فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Oct2004
PDF نسخة
درب الانتفاضة
نحو فهم أعمق
قرن من المقاومة
أهم عمليات
محطات الانتفاضة
الأجنحة العسكرية
عائلات فلسطين
نساء الانتفاضة
المقاومة تضرب
الإرهاب الصهيوني
النشطاء الأجانب
حماية الانتفاضة
السلطة والانتفاضة
المجتمع الصهيوني
الاقتصاد الصهيوني
قادة العدو
العنف الصهيوني
مقابلة مع خبير
الجدار الفاصل
الشيخ رائد صلاح
رأي - منير شفيق
مقابلة سياسية
شهادات عربية
العرب والانتفاضة
أوروبا والانتفاضة
الثقافة والانتفاضة
خالد مشعل
لوحة فنية
لوحة فنية
لوحة فنية
لوحة فنية

 

الأوضاع العربية والإسلامية رسمياً وشعبياً وتأثيرها على الانتفاضة



لا خلاف على أن القضية الفلسطينية كانت طوال عقود القضية المحورية للسياسة العربية الرسمية، حتى لو استخدمها البعض من أجل التغطية على أوضاع داخلية إشكالية، كما كانت كذلك بالنسبة للشارع العربي وحتى الإسلامي على نحو ما، حيث رأتها الجماهير قضيتها المركزية التي تحدد على أساسها منسوب الانتماء للأمة لدى هذا الزعيم أو ذاك، أو حتى هذه القوة السياسية أو تلك.
من المؤكد أن مرحلة كانت تختلف عن أخرى في عمر القضية من زاوية القدرة على الحشد السياسي والشعبي. وفيما كانت الانتفاضة الأولى التي انطلقت نهاية العام 1987 من أبرز مراحل النضال الوطني الفلسطيني أهمية وأكثرها حضوراً في الوعي العربي والإسلامي خلال القرن الماضي، جاءت انتفاضة الأقصى التي اندلعت نهاية شهر أيلول/سبتمبر من العام 2000، أي قبل ثلاثة شهور من نهاية القرن العشرين لتشكل علامة أكثر قوة في التاريخ الفلسطيني من زاوية حجم التفاعل العربي الرسمي والشعبي وحتى الدولي معها ومع فعالياتها.
في تفسير مستوى الحضور الشعبي الهائل لانتفاضة الأقصى ثمة أكثر من ميزة يمكن الحديث عنها، لعل أبرزها تلك الوحدة الوطنية التي اتسمت بها، والتي لم تُعرف بهذا المستوى من قبل. أما الميزة الثانية وربما الأهم فتتعلق بتلك السمة الخاصة التي اتسمت بها عن النضال الفلسطيني في المراحل السابقة، وما ترتب عليها من تأثير في الأوساط الصهيونية. ونعني تلك الروح الاستشهادية التي دشّنتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الساحة الفلسطينية منذ العام 1994، والتي غدت العلامة الأبرز لانتفاضة الأقصى، فقد سادت روح الاستشهاد على نحو غير مسبوق في الساحة الفلسطينية، الأمر الذي شكل تهديداً وجودياً للدولة العبرية لم تعرفه في تاريخها قط.
هناك ميزة تمتعت بها انتفاضة الأقصى لم تكن خاصة بها، لكنها ساهمت بشكل كبير في دفعها قُدماً إلى الأمام من حيث مستوى الحضور والتفاعل. ونعني بها تلك الظاهرة الإعلامية الجديدة ممثلة في انتشار الفضائيات وشبكة الإنترنت، التي جعلت الانتفاضة بشهدائها وبطولاتها تدخل كل بيت في العالم العربي والإسلامي.
لقد منحت هذه الميزة الانتفاضة أبعاداً خاصة جعلت مستوى التفاعل معها أكبر بكثير من أي حدث من أحداث القضية الفلسطينية في السابق، بل ربما أكبر من أي حد آخر على المستوى العربي. ولا شك أنها بذلك الحضور الكبير كانت تحفر عميقاً في الوعي العربي والإسلامي، لا سيما الشعبي منه.
من هذه الزاوية جاء التفاعل الكبير الذي حظيت به الانتفاضة، فقد عاشها الشارع العربي على نحو غير مسبوق وتفاعل معها بكل جوارحه، ولعلها المرة الأولى في تاريخ الأمّة التي تعرف فيها المظاهرات المليونية كتلك التي شهدتها شوارع صنعاء والدار البيضاء وسواهما.

