|

































| |
|
أوروبا والانتفاضة: مسيرة متقلّبة
للمواقف الرسمية والشعبية |
إنّ الصور العديدة التي يمكن رؤيتها تحت عنوان ((أوروبا والانتفاضة)) تتطلّب
نظرة منهجيّة عميقة لتحديد معالم المواقف الأوروبيّة –وليس الموقف الأوروبي-
تجاه الانتفاضة الفلسطينية ومستقبلها، مع ملاحظة ثلاثة أمور، خطأ تعميم الحديث
عن موقف ما من الانتفاضة دون التمييز بين بعض جوانب الانتفاضة نفسها، أهدافاً
ووسائل وقوى فاعلة، ضرورة متابعة تطوّر المواقف الأوروبية على ضوء مجرى الأحداث
المفصليّة، في المنطقة العربية والإسلامية وعالمياً، وهو ما يتركّز في فترة
السنوات الأربع الماضية على تفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001 وانطلاق حرب
احتلال أفغانستان قبل حلول عام 2002، وانطلاق حرب احتلال العراق عام 2003، مع
ما يرتبط بهذا وذاك من تطوّرات على الصعيد الدولي باتجاه نظام عالمي مقبل، ومن
تطوّرات على صعيد العلاقات الغربية مع الإسلام والمسلمين، المواقف الرسمية
والإعلامية إجمالاً، والمواقف الشعبية في أوروبا، بما فيها مواقف بعض القطاعات
الثقافية والفكرية.
أوروبا وأهداف الانتفاضة
عندما اندلعت الأحداث في الأرض الفلسطينية تحت عنوان ((انتفاضة الأقصى)) وانتشر
لاحقاً التعبير عنها أحياناً بانتفاضة الاستقلال، كانت المواقف الأوروبية،
الرسمية والشعبية، تتأرجح بين (1) التأييد علناً أو ضمناً بعد إخفاق مفاوضات
أوسلو وفروعها، وبروز بدايات العنف المتطرّف في المواقف والممارسات
الإسرائيلية، وبين (2) تحميل السلطة الفلسطينية مسؤوليّة اندلاع ((أحداث
العنف)) بدعوى رفض عرفات ((عرضاً مغرياً)) مزعوماً فيما عُرف بلقاء كامب ديفيد
الثاني.
وخلال الشهور الأولى للانتفاضة بدأ التعاطف الشعبي الأوروبي، إنّما كان الخطّ
العام لهذا التعاطف منسجماً مع الموقف الرسمي –غير المعلَن مباشرة- من حيث
تأييد توظيف الانتفاضة لتنشيط المفاوضات على أساس مسيرة مدريد وأوسلو، حتّى إذا
طغت قوّة ((المنظمات الوطنية والإسلامية)) على وجود السلطة نفسها، وبرز تأكيد
بعض المواقف المعبّرة عن التمسّك على المدى البعيد بهدف ((التحرير الشامل للأرض
الفلسطينية))، ازدادت المعارضة في الموقف الرسمي الأوروبي تجاه المنظمات التي
تتبنّى هذا الهدف، ولعبت وسائل الإعلام دورها في التأثير على الرأي العام
للتمسّك –كالجهات الرسمية- بالموقف التقليدي القديم بصدد ((حقّ إسرائيل في
البقاء في حدود آمنة)). ولم يتبدّل شيء من ذلك لاحقاً، أي عند صدور مواقف أخرى
من جانب المنظمات الفلسطينية، بما فيها إعلان الهدنة من جانب واحد، والاستعداد
لأكثر من ذلك في حال الانسحاب العسكري الإسرائيلي من أراضي عام 1967، وكذلك
المواقف الداعية إلى قيام دولة يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، كما
عبّر عن ذلك مؤسّس حماس وزعيمها الروحي الشيخ أحمد ياسين رحمه الله في مقابلة
له مع مجلة ((دير شبيجل)) الألمانية.
