصة إطلاق النار ونصب الكمائن واقتحام المواقع العسكرية مما أسفر عن مقتل 13 صهيونياً وهو ما يعادل 10% من إجمالي عدد القتلى الصهاينة في العام الرابع من انتفاضة الأقصى المبارك. كما اشتركت كتائب شهداء الأقصى مع كتائب القسام في تنفيذ عملية أسدود الاستراتيجية والتي أوقعت عشرة قتلى.

 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003