التفاعل الرسمي العربي مع القضية
على خلفية هذه الأوضاع الاستثنائية التي تحولت إلى حدث يومي بالنسبة للشارع العربي، لم يكن أمام النظام العربي الرسمي سوى التفاعل مع الانتفاضة بمختلف الأشكال التي يمكن أن تجنبه تهم التخاذل مع قضية الأمّة، وخلال عام وبعض عام من اندلاعها شهدنا تفاعلاً رسمياً غير مسبوق على الإطلاق، وعاد بعض القادة العرب إلى الحديث عن الثورة والمقاومة كما لم يحدث من قبل.
في القمة العربية التي عقدت بعد شهور من اندلاع الانتفاضة شهدنا وضعاً عربياً رسمياً مختلفاً إلى حد كبير عن ذلك الذي ألفه الشارع العربي خلال السنوات السابقة، والتي شهدت مداً تطبيعياً استثنائياً تبعاً لتطورات اتفاق أوسلو على الأرض ونشوء سلطة فلسطينية بمسمى دولة تمارس التطبيع مع الأعداء. فلماذا يصبح العرب فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم كما كان يردد كثير من الساسة العرب في ذلك الحين؟!
كانت سنوات الصعود في أوسلو مميزة إلى حد كبير، فقد تراجع منسوب الصراع مع الأعداء وصار كل شيء مختلفاً، وشهدنا أنظمة تهرول باتجاه العدو على نحو استثنائي، الأمر الذي أثار حفيظة أنظمة أخرى وجدت أن الأمر ينطوي على مخاطر جمة على مستقبل الوضع العربي.
بعد انتفاضة الأقصى بدأ التحول الشعبي كبيراً، فخلال شهور قليلة من اندلاعها كانت جهود التطبيع التي مرت عليها سنوات قد تحولت إلى رماد تذروه الرياح، وسادت موجة من المقاطعة، ليس للبضائع الإسرائيلية التي لا تتوفر مباشرة في الأسواق العربية، بل للبضائع الأمريكية أيضاً، وصار العداء للولايات المتحدة يتفاعل في الشارع العربي والإسلامي على مختلف الأصعدة.

تراجع عربي رسمي وشعبي
استمرت حالة التفاعل مع انتفاضة الأقصى وفعالياتها حتى الشهر الرابع من العام 2002، أي بعد أكثر من خمسة شهور على هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، وهي المرحلة التي توّجت بمعركة مخيم جنين البطولية التي رسخت في الذاكرة كواحدة من أعظم معارك المقاومة الشعبية في التاريخ، وهي التي خاضها بضع عشرات من المجاهدين في مواجهة أعتى آلة عسكرية في الشرق الأوسط.
كانت قوى المقاومة قد أوقفت فعالياتها لبعض الوقت بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، لتراقب المشهد الدولي المصاب بالدهشة مما جرى في الولايات المتحدة، لكن شارون الذي أراد استغلال الهجمات في تحقيق ما عجز عنه خلال شهور طويلة ساهم في دفعها نحو تصعيد عملياتها بعد تنفيذه لموجة اغتيالات بحق رموز المقاومة.
هنا جاءت عملية ((السور الواقي)) التي أعاد الجيش الإسرائيلي من خلالها احتلال الضفة الغربية بكاملها من دون أن ينهي السلطة التي بقيت بشكلها الخارجي كي لا يتورط الاحتلال ويضطر لتحمل التبعات السياسية والاقتصادية للاحتلال الكامل، مع ما يضيفه ذلك من ميزة أمنية بدخول الجيش الإسرائيلي للمناطق والخروج منها من دون تبعات تحت راية حظر التجول.
في هذه الأثناء سجل الوضع الفلسطيني الرسمي تراجعه المثير من خلال صفقة المقر وكنيسة المهد، وذلك على أمل فك الحصار عن الرئيس الفلسطيني. وفيما لم يحدث ذلك كان الشارع العربي يصاب بالإحباط بسبب التراجع المثير في موقف السلطة، الأمر الذي انعكس على الفعاليات المناصرة للانتفاضة في العواصم العربية والإسلامية.
لا شك أن موقف الأنظمة العربية قد تسبب في أمر كهذا، والسبب هو التوجه العام القائل بضرورة التهدئة خوفاً من الولايات المتحدة التي أخذت تفقد صوابها بفعل هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، مطالبة الأنظمة بوقف الانتفاضة ومطاردة الحالة الإسلامية التي كانت السمة المميزة لبرنامجها وفعالياتها ولمجمل الخطاب المناهض للولايات المتحدة في العالم العربي والإسلامي.
من هنا بدأت الضغوط على الشارع العربي، وفيما كان النظام العربي يتسامح مع فعاليات النصرة لانتفاضة الأقصى بدا الأمر مختلفاً في المرحلة الجديدة، وبات من الطبيعي أن نشاهد الشباب العربي يطارَد بالعصي والهراوات وأحياناً بالرصاص من قبل الشرطة في العواصم العربية. ولا شك أن ذلك كله قد ساهم مع ما أشير إليه سابقاً في الحد من التفاعل مع الانتفاضة أو تراجعه على نحو واضح عما كان عليه خلال العام الأول من اندلاعها وصولاً إلى معركة مخيم جنين البطولية.
من المؤكد أن ذلك قد أثر إلى حد ما على الانتفاضة وفعالياتها، سيما عندما انجلى العام التالي وبعد عام من معركة مخيم جنين عن زوال نظام الرئيس العراقي صدام حسين، الذي يمكن القول إنه وبغض النظر عن الموقف منه ومن سياساته كان الأكثر دعماً لانتفاضة الأقصى من بين كل الزعماء العرب والمسلمين، وذلك من خلال دفعه تعويضات أسر الشهداء والاستشهاديين وأصحاب البيوت المهدمة.
كانت المرحلة التي سبقت احتلال بغداد هي المرحلة الأكثر صعوبة بالنسبة لقوى المقاومة. وقد اضطرت خلالها إلى القبول بهدنة مع الاحتلال توقف من خلالها هجماتها المسلحة كاملة وهو الأمر الذي لم يحدث من قبل، وقد جاء نتاجاً لوضع عربي بالغ الصعوبة ووضع دولي ضاغط، إلى جانب انقسام في الشارع الفلسطيني حول جدوى الاستمرار بذات الطريقة. بالمقابل كانت السلطة تتراجع قبل ذلك بقبول عرفات رغم أنفه بمحمود عباس رئيساً للوزراء ومحمد دحلان وزيراً للداخلية.

