بقلم: منير شفيق
واجهت الانتفاضة والمقاومة خلال الأربع سنوات الماضية
استراتيجيتين لشارون طبقهما الجيش الإسرائيلي بكل ما أوتي من قوة وخبرة
وإمكانات، متجاوزاً عن كل الاعتبارات القانونية والدولية في الحرب، ناهيك عن
الاعتبارات الأخلاقية.
تمثلت الاستراتيجية الأولى بسياسة الاغتيالات والمطاردة والقتل وتصاعدت بعد
11/9/2001 في نيسان/أبريل من عام 2002 إلى مستوى الاجتياحات، وإعادة احتلال ما
سمّي في تطبيقات اتفاق أوسلو مناطق (أ). وكانت البداية في المعركة البطولية
التي خاضها المجاهدون والناس العاديون في مخيم جنين عندما اتجه الجيش
الإسرائيلي إلى اجتياحه. ثم انتقلت عمليات الاجتياح لتضرب في المدينة القديمة
من نابلس. وقد دامت هذه الاستراتيجية التي سِمتها الأساسية الاجتياحات وإعادة
الاحتلال مع اصطحابها لسمة القتل والاغتيالات والاعتقالات والعقوبات الجماعية
ضد المدن والقرى لمدى ثلاث سنوات تقريباً. الأمر الذي أدخل عامل صمود الشعب
الفلسطيني في الثنائي: الانتفاضة والمقاومة عنصراً مركزياً في الاستراتيجية
الفلسطينية المقابلة.
أما أهداف الاستراتيجية المشار إليها فكانت: القضاء على الانتفاضة وسحق
المقاومة وإخضاع الشعب الفلسطيني ليرفع الأعلام البيضاء مع هدف رابع هو المجيء
بقيادة بديلة وفقاً للمقياس الإسرائيلي. ويجب أن يذكر هنا أن هذه الاستراتيجية
لقيت دعماً غير مشروط من جانب الإدارة الأمريكية. وكان استخدام الفانتوم
والأباتشي والأسلحة الأمريكية الأخرى يعني المشاركة الأمريكية في هذه
الاستراتيجية وأهدافها، فضلاً عن المعلن من التأييد السياسي.
لكن بعد مضي حوالي الثلاث سنوات، أو أقلّ، وصلت قيادة الجيش الإسرائيلي إلى
قناعة بأن القضاء على الانتفاضة ليس ممكناً وسحق المقاومة أشد استعصاء، وإخضاع
الشعب الفلسطيني غير قابل للتحقق مع تلك الاستراتيجية، كما أن محاولات فرض
قيادة بديلة فشلت منذ بدايتها. الأمر الذي يعني انتصاراً أولياً للانتفاضة
والمقاومة والصمود الشعبي الفلسطيني.
وبدهي أن معايير الهزيمة والنصر في الحرب بين شعب تحت الاحتلال والقوة العسكرية
التي تمارس لإخضاعه وللقضاء على طلائعه المقاومة والمنتفضة لا يكون بإنزال
هزيمة عسكرية بالمعنى الكلاسيكي في الحرب في ما بين الجيوش، وإنما يتحقق بإفشال
استراتيجية العدو في القضاء على خلايا المقاومة وعناصر الانتفاض والإرادة
الشعبية في الصمود. ويتم هذا بعد أن يُفرّغ جيش الاحتلال كل ما في جعبته من
وسائل ومحاولات. هنا يصبح التراجع حتمياً لأن الخسائر تصبح بلا هدف ولا نتيجة
سياسية من جانبه. بل يبدأ بالخسارة محلياً ودولياً، معنوياً وسياسياً
واقتصادياً. فهذه المعادلة هي التي حكمت قانون الحرب بين الشعوب وجيش الاستعمار
والاحتلال. وهي التي كانت تنتهي بهزيمة الجيش المتفوق بالرغم مما يمتلك من عديد
وأسلحة وإمكانات وخبرات.
عندما واجه شارون ووزير دفاعه وقائد الجيش وهيئة الأركان هذه النتيجة اعتمدوا
الاستراتيجية الثانية وهي الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات منه
والانسحاب إلى ما وراء الجدار في الضفة الغربية بعد استكمال بنائه. فاستراتيجية
بناء الجدار جزء من الاستراتيجية الثانية، ونتيجة لفشل الاستراتيجية الأولى.
إن أول من أدرك رائحة الهزيمة الإسرائيلية أمام الانتفاضة والمقاومة والصمود
الشعبي كان حزب الليكود الذي صوّت ضد خطة شارون وأجبره على تعديلها مراراً.
وراحت علائم ذلك الفشل تتبدى الآن في الأزمة الحادة المندلعة بين الأطراف التي
لا تريد أن ترضخ لخطة الانسحاب المذكورة وشارون وحكومته وهيئة أركانه.
لكن تطبيق الاستراتيجية الثانية، بالرغم مما تتضمنه من مخاطر شديدة على الشعب
الفلسطيني إذا توقفت الانتفاضة والمقاومة، تطلب التمادي في الاغتيالات والتقتيل
والتدمير وتجريف الأحياء والشوارع. وذلك ليحافظ على معنويات الجيش والرأي العام
في (إسرائيل) ولإرهاب الفلسطينيين وإشعارهم أن القوة الإسرائيلية ما زالت قادرة
على البطش بأشد من السابق حتى لا يجتاحهم الشعور بالنصر أو الثقة بإمكان
المواصلة لهدم الجدار ودحر الاحتلال إلى ما وراء خطوط هدنة 1950، إلى جانب
استنقاذ القدس وتفكيك المستوطنات من الضفة الغربية.
هذه المرحلة قد تكون أشد خطورة من المرحلة السابقة، إذا أتيح للاستراتيجية
الثانية أن تنفّذ أهدافها في فرض الهدوء والأمر الواقع أو الغرق في مفاوضات
عبثية أو التعلل بوعود أمريكية وهمية.
|