ويكشف التأمل في مسلسل المواقف الأوروبية الصادرة على امتداد أربع سنوات، أنّها
تدور على محورين، أحدهما تأييد إنهاء الاحتلال القائم منذ عام 1967 دون
الالتزام المسبق بمجرى الحدود النهائية، والثاني الرفض المطلق لكلّ ما يتعدّى
ذلك من أهداف فلسطينية، وهذا ما يتّضح إلى حدّ بعيد في تفاصيل الموقف الأوروبي
في قضية ((الجدار العازل)).
أوروبا ووسائل الانتفاضة
غلب على الموقف الأوروبي المبدئي في الفترة الأولى من انتفاضة الأقصى الاعتقاد
بأنّها ستكون من حيث وسائلها امتداداً للانتفاضة الأولى، التي اشتهر وصفها
بانتفاضة الحجارة. ورغم العمليّات المسلّحة التي وقعت بصورة متفرّقة خلال سنوات
أوسلو، إلا أن التجاوب المبدئي مع الفلسطينيين صدر سياسياً وشعبياً عن توقّع
استخدام ((وسائل سلمية)) بمعنى المواجهة بالمظاهرات والاعتصامات والإضرابات وما
شابه ذلك، دون استخدام السلاح، أو دون استخدامه على نطاق واسع على الأقل. ولكنّ
التحوّل الملحوظ في مجرى الانتفاضة –بغض النظر عن الأسباب الميدانية- باتجاه
العمليات المسلحة، وإطلاق الصواريخ، أوجد للمواقف السياسية، إذا كانت في حاجة
إلى حجج ما، المبرّرات المناسبة للرأي العام، لتميل إلى الطرف الإسرائيلي بصورة
واضحة، في جانب رئيسي هو رفض العمليات المسلّحة واعتبارها ((إرهاباً))، واقتصر
النقد للممارسات الإسرائيلية على الحديث عن ((استخدام القوّة المفرطة)) دون
صدور إدانة ما، ودون التخلّي عن الموقف التقليدي الغربي المشترك بصدد حقّ
(إسرائيل) في الدفاع عن النفس.
وقد ارتبط التعليل الأهم للموقف الأوروبي بلجوء المنظمات الفلسطينية، لا سيّما
حماس والجهاد، إلى ((العمليات الاستشهادية)) وفق ما تراه المنظمات الفلسطينية
وسط تأييد شعبي فلسطيني وعربي ملحوظ، بينما تراجعت الجهات الرسمية، الفلسطينية
والعربية والإسلامية، عن هذا الوصف، وتبنّت منذ مؤتمر شرم الشيخ على الأقل،
الموقف الغربي بأنّها عمليات انتحارية إرهابيّة موجّهة ضد المدنيين ولا يمكن
القبول بها. وكان من أسباب التركيز الغربيّ الكبير على هذه العمليات، وشدّة
القلق والرفض لها، انتشارها في هذه الأثناء في مناطق عديدة أخرى، حيثما تقع
المواجهات مع القوّات الغربية، كأفغانستان والعراق، وكذلك الروسيّة كما في
الشيشان وروسيا نفسها، ممّا نشر الاقتناع بأنّ القوى الدولية عموماً تواجه
((ظاهرة جديدة)) لا تستطيع التعامل معها بالأساليب التقليدية في ساحات القتال.
لقد أصبحت هذه العمليات في مقدمة المبرّرات التي تعتمد عليها السلطات الأوروبية
في إجراءات ومواقف عديدة، كان أبرزها إدراج حركة حماس عام 2003 في قائمة
((المنظمات الإرهابية)) التي وضعها الاتحاد الأوروبي لأوّل مرة عام 2001، ثم
حملات التضييق على الأوساط المتعاطفة مع ((الانتفاضة ومنظماتها))، لا سيّما
الجمعيات والروابط التي يُشتبه بأنّ ما ترسل به من تبرّعات مالية إلى
الفلسطينيين، يدعم تلك المنظمات، ولو عن طريق تأمين حياة الأطفال والنساء الذي
يفقدون المعيلين والأقرباء ممّن يجنّدون أنفسهم لتلك العمليات وغيرها من
العمليات المسلّحة.