مرحلة المقاومة العراقية
جاءت مرحلة المقاومة العراقية التي استلهمت بطولات الحالة الفلسطينية لتمنح الوضع الفلسطيني دفعة قوية على المستويين الرسمي والشعبي المقاوم. فعلى الصعيد الأول وجد عرفات أن الفرصة قد غدت مناسبة للإطاحة بالوزارة التي فرضت عليه بسيف القوة والتهديد. أما قوى المقاومة فقد وجدت في وضوح الورطة الأمريكية في العراق ومعها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية فرصة مميزة للإطاحة بالهدنة عبر استئناف العمليات الاستشهادية بعملية كبيرة في القدس، نفذتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) رداً على اغتيال زعيم القسام في مدينة الخليل عبد الله القواسمي.
هكذا عاد الوضع الفلسطيني إلى التقدم من جديد، لكن ذلك لم يمكث طويلاً، فقد بدأت التراجعات من جديد أمام الضغوط الأمريكية. وفيما كان شارون يعلن عجزه بشكل غير مباشر عن إخضاع الانتفاضة وفرض الاستسلام على الفلسطينيين من خلال إعلان نية الانسحاب من قطاع غزة، كانت الدول العربية تدين العمليات الاستشهادية للمرة الأولى في قمة تونس، وكان المصريون يقبلون التعامل مع خطته على نحو أثار أعصاب الفلسطينيين، وهي القضية التي لا تزال تراوح مكانها إلى الآن.
من كل هذا الاستعراض يتضح لنا أن انتفاضة الأقصى قد فجرت الكثير من الحيوية في الجسم العربي والإسلامي، وذلك ببث ثقافة المقاومة والتحدي في أوصاله، وهو الأمر الذي بدا واضحاً من خلال اندلاع المقاومة العراقية في زمن قياسي بالنسبة لتجارب الشعوب المماثلة مع الاحتلال. لكن ذلك لا ينفي أن الانتفاضة الباسلة كانت ولا تزال تتنفس هواء أمّتها، الأمر الذي يرتب الكثير من الأعباء على القوى السياسية العربية والإسلامية، التي يمكن القول أنها لم ترتق في أدائها إلى مستوى البطولة والتضحية التي تجلت على نحو رائع ولا تزال في الساحتين الفلسطينية والعراقية.


 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003