مفعول تفجيرات نيويورك وواشنطن
من المؤكّد أن قسطاً كبيراً من التحوّل في المواقف الرسمية الأوروبية ارتبط عام
2002 على الأقل بتفجيرات نيويورك وواشنطن، فبغضّ النظر عن الأسلوب الأمريكي في
توظيفها سياسياً وعسكرياً على حساب قضايا العرب والمسلمين وقضاياهم وحقوقهم
وكذلك في خدمة الهيمنة الأمريكية دولياً، يمكن القول إنّ وسائل الإعلام الغربية
التي لا تكاد تنقل شيئاً يستحقّ الذكر من الساحة الفلسطينية عن صور ضحايا القصف
الإسرائيلي وعمليات الاغتيال المتكرّر، نقلت على نطاق واسع بصورة تلفت النظر،
تلك الصورة الأولى لبعض الفلسطينيين المبتهجين ابتهاجَ الشماتة كردّ فعل أول
على حدث التفجيرات عام 2001، وهذه الصورة بالذات ساهمت إسهاماً كبيراً في إضعاف
مفعول الصور الأولى من الانتفاضة، لا سيّما صورة استشهاد محمد الدرّة، منذ ذلك
الحدث لم يعد يمكن أن يتحدّث أحد في الساحة الأوروبية بصورة مؤثّرة وفعّالة، عن
التمييز بين ((مقاومة فلسطينية للاحتلال)) و((أعمال إرهابيّة فلسطينية)).
ولا ريب أنّ السياسات العربية التي أمكن تجنيدها أمريكياً وأوروبياً في ((مؤتمر
شرم الشيخ)) وما بعده، قد لعبت على هذا الصعيد دوراً مؤثّراً، وحتّى بعد انقضاء
العام الأول على التفجيرات، وبداية ظهور الخلافات الأوروبية-الأمريكية، لم
يتبدّل هذا الوضع تبدّلاً يستحقّ الذكر، فمعظم المواقف الأوروبيّة المتميّزة عن
السياسات الأمريكية وأهداف الهيمنة المحرّكة لها، لم تكن تجد سنداً لها على
الأرض العربية نفسها، فبقي الموقف الأوروبي في حدود ما تمخّض عنه مؤتمر مدريد،
وهو متابعة السياسة الأمريكية حيث مضت بالمنطقة، والاكتفاء بالعمل على إثبات
الوجود الأوروبي في المنطقة، من خلال مواقف متفرّقة للتهدئة الإقليمية فحسب،
كلّما شاع الحديث عن ((جمود)) طارئ على السياسة الأمريكية، أو من خلال الاكتفاء
بمحاولة تأمين دور اقتصادي ومالي أوروبي مستقبلي.
مواقف غير رسمية
كان العام الأوّل للانتفاضة كما سبقت الإشارة عام النصرة الشعبيّة الأوروبية
لها، وقد وصل التعاطف الشعبي إلى أقصى مداه في نيسان/إبريل وأيار/مايو 2001،
وانتشر في معظم البلدان الأوروبية، واتخذ صورة مظاهرات جماهيرية كبيرة، ومواقف
صادرة عن بعض المثقفين والمفكرين، وازدياد نسبة انتقاد السياسات الإسرائيلية من
جانب بعض المسؤولين السياسيين، إضافة إلى موجة ملحوظة من الانتقادات الحادّة
بأقلام العامّة من السكّان عبر منتديات الحوار وفي عمليات استطلاع الرأي
العديدة في المواقع الشبكية التابعة لوسائل الإعلام الكبيرة، ممّا أوصل في بعض
الأحيان إلى إحراج لها لتناقض مواقفها مع مواقف غالبيّة قارئيها ومتابعيها عبر
الشبكة، بل يلفت النظر انتشار مشاركات أوروبية متفرّقة، ولكن لا يُستهان بها أو
بقيمتها الرمزية، في حملات المقاطعة الشعبية التي انتشرت في البلدان العربية
والإسلامية تجاه السلع الأمريكية.
وكان من الواضح أنّ التعاطف الشعبي الأوروبي تأثّر أيضاً بالنصرة الشعبية في
البلدان العربية التي بلغت أوج التعبير عن نفسها في ذلك العام الأوّل أيضاً،
حتى إذا أُخمدت واقعياً وأوجدت تفجيرات نيويورك وواشنطن تبريرات إضافية
للحكومات العربية والإسلامية لممارسات قمعية بحجّة المشاركة في محاربة
((الإرهاب))، همدت التحرّكات الشعبية الأوروبية أيضاً.
إلاّ أنّ الاستطلاع الأوروبي الشهير عام 2003، والذي اعتبر ((الولايات المتحدة
الأمريكية وإسرائيل)) هما الأخطر على السلام والأمن العالميين، يؤكّد أنّ
المواقف الشعبية الأوروبية ما تزال في الاتجاه الصحيح، وأنّ في الإمكان إحياء
التعبير عنها مجدّداً، إذا ما تمّ اختراق أسباب القمع المتصاعد للتعبير الشعبي
داخل البلدان العربيّة والإسلامية أولاً، وتمّ ثانياً اختراق التعتيم الإعلامي
الواسع النطاق المفروض على ((المعاناة الفلسطينية))، ويكفي تنويها بذلك أنّه لا
يكاد يظهر ((ميكروفون)) واحد يحمل اسم وسيلة إعلام غربية، ليحتل مكانه إلى جانب
بضعة وسائل إعلام محليّة وعربية، في متابعة مؤتمر صحفي فلسطيني أو عربيّ يتعلّق
بمجرى الأحداث، بينما تلتقي وسائل الإعلام جميعاً، بما فيها العربية، على
متابعة المهمّ وغير المهمّ من مواقف الطرفين، الأمريكي والإسرائيلي، فيما
يتعلّق بالأحداث الفلسطينية وسواها.
نظرة مستقبلية
لا يُتوقع للعام الخامس في عمر الانتفاضة أن يشهد تغييراً جذرياً في المواقف
الرسمية الأوروبية، وأحد الأسباب الرئيسية لذلك أن ما بات يسمّى ((الإرهاب
الإسلامي)) في سعي مقصود لتعميم وصف الإرهاب على كلّ ما هو إسلامي، وليس على من
يرتكب فعلاً الأعمال الإرهابية دولياً تحت عنوان إسلامي، قد أصبح أحد المرتكزات
الرئيسية للتعامل مع المقاومة الفلسطينية، وعلى وجه التحديد المنظمات التي
تنطلق من الإسلام في ممارسة المقاومة، بغض النظر عن اختلاف تقويم هذه الممارسات
فلسطينياً وأوروبياً.
إنّ الأولوية المطلقة في السياسات الأوروبية دولياً في الوقت الحاضر هي التعامل
مع ما يُسمّونه ((الإرهاب الإسلامي))، ولن يتبدّل ذلك في اتجاه يخدم القضية
الفلسطينية ما دام الطرف الفلسطيني سلطة ومنظمات، لا يصل بنفسه أو من خلال دعمه
عربياً وإسلامياً، إلى مستوى القدرة، ليس على تحديد الخطّ الفاصل ما بين مقاومة
مشروعة هدفاً وأسلوباً، وبين إرهاب غير مشروع، فحسب، وإنّما إلى بيان ذلك أيضاً
على المستوى الدولي بياناً مقنعاً.
إنّ ما يقع من عمليات إرهابية عالمياً، بات إحدى الوسائل الرئيسية التي توظّف
نفسها كما توظّفها السياسات الأمريكية والإسرائيلية، لتأكيد أنّ أوروبا نفسها
مستهدفة من جهة وإلى تصوير المواجهة الإسرائيلية-الفلسطينية من جهة أخرى بأنّها
جزء من ((الحرب ضدّ الإرهاب)) وليست قضية احتلال ومقاومة، وهنا لا تفيد كثيراً
محاولات التمييز بين موقف شعبي وموقف رسمي في البلدان الأوروبية.
ومن المؤلم بطبيعة الحال، أنّ المعاناة الفلسطينية المتواصلة عاماً بعد عام،
والتي تحول دون توفير الطاقات الذاتية اللازمة لحملات إعلامية على المستوى
الأوروبي –وسواه- لا تجد حتى الآن، ما يعوّضها على المستوى المطلوب من جانب
أصحاب القدرة المالية والفكرية والثقافية والإعلامية خارج الأراضي الفلسطينية،
على مستوى العرب والمسلمين وعلى مستوى من يوصفون بأحرار العالم في كلّ مكان.
|
| |
|